المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : ثق بربك لا بنفسك


دجـانـة
08/06/2008, 06:42 PM
.

.

بسم الله الرحمن الرحيم


بقلم / د. فوز كردي


كنت أتأمل أوراق التعريف والدعاية لكثير من الدورات التدريبية
التي تجد إقبالا متزايداً في واقع عامة الناس
- لكونها تنتشر تحت مظلات نفسية، تربوية أو إدارية -، فوجدت أن القاسم المشترك بينها
هو الوعد بإيقاد شعلة "الثقة بالنفس" بما أسموه برمجة عصبية، أو تنويماً إيحائياً،
أو طاقة بشرية أو كونية.. والهدف من ورائها هو تحرير النفس من العجز والكسل والسلبية
لتنطلق إلى مضمار الحياة بفاعلية وإيجابية، وتصل إلى النجاح والتميّز والقدرات الإبداعية..

قطع علي تأملاتي صوت ابنتي تقرأ بفاتحة الكتاب: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }،
عندها سألت نفسي هل ما أحتاجه للفاعلية والإيجابية والهمة الوقادة العلية هو أن أثق بنفسي،
وأستعين بذاتي وقدراتي وإمكاناتي، تأملت.. وتأملت ثم كتبت أسطري هذه بعنوان


" ثق بربك لا بنفسك "


الثقة بالنفس... كلمات جميلة براّقة.. كلمات يرسم لها الخيال في الذهن صورة جميلة،
ظلالها بهيجة..
تعال معي أيها القارئ الكريم نتأمّل جمالها:

إنها صورة ذلك الإنسان الذي يمشي بخطوات ثابتة وجنان مطمئن..
إنها صورة ذلك الصامد في وجه أعاصير الفتن..
إنها صورة ذلك المبتسم المتفائل برغم الصعاب..
إنها صورة ذلك الذي يجيد النهوض بعد أي كبوة ..
إنها صورة ذلك الذي يمشي نحو هدفه لا يلتفت ولا يتردد..

ما أجملها من صورة!
لذلك تجد الدعوة إلى "الثقة بالنفس"منطلق لتروييج كثير من التطبيقات والتدريبات..
فكل أحد يطمع في أن يمتلكها، وكل أحد يودّ لو يغير واقع حياته عليها..

ولكن.. قف معي لحظة، وتأمل هذه النصوص:

{ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } [الإنسان:1].
{ يأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [فاطر:15].
{ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء:28].
{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا . إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ } [الكهف: 23].
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5].

وتفكّر معي في معاني هذه الدعوات المشروعة:

"اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك...
أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي..."
"اللهم إني استخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم..."
"اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بِك..."
" اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوّتك..."
" اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي..."
"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فأهلك..."
"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك..."

ألا ترى معي - أيها القارئ الكريم-
أن النفس فيها تتربى على أن تعترف بعجزها وفقرها،
وتقرّ بضعفها وذلّها، ولكنها لاتقف عند حدود هذا الاعتراف فتعجز وتُحبط وتكسل،
وإنما تطلب قوّتها من ربها، وتسعى وتعمل وتتذلل لمن بـ " كن" يُقدرها على مايريد،
ويُلين لها الحديد، ويعطيها فوق المزيد...

هذه - يا أحبّة - هي طريقة الإسلام في التعامل مع النفس، والترقّي بها،
وتتلخّص في:

أولا: تعريفها بحقيقتها، فقد خلقها الله من عدم، وجبلها على ضعف،
وفطرها على النقص والاحتياج والفقر.
ثانيًا: دلالتها على المنهج الذي يرفعها من هذا الضعف والفقر الذي جُبلت عليه،
لتكون برغم صفاتها هذه أكرم خلق الله أجمعين!! تكريمٌ تجاوز به مكانة من خلقهم ربهم من نور،
وجبلهم على الطاعة ونقّاهم من كل خطيئة " الملائكة الأبرار"!!!
ثالثًا: تذكيرها بأن هناك من يريد إضلالها عن هذا الطريق
بتزيين غيره مما يشتبه به لها، وحذّرها من اتّباعه، وأكد لها عداوته، وأبان لها طرق مراغمته..

إنه المنهج الذي تعترف فيه النفس بفقرها وذلّها، وتتبرأ من حولها وقوّتها،
وتطلب من مولاها عونه وقوّته وتوفيقه وتسديده..فيعطيها جلَّ جلاله، ويكرمها ويُعليها..
منهج تعترف فيه بضعفها واحتياجها، وتستعين فيه بخالقها ليغنيها ويعطيها، ويقيها شر ما خلقه فيها..
فيقبلها ويهديها، ويسددها ويُرضيها..
منهج تتخذ فيه النفس أهبة الاستعداد لعدوّها المتربص بها ليغويها، فتستعيذ بربها منه،
وتدفعه بما شرع لها فإذا كيده ضعيف، وإذا قدراته مدحورة عن عباد الله المخلصين..
فقد أعاذهم ربهم وكفاهم وحماهم هو مولاهم، فنِعم المولى ونِعم النصير..

إنه منهج يضاد منهج قارون : { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي }.
إنه منهج ينابذ منهج الأبرص والأقرع : "إنما ملكته كابراً عن كابر".
إنه منهج يتبرّأ صاحبه أن يكون خصيماً مبيناً لربه الذي خلقه وربّاه بنعمه، أو ينازعه عظمته وكبريائه.
إنه منهج لايتوافق مع مذهب"القوة" الذي يقول زعيمه "نيتشه":
سنخرج الرجل السوبرمان الذي لا يحتاج لفكرة الإله؟!
إنه منهج يصادم منهج الثيوصوفي "وليام جيمس" ومذهبه البراجماتي، وأتباعه "باندلر وجرندر"، ومن سار على نهجهم من بعدهم: " أنا أستطيع.. أنا قادر.. أنا غني.. أنا أجذب قدري..".
تأمّل هذا - أيها القارئ الكريم - ولا يشتبه عليك قول الله عز وجل: { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ }،
فقد قال بعدها { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }؛
فمنه يُستمد العلوّ، وبدوام الإلحاح والطلب منه تتحقق الرفعة..

احذر - أخي - ولا يشتبه عليك قول الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم:
« الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَىٰ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ »
فالمؤمن القوي ليس قوياً من عند نفسه، ولا بمقومات شخصيّته، تدريباته وبرمجته للاواعي!
وإنما هو قوي لاستعانته بربّه،
وثقته في موعوداته الحقة..

تأمّل كلمات القوة من موسى -عليه السلام - أمام البحر والعدو ورائه:
{ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }...ثقته ليست في نفسه،
وقد أُعطي - عليه الصلاة والسلام - من المعجزات وخوارق العادات ما أعطي!!!
وإنما ثقته بتوكّله على الذي يستطيع أن يجعله فوق القدرات البشرية،
بل يجعل لعصاه الخشبية قدرات لايستطيعها أساطين الطقوس السحرية..

تأمّل - أخي الكريم - هذه الكلمات النبوية
« اسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ »..
إنها كلمات الحبيب صلى الله عليه وسلم، يربّي أمّته على منهج الإيجابية والفاعلية،
ليس على طريقة أهل البرمجة اللغوية العصبية..
لم يقل: تخيل قدرات نفسك..
لم يقل: أيقظ العملاق الذي في داخلك وأطلقه..
لم يقل: خاطب اللاواعي لديك برسائل ايجابية، وبرمجه برمجةً وهمية..
وإنما دعاك - عليه الصلاة والسلام - إلى الطريقة الربانية « اسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ »..
فاستعن به وتوكل عليه، ولا تعجزن بنظرك إلى قدراتك وإمكاناتك، فأنت بنفسك ضعيف ظلوم جهول،
وأنت بالله عزيز.. أنت بالله قوي.. أنت بالله قادر.. أنت بالله غني..

ومن هذا الوجه، ومن منطلق فهم معاني العبودية، وفقه النصوص الشرعية،
قال الشيخ الكريم والعلامة الجليل بكر أبو زيد - حفظه الله - في كتابه "المناهي اللفظية " :
" أن لفظة الثقة بالنفس لفظة غير شرعية وورائها مخالفة عقدية..."
فإن رجوت - في زمان تخلّف عام يعصف بالأمة - رفعة وعزة ونهضة وإيجابية...
وإن أردت تواصلا -على الرغم من الصعاب - بفاعلية..

وإن رغبت في نفض الإحباط عنك، والتطلّع إلى الحياة بنظرة استشرافية تفاؤلية؛
فعليك بمنهج العبودية على الطريقة المحمدية، ودع عنك طريقة باندلر وجرندر الإلحادية؛
فوراءها ثقة وهمية ممزوجة بطقوس سحرية، وقدرات تواصل مادية،
تشهد على فشلها فضائحهم الأخلاقية، ومرافعاتهم القضائية التي ملئت سيرتهم الذاتية.

فحذار من هذه التبعية إلى جحر الضب الذي حذّرك منه نبيك في الأحاديث النبوية،
وحذار من استبدال الطريقة الربانية بتقنيات البرمجة العصبية، فإنها من حيل إبليس الشيطانية وتزيينه للفلسفات الإلحادية؛ لتتكل على نفسك الضعيفة وقدراتك البشرية فيكلك لها رب البرية،
ويمدك في غيك بحصول نتائج وقتية، وشعور سعادة وهمية..حتى تنسى الافتقار الذي هو لبّ العبودية،
فتُحرم من السعادة الحقيقية التي تغنى بها من وجدها وبيّن أسباب حيازتها، فقال:


ومما زادني شرفـاً وتيــهًا
وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك ياعبادي
وأن صيّرت أحمد لي نبيـاً

.

.

شعلة المستقبل
08/06/2008, 08:11 PM
جزيتي الجنة اختي دجانة على الطرح الرائع

وسال الله ان نكون ممن قيل لهم(ادخلوها بسلام )

فارس الأقصى30
08/06/2008, 09:41 PM
جزاك الله خير............


موضوع راااااائع.................

رحيل البحر
09/06/2008, 07:01 AM
ربي يجزيك كل خيررررر

السنور
11/06/2008, 03:21 AM
هذا ما تراه الدكتورة فوز .. ولها رأيها ..

ولكن لنحسن الظن بمن نظن فيهم الخير ممن استخدموا هذا المصطلح

الثقة بالنفس: ( هي حسن اعتداد المرء بنفسه, واعتباره لذاته, و قدراته ؛ حسب الظرف الذي هو فيه, دون إفراط من عناد و كبر, ودون تفريط من ذلة وخضوع غير محمود )

هل تعارض الثقة بالنفس الثقة بالله تعالى ؟؟

الثقة بالنفس لا تعارض الثقة بالله, لأنه لا تعارض بين الثقة بالنفس و الاعتماد على الله عز وجل, والتوجه إليه في طلب الحاجات ودفع المكروهات .

الثقة بالنفس لا تعني الاعتماد على النفس و الركون إلى قدرتها و الاعتداد بها دون الالتجاء إلى الله تعالى, بل إن من الثقة بالنفس أحسان أظن بالله تعالى و الاعتماد عليه دون تواكل .

الذي يتعارض مع الثقة بالله تعالى الإفراط في الاعتداد بالنفس و تفضيلها على الغير

كما قال إبليس{ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }[ص:76]

أو كما قال فرعون {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } [الزخرف:52]

أو كما قال قارون { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}[القصص:78]

و كل من سار على هذا الدرب ممن يعتد بنفسه اعتدادً زائدً زائفً هذا هو الذي يتعارض من الثقة بالله .

أما الثقة السليمة بالنفس فلا تعارض الثقة بالله, لان الواثق بنفسه ينسب الفضل لأهله و النعم لربه تعالى


النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم ..
وقد قال تعالى " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها "

النفس ما النفس ؟
النفس كالماء يهبط الأوية والسهول بكل سرعة وسيولة ولكن رفعه يحتاج إلى عناء وتعب ..
فالنفس تزداد ثقتنا فيها كلما كانت تربيتها على الكتاب والسنة والعكس صحيح كذلك ..
فعندما نربي النفس على أن الطاعة في راحتها وأن لا طريق لها إلا الطريق القويم ..
بذلك نستطيع أن نثق بانفسنا ..
والثقة هنا لا تعني الثقة العمياء الخالية من التربية والتنبيه . بل تعني أن نثق لها إلا حد معين ..
علينا أن نربي أنفسنا حتى نثق بها وبعد هذه الثقة نبدأ بالعمل لما تربت عليه هذه النفس ..

فكلما كان الشخص واثقاً من نفسه ثقة سليمة كانت علاقته مع الآخرين جيدة و مستقرة علاقات يسودها الاحترام المتبادل يقدر الناس و هم يقدرونه و يحب الناس و يحبونه .

قال الرسول صلى الله عليه و سلم : ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، الموطؤون أكنافا ، الذينيألفونو يؤلفون ، و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف ) حسنه الألباني

وكلما زادت الثقة أستطاع الشخص أن ينفتح على المحيط من حوله بنضج ووعي و أن يأخذ الفائدة ممن حوله و يضيفها إلى رصيده, بعكس ضعيف الثقة فهو منغلق ولا ينفتح على المحيط , و بعكس صاحب الثقة الزائفة فهو يتعالى على من حوله و لا يأخذ منهم الفائدة .
قال الرسول صلى الله عليه و سلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله . ولاتعجز )صحيح مسلم


وأيضاً في مواجهة الأزمات و المشكلات و الصعاب بأساليب مُلائِمة و مقبولة من خلال تقدير حجم المشكلة جيدًا و تقدير أبعادها دون مبالغة في تضخيم أو تصغير و من خلال العدة المناسبة للمواجه بالأسلوب و الاستعداد الحسن و بقوة التحمل لتِبعات .

قال عبد الله بن مسعود: ( رحم الله امرئ عرف زمانه فاستقامت طريقته )

أحترم الشيخ العلامة الجليل بكر أبو زيد رحمه الله ولكن عبارته تنطبق على الذين يفهمون معنى الثقة بالنفس على منحى خطأ وليت على العموم ..

فالأصل في الإنسان ان يثق بنفسه ..
ومن لا يثق بنفسه لن يستطيع مواجهة الحياة على اكمل وجه وسيواجه كثيراً من المتاعب والشعور بالنقص الدائم ..

نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا ..

في حفظ الله