الحمر زينة الدهر
21/06/2008, 11:11 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
أعزائي أعضاء منتديات روابي الكرام...
حفظكم الله و رعاكم، و جعل الجنة مثوانا و مثواكم...
ليست أندلسًا واحدةً...
في عام اثنين و تسعين للهجرة أرسل القائد المجاهد " موسى بن النصير " رسالة إلى خليفة المسلمين الأموي " الوليد بن عبد الملك " يستأذنه في فتح تلك البلاد، و كان الخليفة الأموي لا يدري ما الذي بينها و بين بلاد المسلمين من البحر، فرد برسالة قال فيها: " لا تغامر بالمسلمين في بحر شديد الظلمات "، فأرسل له القائد " موسى بن النصير " يخبره أن الذي بننا و بينها مضيق ضيق يرى الناظر برأي العين من خلفهُ، فرد عليه الخليفة: " اختبرها بالسرايا "، و كان ذلك هو الإذن من الخليفة للمسلمين بفتحها، و كان فيه الرأي السديد حين أمره أن يختبرها بالسرايا، و فيه حرص الخليفة على أمور المسلمين، و عطفه عليهم عطف الأب على أبنائه، فأرسل لها " موسى بن النصير " سرية يقودها " طريف " و هو رجل من البربر، ذهب بها ليستطلع بلاد الأندلس...
عاد " طريف " من الأندلس بالخبر الأكيد و المفرح بأنها بلاد سهل دخولها، فكان ذلك...
دخلها المسلمون بقيادة القائد المجاهد الفذ " طارق بن زياد " - رحمه الله -، و الذي اختاره " موسى بن النصير "، و كان " طارق " هو أيضا من قبائل البربر...
دخلها " طارق " و أخذ يفتح حصونها و مدنها و قلاعها الواحدة تلو الأخرى، و كلما فتح مدينة ترك فيها حامية صغيرة من الجيش، ثم ينطلق للتي تتلوها، و هكذا ظل حتى أتاه المدد من " موسى بن النصير "، فالتقيا في سنة ثلاثٍ و تسعين، و استكملا الفتح سويا، حتى غدت الأندلس في غضون خمس سنوات فقط كلها تحت الحكم الإسلامي...
و في فتح الأندلس المجيد لنا عبر، و كذلك في سقوطها الحزين المؤلم...
ففي فتحها نرى الكثير من الأمور المعجزة للمسلمين آنذاك، و التي تدل على أن الإسلام هو خير الأديان، و أنه دين الفطرة، فمن ذلك أن كل مدينة دخلها المسلمون يسلم من أهلها جمع غفير، لما رأوا من عدل الإسلام و رحمته، فأي دين يخيرهم بين ثلاث أمور، إما الإسلام أو الجزية أو الحرب، و أي دين أو أي حاكم لا يفرض عليهم ضرائبا، فليس عليهم سوى دينار واحد يدفعه منهم الرجل المستطيع للقتال، و هو يدفعه كل سنة، و قد كانوا يدفعون أضعاف أضعاف هذا تحت حكم حكّامهم، بل إن هذه الجزية التي يدفعونها هي أقل بكثير من نسبة الزكاة التي يدفعها المسلمون، فالمسلمون يدفعون ما نسبته 2.5% من أموالهم كل عام، و القيمة فيها متغيرة حسب المال كثرة و قلة، أما هم فما يدفعونه ثابت لا يتغير مهما كثرت أموالهم، بل إن النساء و الأطفال و الشيوخ و المرضى لا يدفعون شيئا، إنما هي على القادرين على القتال من الرجال الذين لا يرجون قتالا، و من قاتل منهم مع المسلمين سقطت عنه الجزية، بل إن المسلمين إذا كانوا لا يستطيعون حمايتهم أعادوا لهم أموالهم من الجزية، و قد حدث هذا في تاريخ الأندلس، بل إن أهل الكتاب منهم لهم الحق إن دخلوا تحت حكم المسلمين، لهم الحق أن يأخذوا من بيت مال المسلمين إن كانوا فقراء، أو لدَيْنٍ غير قادرين على الوفاء به، و غير ذلك من الأمور، فأي دين قد وهبهم ذلك؟...
و من عجائب فتح الأندلس أن أعظم مدنها فتحت بلا مقاومة تذكر، فعلى سبيل المثال ها هي " قرطبة " العظيمة، شديدة التحصين، عظيمة الجند، المنيعة، ها هي تفتح بسرية قوامها سبع مائة رجل فقط، و بلا أدنى مقاومة، نعم ليس خطأً ما قرأتم، إنها فعلا " قرطبة " العظيمة التي ما زال صداها يترنح بين جدران آثارها التليدة حتى اليوم، نعم إنها الأندلس التي أعطت للعالم خيرا عظيما، و فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاختراعات، و رأى العالم حينها ما لم يكن يتوقعه في شتى العلوم، و ما زالت حتى اليوم كتب علماء المسلمين الأندلسيين من تلك المدينة و غيرها تدرس في الجامعات الغربية، و أعيدها مرة أخرى، لا تستغربوا ما قرأتم، نعم هي " قرطبة " العظيمة...
و للقارئ في ذلك التاريخ التليد أن يجد فيه الكثير من الأمور التي لم تكن في غيره، و لا أظنها ستكون لغيره، كيف لا و هو يقرأ في تاريخ دام أكثر من ثمانية قرون و خمسة أعوام...
و كما أن في تاريخها الأمور العظيمة المعجزة لأمة الإسلام و المسلمين، ففيها الأمور الحزينة التي يدمى لها القلب، و تبكي لأجلها العين الدم، و حال المسلمين حينها يرثى له...
و لعل أشد ما يحزن له القلب في ذلك التاريخ هو حال الفرقة التي دبت بين المسلمين في ثنايا تلك الحقبة المجيدة من ذلك التاريخ الخالد...
فمن كان يظن يوما من المسلمين آنذاك أن دولتهم الواحدة ستغدو يوما اثنين و عشرين دولة، عليه اثنين و عشرين أميرا مسلما، كلهم يدعي أنه خليفة المسلمين، حتى قيل أن الراكب كان في اليوم و الليلة يمر على ثلاثة من خلفاء المسلمين، فأي شيء يحزن كهذا؟، بل و الله إن بعضهم استعان بالنصارى على أخيه المسلم، نعم و الله، فيا لحرقة القلب على ذلك...
و إن أعتى الأمر و أقساها على القلب و أثقلها عليه، و التي هي و الله لو كان الجبل يسمع لانهد حين يعلم بها، هي و الله سقوط الأندلس، سقوط التاريخ المجيد التليد للمسلمين، سقوط أمة من أعظم الأمم، سقوط أعظم دولة في تاريخ العالم في القرون الوسطى، و التي حكمها أعظم حكّام العالم في القرون الوسطى، نعم و الله، فقد كانت الأندلس أعظم دول العالم في القرون الوسطى، و كان أحد حكامها و هو " عبد الرحمن الناصر " أعظم ملوك الأرض في تلك الحقبة، إيه و الله إنه " عبد الرحمن الناصر "...
ذلك الرجل العظيم الذي تولى الحكم و عمره حينها واحد و عشرون عاما فقط، و تأمل هذا الرقم جيدا، واحد و عشرون عاما فقط، شاب في ريعان شبابه، مع ذلك أصبح أعظم ملوك العالم آنذاك...
و للدلالة على عظم ذلك الملك أذكر رسالة أرسلها له ملك إنجلترا مع رجلين، و ذكر في الرسالة: " أرسلت لك بهذين كي تعلمهما في مدارس الأندلس ... "، و ختم الرسالة بقوله: " خادمكم المطيع ملك إنجلترا "، و تأملوا كثيرا في العبارة الأخيرة من رسالته، ملك إنجلترا - حاليا تسمى المملكة المتحدة أو بريطانيا - يقول لذلك الخليفة " خادمكم المطيع ملك إنجلترا "، أي هيبة و عظمة بلغها ذلك الحاكم حتى يقول له ملك إنجلترا تلك الكلمات التي لم يقلها له والٍ مسلم...
و قبل مائة و أربعة و سبعين عاما هجريا " مائة و سبعة و أربعين عاما ميلاديا " احتفلت أوربا كلها، و بالأخص الأندلس بذكرى مرور ألف عام على وفاة ذلك القائد العظيم، فأي قائد جعل النفوس تفتخر به، حتى الكفرة في هذه الأيام، و أي قائد على مر التاريخ الإسلامي و غيره يحتفل الناس بإنجازاته و عظمته و يذكرونه حتى بعد ألف عامٍ من وفاته، إنها عظمة الإسلام و أخلاقه تتجلى في ذلك القائد الفذ، و الذي توفي في عام 350 للهجرة " 961 ميلاديا "، رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته...
فالقلب و الله يحزن و يموت غيظا و كمدا أن تتفرق و تسقط أمة حكمها يوما ذلك القائد العظيم، لكن هذه سنة الله في الدنيا...
لكل شيء إذا ما تم نقصان.....فلا يغر بطيب العيش إنسان
ذهبت الأندلس، ذهب فردوس المسلمين في دنياهم، ذهب الماضي العريق، الذي ما زال مشرقا في حاضرنا، و سيظل في مستقبلنا كذلك، ذهبت الأندلس، و يا ليت التاريخ يعيد نفسه، فأختار أن أعيش لحظة واحدة في حكم ذلك القائد العظيم " عبد الرحمن الناصر "، و يا ليت الأندلس تعود، يا ليتها تعود، يا ليتها تعود...
هذه قطرات يسيرة جدا جدا جدا من بحر الأندلس الذي لا قاع له و لا ساحل، هذه نزرات يسيرة من تاريخ دام أكثر من ثمان مائة و خمسة أعوام، تاريخ عظيم بكل معنى الكلمة...
ذهبت الأندلس، و سارت الأيام حتى غدينا في يومنا هذا، و نحن نرى اليوم ضياع أندلس أخرى، بل أخرى و أخرى و أخرى...
رأينا ذهاب فلسطين، و نعيش حال العراق الكسيرة، و يدمي قلوبنا ما حل ببلاد الأفغان، و الظلم الذي يقاسيه إخواننا في كوسوفا، و القتل و الهتك لكل أقلية مسملة في شتى أرجاء هذه المعمورة، و المسلمون هم ربع هذا العالم، و هم الأكثرية فيه، لكنهم الأضعف و الأهون، و صدق الرسول - صلى الله عليه و سلم -: " بل أنتم غثاء كغثاء السيل "...
أيام الإسلام عظيمة و تاريخه مشرق، حتى في حاضره أيضا، و هو لم يبخل على غيره أبدا، فما يناله أبناؤه مما جادت به أفكار علمائه في شتى المجالات يناله أيضا غيرهم من سكان بلاد المسلمين، و لو كانوا كفارا...
تاريخ عظيم، لم تصدق فيه الأمم التي دخلها الإسلام أن ما تراه بشرا، فلم تكن يوما تتصور أن يفتح بلادها أناس لا يطمعون فيها، بل يطمعون و يرجون أن يسلم الناس، لم تكن تتوقع أن ترى أناسا يموتون لأجل دينهم، لكنها رأت ذلك في تاريخ الفتوحات الإسلامية، و ما أعظمها من فتوحات، و لو لم يكن منها إلا فتح الأندس الذي أظهر للعالم حضارة و علوما و اختراعات لم يكن يوما يحلم بها...
ذهبت الأندلس و ذهب غيرها كثير، ذهبت بلاد المسلمين، و المسلمون ينظرون إليها نظر المغشي عليه، فلا يحركون ساكنا، فنحن من أضاع تلك البلاد، و ذلك التاريخ المشرق بأيدينا...
لن يعود لنا ذلك إلا إن عدنا إلى ما كان عليه أولئك العظماء من القادة و العلماء، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها...
ليست أندلسا واحدةً، فلكم ضيعنا أندلسا...
كتبه لكم:...
أخوكم: فهد المحيميد، الحمر زينة الدهر " أبو فيصل "...
يرجى عدم نقله إلا بعد استئذان كاتبه...
شكرا لكم...
مع أجمل تحية...
أخوكم: فهد المحيميد، الحمر زينة الدهر " أبو فيصل "...
أعزائي أعضاء منتديات روابي الكرام...
حفظكم الله و رعاكم، و جعل الجنة مثوانا و مثواكم...
ليست أندلسًا واحدةً...
في عام اثنين و تسعين للهجرة أرسل القائد المجاهد " موسى بن النصير " رسالة إلى خليفة المسلمين الأموي " الوليد بن عبد الملك " يستأذنه في فتح تلك البلاد، و كان الخليفة الأموي لا يدري ما الذي بينها و بين بلاد المسلمين من البحر، فرد برسالة قال فيها: " لا تغامر بالمسلمين في بحر شديد الظلمات "، فأرسل له القائد " موسى بن النصير " يخبره أن الذي بننا و بينها مضيق ضيق يرى الناظر برأي العين من خلفهُ، فرد عليه الخليفة: " اختبرها بالسرايا "، و كان ذلك هو الإذن من الخليفة للمسلمين بفتحها، و كان فيه الرأي السديد حين أمره أن يختبرها بالسرايا، و فيه حرص الخليفة على أمور المسلمين، و عطفه عليهم عطف الأب على أبنائه، فأرسل لها " موسى بن النصير " سرية يقودها " طريف " و هو رجل من البربر، ذهب بها ليستطلع بلاد الأندلس...
عاد " طريف " من الأندلس بالخبر الأكيد و المفرح بأنها بلاد سهل دخولها، فكان ذلك...
دخلها المسلمون بقيادة القائد المجاهد الفذ " طارق بن زياد " - رحمه الله -، و الذي اختاره " موسى بن النصير "، و كان " طارق " هو أيضا من قبائل البربر...
دخلها " طارق " و أخذ يفتح حصونها و مدنها و قلاعها الواحدة تلو الأخرى، و كلما فتح مدينة ترك فيها حامية صغيرة من الجيش، ثم ينطلق للتي تتلوها، و هكذا ظل حتى أتاه المدد من " موسى بن النصير "، فالتقيا في سنة ثلاثٍ و تسعين، و استكملا الفتح سويا، حتى غدت الأندلس في غضون خمس سنوات فقط كلها تحت الحكم الإسلامي...
و في فتح الأندلس المجيد لنا عبر، و كذلك في سقوطها الحزين المؤلم...
ففي فتحها نرى الكثير من الأمور المعجزة للمسلمين آنذاك، و التي تدل على أن الإسلام هو خير الأديان، و أنه دين الفطرة، فمن ذلك أن كل مدينة دخلها المسلمون يسلم من أهلها جمع غفير، لما رأوا من عدل الإسلام و رحمته، فأي دين يخيرهم بين ثلاث أمور، إما الإسلام أو الجزية أو الحرب، و أي دين أو أي حاكم لا يفرض عليهم ضرائبا، فليس عليهم سوى دينار واحد يدفعه منهم الرجل المستطيع للقتال، و هو يدفعه كل سنة، و قد كانوا يدفعون أضعاف أضعاف هذا تحت حكم حكّامهم، بل إن هذه الجزية التي يدفعونها هي أقل بكثير من نسبة الزكاة التي يدفعها المسلمون، فالمسلمون يدفعون ما نسبته 2.5% من أموالهم كل عام، و القيمة فيها متغيرة حسب المال كثرة و قلة، أما هم فما يدفعونه ثابت لا يتغير مهما كثرت أموالهم، بل إن النساء و الأطفال و الشيوخ و المرضى لا يدفعون شيئا، إنما هي على القادرين على القتال من الرجال الذين لا يرجون قتالا، و من قاتل منهم مع المسلمين سقطت عنه الجزية، بل إن المسلمين إذا كانوا لا يستطيعون حمايتهم أعادوا لهم أموالهم من الجزية، و قد حدث هذا في تاريخ الأندلس، بل إن أهل الكتاب منهم لهم الحق إن دخلوا تحت حكم المسلمين، لهم الحق أن يأخذوا من بيت مال المسلمين إن كانوا فقراء، أو لدَيْنٍ غير قادرين على الوفاء به، و غير ذلك من الأمور، فأي دين قد وهبهم ذلك؟...
و من عجائب فتح الأندلس أن أعظم مدنها فتحت بلا مقاومة تذكر، فعلى سبيل المثال ها هي " قرطبة " العظيمة، شديدة التحصين، عظيمة الجند، المنيعة، ها هي تفتح بسرية قوامها سبع مائة رجل فقط، و بلا أدنى مقاومة، نعم ليس خطأً ما قرأتم، إنها فعلا " قرطبة " العظيمة التي ما زال صداها يترنح بين جدران آثارها التليدة حتى اليوم، نعم إنها الأندلس التي أعطت للعالم خيرا عظيما، و فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاختراعات، و رأى العالم حينها ما لم يكن يتوقعه في شتى العلوم، و ما زالت حتى اليوم كتب علماء المسلمين الأندلسيين من تلك المدينة و غيرها تدرس في الجامعات الغربية، و أعيدها مرة أخرى، لا تستغربوا ما قرأتم، نعم هي " قرطبة " العظيمة...
و للقارئ في ذلك التاريخ التليد أن يجد فيه الكثير من الأمور التي لم تكن في غيره، و لا أظنها ستكون لغيره، كيف لا و هو يقرأ في تاريخ دام أكثر من ثمانية قرون و خمسة أعوام...
و كما أن في تاريخها الأمور العظيمة المعجزة لأمة الإسلام و المسلمين، ففيها الأمور الحزينة التي يدمى لها القلب، و تبكي لأجلها العين الدم، و حال المسلمين حينها يرثى له...
و لعل أشد ما يحزن له القلب في ذلك التاريخ هو حال الفرقة التي دبت بين المسلمين في ثنايا تلك الحقبة المجيدة من ذلك التاريخ الخالد...
فمن كان يظن يوما من المسلمين آنذاك أن دولتهم الواحدة ستغدو يوما اثنين و عشرين دولة، عليه اثنين و عشرين أميرا مسلما، كلهم يدعي أنه خليفة المسلمين، حتى قيل أن الراكب كان في اليوم و الليلة يمر على ثلاثة من خلفاء المسلمين، فأي شيء يحزن كهذا؟، بل و الله إن بعضهم استعان بالنصارى على أخيه المسلم، نعم و الله، فيا لحرقة القلب على ذلك...
و إن أعتى الأمر و أقساها على القلب و أثقلها عليه، و التي هي و الله لو كان الجبل يسمع لانهد حين يعلم بها، هي و الله سقوط الأندلس، سقوط التاريخ المجيد التليد للمسلمين، سقوط أمة من أعظم الأمم، سقوط أعظم دولة في تاريخ العالم في القرون الوسطى، و التي حكمها أعظم حكّام العالم في القرون الوسطى، نعم و الله، فقد كانت الأندلس أعظم دول العالم في القرون الوسطى، و كان أحد حكامها و هو " عبد الرحمن الناصر " أعظم ملوك الأرض في تلك الحقبة، إيه و الله إنه " عبد الرحمن الناصر "...
ذلك الرجل العظيم الذي تولى الحكم و عمره حينها واحد و عشرون عاما فقط، و تأمل هذا الرقم جيدا، واحد و عشرون عاما فقط، شاب في ريعان شبابه، مع ذلك أصبح أعظم ملوك العالم آنذاك...
و للدلالة على عظم ذلك الملك أذكر رسالة أرسلها له ملك إنجلترا مع رجلين، و ذكر في الرسالة: " أرسلت لك بهذين كي تعلمهما في مدارس الأندلس ... "، و ختم الرسالة بقوله: " خادمكم المطيع ملك إنجلترا "، و تأملوا كثيرا في العبارة الأخيرة من رسالته، ملك إنجلترا - حاليا تسمى المملكة المتحدة أو بريطانيا - يقول لذلك الخليفة " خادمكم المطيع ملك إنجلترا "، أي هيبة و عظمة بلغها ذلك الحاكم حتى يقول له ملك إنجلترا تلك الكلمات التي لم يقلها له والٍ مسلم...
و قبل مائة و أربعة و سبعين عاما هجريا " مائة و سبعة و أربعين عاما ميلاديا " احتفلت أوربا كلها، و بالأخص الأندلس بذكرى مرور ألف عام على وفاة ذلك القائد العظيم، فأي قائد جعل النفوس تفتخر به، حتى الكفرة في هذه الأيام، و أي قائد على مر التاريخ الإسلامي و غيره يحتفل الناس بإنجازاته و عظمته و يذكرونه حتى بعد ألف عامٍ من وفاته، إنها عظمة الإسلام و أخلاقه تتجلى في ذلك القائد الفذ، و الذي توفي في عام 350 للهجرة " 961 ميلاديا "، رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته...
فالقلب و الله يحزن و يموت غيظا و كمدا أن تتفرق و تسقط أمة حكمها يوما ذلك القائد العظيم، لكن هذه سنة الله في الدنيا...
لكل شيء إذا ما تم نقصان.....فلا يغر بطيب العيش إنسان
ذهبت الأندلس، ذهب فردوس المسلمين في دنياهم، ذهب الماضي العريق، الذي ما زال مشرقا في حاضرنا، و سيظل في مستقبلنا كذلك، ذهبت الأندلس، و يا ليت التاريخ يعيد نفسه، فأختار أن أعيش لحظة واحدة في حكم ذلك القائد العظيم " عبد الرحمن الناصر "، و يا ليت الأندلس تعود، يا ليتها تعود، يا ليتها تعود...
هذه قطرات يسيرة جدا جدا جدا من بحر الأندلس الذي لا قاع له و لا ساحل، هذه نزرات يسيرة من تاريخ دام أكثر من ثمان مائة و خمسة أعوام، تاريخ عظيم بكل معنى الكلمة...
ذهبت الأندلس، و سارت الأيام حتى غدينا في يومنا هذا، و نحن نرى اليوم ضياع أندلس أخرى، بل أخرى و أخرى و أخرى...
رأينا ذهاب فلسطين، و نعيش حال العراق الكسيرة، و يدمي قلوبنا ما حل ببلاد الأفغان، و الظلم الذي يقاسيه إخواننا في كوسوفا، و القتل و الهتك لكل أقلية مسملة في شتى أرجاء هذه المعمورة، و المسلمون هم ربع هذا العالم، و هم الأكثرية فيه، لكنهم الأضعف و الأهون، و صدق الرسول - صلى الله عليه و سلم -: " بل أنتم غثاء كغثاء السيل "...
أيام الإسلام عظيمة و تاريخه مشرق، حتى في حاضره أيضا، و هو لم يبخل على غيره أبدا، فما يناله أبناؤه مما جادت به أفكار علمائه في شتى المجالات يناله أيضا غيرهم من سكان بلاد المسلمين، و لو كانوا كفارا...
تاريخ عظيم، لم تصدق فيه الأمم التي دخلها الإسلام أن ما تراه بشرا، فلم تكن يوما تتصور أن يفتح بلادها أناس لا يطمعون فيها، بل يطمعون و يرجون أن يسلم الناس، لم تكن تتوقع أن ترى أناسا يموتون لأجل دينهم، لكنها رأت ذلك في تاريخ الفتوحات الإسلامية، و ما أعظمها من فتوحات، و لو لم يكن منها إلا فتح الأندس الذي أظهر للعالم حضارة و علوما و اختراعات لم يكن يوما يحلم بها...
ذهبت الأندلس و ذهب غيرها كثير، ذهبت بلاد المسلمين، و المسلمون ينظرون إليها نظر المغشي عليه، فلا يحركون ساكنا، فنحن من أضاع تلك البلاد، و ذلك التاريخ المشرق بأيدينا...
لن يعود لنا ذلك إلا إن عدنا إلى ما كان عليه أولئك العظماء من القادة و العلماء، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها...
ليست أندلسا واحدةً، فلكم ضيعنا أندلسا...
كتبه لكم:...
أخوكم: فهد المحيميد، الحمر زينة الدهر " أبو فيصل "...
يرجى عدم نقله إلا بعد استئذان كاتبه...
شكرا لكم...
مع أجمل تحية...
أخوكم: فهد المحيميد، الحمر زينة الدهر " أبو فيصل "...