asdmamdouh
02/07/2007, 09:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
((واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبد بدنه واستُرق؛ لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأمّا إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقًا مستعبدًا مُتيمًا لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلم لوْ أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، غذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استُعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولوْ أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وأمّا مَن استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس.
فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.
شيخ الإسلام ابن تيمية (رح) الفتاوى الكبرى (5/183).
ألَا عِمْ صباحًا أيها الطلل البالي
وهل يَعِمق مَن كان في العصر الخالي
وهل يَعِمْن إلّا سعيدُ منعذمُ
قليلُ الهموم لا يبت بأوجال
امرؤ القيس
وكلمة حاسد من غير جُرم سمعتُ فقلتُ مُرِّي فانفذينى
وعابوها علي ولم تعبني ولم يندَ لها أبدًا جبيني
حاتم الطائي
الحمد لله رب العالمين القائل {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [ سورة الأنعام: 125].
والقائل: {ألم نشرح لك صدرك (*) ووضعنا عنك وزرك (*) الذي أنقض ظهرك (*) ورفعنا لك ذكرك}.
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين القائل ((تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشر بها نُكتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكتَ فيه نكتة بيضاء، حتى تصبر القلوب على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا، كالكوز مُجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه)) ( ).
وعن ابن مسعود (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ما قال عبدُ قط إذا أصابه همُّ أو حزن: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلّا أذهب الله همّه، وأبدله مكان حزنه فرحًا)). قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمَن سمعهن أن يتعلمهن)) ( ).
وعن ابن عباس (ض2) قال: كان رسول الله (ص) يدعو، فيقول: ((اللهم أعني، ولا تُعن علي، وانصرني، ولا تنصر عليّ، وامكر لي، ولا تمكر عليّ، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك مطواعًا،لك مخبتًا أوَّاهًا منيبًا، ربّ تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتيِ، وثبِّت حجتي، واهد قلبي،وسدّد لساني، واسلل سخيمة قلبي)) ( ).
وهذا موسى عليه الصلاة والسلام يقول: {رب اشرح لي صدري. ويسِّر لي أمري} [سورة طه: 25-26].
فما من إنسان إلا وهو يتمنى أن يعيش منشرح الصدر، مرتاح البال، مطمئن الضمير، سعيد القلب والخاطر؛ ولكن اختلفت طرائق البشر في البحث عن السعادة، وانشراح الصدر؛ فمنهم من بحث عنها في المُلك والرئاسة فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار فرعون الذى قال لقومه {أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات:24] وقال: {ما علمتُ لكم من إله غيري} [سورة القصص: 38].
وبعضهم بحث عنها في المال والدنيا فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار قارون الذي قال {إنما أوتيته على علم عندي} [سورة القصص:78] فكانت النتيجة: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [سورة القصص:81].
وبعضهم بحث عنها في الوزارة والمنصر؛ فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار هامان، الذي شارك فرعون في عتوه وإجرامه وصدّه عن سبيل الله، فقال له فرعون: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (*) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [ سورة القصص 38-39]. فكانت النهاية {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (*) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (*) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [ سورة القصص: 40-42].
وبعضهم بحث عنها في الشهرة، ومخالفة منهج الله، والاستكبار على أوامره، واحتقار عباده المؤمنين، فانحرف عن الصراط المستقيم. وهؤلاء قائدهم إلى النار إبليس الذي قال عن آدم عليه الصلاة والسلام: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ سورة الأعراف 12، وسورة ص76].
وبعضهم بحث عنها في الجاه والحسب والنسب؛ فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار أبو جهل وأبو لهب ومن كان على شاكلتهم من صناديد الكفر.
وهكذا كل من بحث عن انشراح الصدر، وأسباب السعادة ـ بعيدًا عن منهج الله ـ فإنه يكون عليه وبالاً في الدنيا والآخرة. بل يصاب بضيق الصدر، والخوف والهمّ والحزن، كما هو مشاهد معلوم. والله المستعان.
وانشراح الصدر، والسعادة التامة إنما تكون للمؤمنين بالله إيمانًا يقينيًا، والمستقيمين على منهج رسوله (ص) كلُّ بحسب صدقه ومتابعته وإخلاصه، أمّا غيرهم فإن حصل لهم شيء من ذلك فهو أمر عارض لا يلبث أن يزول، كما قال الله جل و علا: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} [سورة الزمر: 22 ].
من أجل هذا وغيره كان هذا الكتاب المبارك.
((فتح الغفور بأسباب انشراح الصدور))
سائلاً الله عز وجل أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يشرح به صدور الخلق لدينه وطاعته، وأن يجعله لي ولوالدي وزوجي وأولادي ذخرًا يوم لقاه، وأن يكون خالصًا لوجهه الكريم.
((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك. ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا. واجعله الوارث منا. واجعل ثأرنا على من ظلمنا. وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا. ولا إلى النار مصيرنا)).
برحمتك يا أرحم الراحمين.
وكتب
أبو حفص بن العربي الأثري
عفا الله عنه
مصر ـ المنصورة ـ السنبلاوين
فصل
في أنواع السعادات
قال شيخ الإسلام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ( ) ـ:
أنواع السعادات التي تُؤثرها النفوس ثلاثة:
1-سعادة خارجية عن ذات الإنسان، بل هي مستعارة له من غيره، تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والجاه، وتوابعهما، فبينا المرء بها سعيدًا، ملحوظًا بالعناية، مرموقًا بالأبصار، إذا أصبح في اليوم الواحد أذلّ من وتدٍ بقاعٍ يُشج رأسه بالحجر، فالسعادة والفرح بهذه كفرح الأقرع بجُمّة ابن عمه !!. والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته، فإذا جاوز بصرك كسوتَه فليس وراء عبّادان قرية.
السعادة الثانية: سعادة في جسمه وبدنه، كصحته، واعتدال مزاجه، وتناسب أعضائه، وحُسن تركيبه، وصفاء لونه، وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته، فإن الإنسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه، كما قيل:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته فأنتَ بالروح لا بالجسم إنسانُ
فنسبة هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه، فإن البدن ـ أيضًا ـ عارية للروح، وآلة لها، ومركب من مراكبها، فسعادتها بصحته، وجماله وحسنه سعادة خارجة عن ذاتها وحقيقتها.
السعادة الثالثة: هي السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسانية روحية قلبية، وهي سعادة العلم النافع ثمرتُه؛ فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دُوره الثلاثة ـ أعني: دار الدنيا ودارالبرزخ ودار القرار ـ وبها يترقى في معارج الفضل ودرجات الكمال.
أما الأولى: فإنها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهُه.
والثانية: فعرضة للزوال والتبدل بنكسِ الخلق والردّ إلى الضعف.
فلا سعادة في الحقيقة إلا في هذه الثالثة، التي كلما طال عليها الأمد ازدادت قوة وعلوًّا، و إذا عدم المال والجاه ـ فهي مال العبد وجاهُه، وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن إذا انقطعت السعادتان الأولتان.
وهذهالسعادة لا يعرف قدرها، ويبعث على طلبها إلا العلم بها، فعادت السعادة كلها إلى العلم وما يقتضيه، والله يوفق من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وأنها لا تُنال إلا على جسر من التعب؛ فإنها لا تُحصّل إلّا بالجدّ المحض، بخلاف الأولتين، فإنهما حظُّ قد يجوزه غير جالبه من ميراث أو هبة أو غير ذلك.
وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية. ومن طمحت همته إلى الأمور العالية فأوجب عليه أن يشد على محبّتَه الطرق الدنية.
وهي السعادة؛ وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكرة والتأذي، فإنها متى أُكرهت النفس عليها، وسبقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها، أفضت منها إلى رياض مؤنَّقة، ومقاعد صدق، ومقام كريم يجد كل لذة دونها كلذّة لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذة الملوك، فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنتُ أرى أن قد تناهى بيَ الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلمّا تلاقيْنا وعاينت حُسها تيقّنت أنّى إنما كنت ألعب
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، ولا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد، روى مسلم في ((صحيحه)) ( ):
عنه يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا ينال العلم براحة الجسد
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
فيا وصل الحبيب أما إليه بغير مشقة أبدًا طريق
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
* * *
فصل
في فطرة الإنسان
على طلب المنافع، ودفع المضار
مما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة وقصدًا وإرادة: العلم بأن كل إنسان، بل كل حيوان إنما يسعى فيما يحصل له اللذة والنعيم،وطيب العيش، ويندفع به عنه أضرار ذلك وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمور:
أحدها: معرفة الشيء النافع للعبد، الملائم له، الذي تحصل له لذاته وفرحه وسروره وطيب عيشه.
الثاني: معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك.
الثالث: سلوك تلك الطريق.
الرابع: معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكد عليه حياته.
الخامس: معرفة الطريق التى إذا سلكها أفضت به إلى ذلك.
السادس: تجنب ذلك.
فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد، وفرحه وسروره، وصلاح حاله إلا باستكمالها، وما نقص منها عليه بسوء حاله، وتنكيد عيشه ( ).
أسباب انشراح الصدور
1-أعظمها، وأصلها، وأساسها توحيد الله عز وجل، وعلى حسب كماله،وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، والعكس بالعكس، فحاجة العباد إلى التوحيد فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق ضرورة؛ إذْ لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، ولا راحة إلا بتوحيد الله ومعرفته، ولا حياة ولا راحة ولا طمأنينة لمشرك أوْ ملحد كما قال الله عز وجل: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [سورة طه: 124]، ولذلك كان الأنبياء ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ أعظم الناس انشراحًا في الصدور، وطمأنينة في القلب،وراحة في البال، مع ما كان يصيبهم من أذى وابتلاء وحن، إلّا أنهم لعظيم توحيدهم، ولعظيم توكلهم على الله عز وجل كانوا أعظم الناس انشراحًا في الصدور.
وقد كانت دعوتهم جميعًا لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال جل في علاه {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [سورة النحل: 36].
فهذا نوح عليه الصلاة والسلام:
{لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (*) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (*) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (*) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (*) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (*) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} [سورة الأعراف: 59-63].
{ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (*) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (*) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (*) قال رب انصرني بما كذبون (*) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (*) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (*) وقل رب أنزلني منـزلا مباركا وأنت خير المنـزلين}[ سور المؤمنون 23-29].
وانظر: سورة هود الآيات (25-48) وسورة نوح.
هود عليه الصلاة والسلام: ـ
{وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (*) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (*) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (*) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (*) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (*) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (*) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (*) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (*) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} [سورة هود 50-58].
إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (*) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (*) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [ سورة الممتحنة 4-6].
{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [سورة البقرة: 258].
{وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (*) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين (*) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (*) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (*) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (*) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (*) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (*) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (*) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (*) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [ سورة الأنعام: 74-83].
وما ينبغي لأحد أن يفهم من هذه الآيات أن نبي الله إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان شاكًّا، حاشا وكلا، بل كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ في مقام المناظرة لقومه، وإقامة الحجة عليهم.
قال الإمام ابن كثير (رح) في تفسيره (6/97-98 ط مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ): والحق أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل. انتهى.
{ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (*) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (*) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (*) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (*) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (*) قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (*) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (*) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (*) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (*) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (*) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (*) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (*) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (*) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (*) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (*) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولايضركم (*) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (*) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (*) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (*) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 51-70].
إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما الصلاة والسلام: ـ
{فبشرناه بغلام حليم (*) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (*) فلما أسلما وتله للجبين (*) وناديناه أن يا إبراهيم (*) قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين (*) إن هذا لهو البلاء المبين (*) وفديناه بذبح عظيم (*) وتركنا عليه في الآخرين (*) سلام على إبراهيم (*) كذلك نجزي المحسنين (*) إنه من عبادنا المؤمنين} [ سورة الصافات: 101-111].
ويعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (*) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (*) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (*) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [سورة البقرة: 130-133].
شعيب ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (*) ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (*) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (*) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين (*) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (*) وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (*) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ [ سورة هود: 84-94].
موسى ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
{اذهب إلى فرعون إنه طغى (*) قال رب اشرح لي صدري (*) ويسر لي أمري (*) واحلل عقدة من لساني (*) يفقهوا قولي (*) واجعل لي وزيرا من أهلي (*) هرون أخي (*) اشدد به أزري (*) وأشركه في أمري (*) كي نسبحك كثيرا (*) ونذكرك كثيرا (*) إنك كنت بنا بصيرا}[ سورة طه: 24-35].
{ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (*) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (*) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (*) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (*) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (*) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (*) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (*) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (*) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (*) يأتوك بكل ساحر عليم (*) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (*) قال نعم وإنكم لمن المقربين (*) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (*) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (*) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (*) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (*) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (*) وألقي السحرة ساجدين (*) قالوا آمنا برب العالمين (*) رب موسى وهارون (*) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (*) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (*) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (*) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (*) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (*) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (*) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [سورة الأعراف: 103-129].
بل رأى البحر أمامه، والعدو خلفه، فقال {كلا إن معي ربي سيهدين} [سورة الشعراء: 62] فأنجاه الله عز وجل.
المسيح عيسى ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
{إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (*) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (*) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (*) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [سورة المائدة: 116-118]
إمام الأنبياء، وسيد المتقين، مسك الختام محمد (ص):
{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [ سورة التوبة: 40].
عن أنس بن مالك (ض) أن أبا بكر (ض) حدّثه؛ قال: نظرتُ إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أنأحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: ((يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) ( ) !!.
{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (*) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [سورة آل عمران: 173-174].
وعن ابن عباس (ض2) قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد (ص) حين قالوا: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) ( ).
وعن جابر بن عبد الله (ض2) أنه غزا مع رسول الله (ص) غزوة قبل نجد، فأدركتهم القائلة يومًا في وادٍ كثير العضاه [ الشجر الكبير الذي له شوك ] فنزل رسول الله (ص) وتفرق الناس في العضاه يستظلون في الشجر، ونزل رسول الله (ص) تحت شجرة فعلّق سيفه بها، فقال رسول الله (ص) لرجل عنده ((إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده، فقال لي: مَن يمنعك مني؟ فقلت له: الله. قال: مَن يمنعك منى؟ قلت: الله ـ ثلاثًا ـ، فشاق السيف [ردّه في غمده ] وجلس، فهو هذا جالس)) ثم لم يعاقبه)) ( ).
قال العلاّمة ابن القيم ( ) (رح):
الخوف دائمًا مع الشرك، والأ من دائمًا مع التوحيد؛ قال تعالى ـ حكاية عند خليله إبراهيم [ عليه الصلاة والسلام ] أنه قال في محاجّته لقومه ـ {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [سورة الأنعام 81] فحكم الله عز وجل بين الفريقين بحكم، فقال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [سورة الأنعام 82].
وقد صح عن رسول الله (ص) تفسير الظلم فيها بالشرك، وقال: {ألم تسمعوا قول العبد الصالح. إن الشرك لظلم عظيم ( )} [سورة لقمان 13].
فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخلوف ولذلك من خاف شيئًا غير الله سُلّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف الله دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه، وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه؛ وكذلك من رجا شيئًا غير الله حُرم ما رجاه منه، وكان رجاؤه غير الله من أقوى أسباب حرمانه، فإذا رجا الله وحده كان توحيد رجائه أقوى أسباب الفوز به أو بنظيره، أو بما هو أنفع له منه)). انتهى.
وقال (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (3/355):
وهذا فعل أولي العزم والقوة من المؤمنين الذين صحّ توكلهم على الله، واطمأنت قلوبهم إلى ربهم، ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلّا وعلموا أنه لابد وأن يصيروا إلى ما كتبه وقدّره، ولابد أن يجري عليهم، وأن تطيرهم لايرد قضاءه وقدره عنهم، بل قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاء والقدر فيعينون على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم، فطائرهم معهم. وأما المتوكلون على الله المفوضون غليه العالمون به وبأمره: فنفوسهم أشرف من ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عُدة لهم، وقوة، وجُنة مما يتطير به المتطيرون، ويتشاءم به المتشائمون، عالمون أنه لا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولا إله غيره، ألا له الخلق والأمر، تبارك اله رب العالمين.
وقال (رح) في ((مدارج السالكين))(2/336):
مشهد التوحيد، وهو أجل المشاهد وأرفعها. فغذا امتلأ قلبه بمحبة الله، والإخلاص له ومعاملته، وإيثار مرضاته،والتقرب إليه، وقرة العين به، والأنس به، فوّض إليه أموره كلها، ورضي به وبأقضيته، وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره، والتوكل عليه عن كل ما سواه؛ فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة؛ فضلاً عن أن يشتغل قلبه وفكره وسرّه بتطلب الانتقام والمقابلة؛ فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه، فهو قلب جائع غير شبعان، فإذا رأى أيّ طعام رآه هفَتْ إليه نوازعه، وانبعث إليه دواعيه، وأمّا من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها؛ فإنه لا يلتفت إلى ما دونها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. انتهى.
وعن ابن عباس (ض2) قال: كنت خلف رسول الله (ص) يومًا، فقال: ((يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف)) ( ).
فقضاء الله نافذ لا محال؛ على مَن يقبله ومن يرفضه، لكنهما لا يستويان، فهذا يؤجر ويسعد، وهذا يأثم ويشقى.
فارض عن ربك ـ أيها العبد ـ واعلم أن كل شيء بقدر.
وعن العباس بن عبد المطلب (ض) أن النبي (ص) قال: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد (ص) نبيًّا)) ( ).
قال ابن القيم (رح) في ((مدارج السالكين)) (1/463):
الغاية التي شمَّر إليها السالكون، وأمَّها القاصدون، ولحظ إليها العاملون هي العبودية والمحبة، والشوق إلى لقائه، والابتهاج به، والفرح والسرور به، فتقرّ عينه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه جوارحه، ويستولى ذكره على لسان محبه وقلبه، فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية، وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته، مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركات اللسان والجوارح بالطاعات، مكان حركاته بالمعاصي.
وقال (رح) في ((المدارج ـ أيضًا ـ (3/6-7):
منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرْح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظهر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلاّ بشق الأنفس بالغير، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها،وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها. انتهى.
((فصاحب هذه الحالة مستريح النفس، ساكن البال، مجتمع الشمل، فارغ القلب من تعب الدنيا، متوحد الوجهة، فهو بذلك طيب المحيا، مجازى في الآخرة، قال تعالى:{مَن عمل صالحًا مِن ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة})) ( ) [ سورة النحل: 97]
وقال ابن القيم (رح) في ((زاد المعاد)) (2/23-24):
الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه والتنعم بعبادته، فلا شيء، اشرح لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحيانًا إني إذا كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذن لفي عيش طيب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب لا يعرفه إلاّ مَن حسَّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قذى عينه، ومخالطتهم حمى روحه.
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره ومحبة سواه، فإن من أحب شيئًا غير الله عُذّب به، وسُجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكثف بالا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا، فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح، وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده بكل القلب، وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه. ومحبة هي عذاب الروح، وغمّ النفس،وسجن القلب، وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه.
وقال (رح) في كتابه المبارك ((الداء والدواء)) ص(317ط المدني):
وهذه المحبة (أي محبة الله عز وجل)) هي التي تنوّر الوجه، وتشرح الصدر، وتحي القلب، وكذلك محبة كلام اله، فإنه من علامة محبة الله.
وقال ابن القيم (رح) في طريق الهجرتين)) ص(54 ط السلفية):
العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه، وأنسه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه.
وقال (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(45ط السلفية):
فمحبة الله تعالى ومعرفته، ودوام ذكره، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم،وهو قرة عين المحبين، وحياة العارفين، وإنما تقرّعيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، فمن قرّت عينه بالله قرّت به كل عين،ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. انتهى.
وصدق سيد الخلق (ص) إذْ قال ((ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) ( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (رح) في ((مجموع الفتاوى)) (10/213):
وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حبُّ لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك. وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل.
ثم قال (رح) (10/215) وفي ((الفتاوى الكبرى)) (5/203):
فإن المخلص لله ذاق من حلاوة وعبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلالوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاصه الدين له،وذلك يقتضى انجذاب القلب إلى الله؛ فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا راهبًا.
ويقول (رح) كما في ((الفتاوى الكبرى)) (5/188):
فكلما ازداد القلب حبًّا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحرية عما سواه.
وقد فقُه هذه الحقيقة هرقل ملك الروم، عندما قال مخاطبًا أبا سفيان بن حرب (ض) وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرتَ أنْ لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أنّ ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك أيرتد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ( ).
بل الإيمان اليقيني ي، والعمل الصالح، والإخلاص والصدق يحرك الصخر:
عن ابن عمر (ض2) قال: قال رسول الله (ص) ((بينما ثلاثة نفر يتماشون، أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرّجها.
فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحتُ عليهم فحلبتُ بدأتُ بوالديّ أسقيهما قبل ولدي، وإنه نأى بي الشجرُ فما أتيتُ حتى أمسيت، فوجدتهما قدْ ناما فحلبتُ كما كنت ُ أحلب، فجئتُ بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أن بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء.
وقال الثاني: اللهم إنه كان لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجالُ النساء، فطلبتُ إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمئة دينار، فسعيتُ حتى جمعتُ مئة دينار فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها؛ قالت: يا عبد الله، اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، اللهم فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها. ففرَج لهم فرجة.
وقال الآخر: اللهم إني كنتُ استأجرتُ أجيرًا بفرق أرز، فلما قضى عمله، قال: أعطني حقي، فعرضتُ عليه حقه فتركه، ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا وراعيها، فجاءني، فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقى، فقلت: اذهب إلى تلك البقر وراعيها، فقال: اتق الله ولا تهزأ بي، فقلت: إني لا أهزأ بك، فخذ تلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق. فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج ما بقي، ففرّج الله عنهم)) ( ).
بل يجعل الإنسان المؤمن في غاية انشراح الصدر وراحة القلب وهو يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله عز وجل:
عن أنس (ض) قال: انطلق رسول الله (ص) وأصحابه، حتى سبقوا المشركين إلى بدر،وجاء المشركون فقال رسول الله (ص): ((لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه))، فدنا المشركون، فقال رسول الله (ص): ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض))، قال: يقول عُمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله !! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله (ص): ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرّنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل)) ( ).
وعن جابر بن عبد الله (ض2) قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلتُ؟ قال: في الجنة)). فألقى ترمات كنّ في يده، ثم قاتل حتى قتل)) ( ).
وعن البراء بن عازب (ض2) قال أتى النبي (ص) رجل مقنّع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسْلمْ ثم قاتل)). فاسلَم ثم قاتل فقُتل، فقال رسول الله (ص): ((عمل قليلاً وأُجر كثيرًا)) ( ).
وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي (ض) وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله (ص) إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف))، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى ! أنت سمعتَ رسول الله (ص) يقول هذا؟ قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل)) ( ).
وعن أنس بن مالك (ض) قال: جاء ناس إلى النبي (ص) فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونًا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم القرّاء، فيهم خالى حَرام، يقرءون القرآن، ويتدأرسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي (ص) إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلّغ عنّا نبينا، أنّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيتَ عنا، قال: وأتى رجلٌ حرامًا ـ خال أنس ـ من خلفه؛ فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حَرام: فزتُ، ورب الكعبة !! فقال رسول الله (ص) لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبينا، أنّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيتَ عنّا)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: بعث رسول الله (ص) عشرةً عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى إذا كانوا بالهدة بين عُسفان ومكة، ذُكر والحيٍّ من هُذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما حسّ بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم. فقالوا لهم: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أمّا أنا، فلا أنزل في ذمة كافر. ثم قال:اللهم أخبر عنا نبيك (ص) فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا. ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق. منهم خبيب (ابن عدي)، وزيد بن الدَّثنة، ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسبهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة ـ يريد القتلى ـ فجرّروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم.
فانطُلق بخبيب وزيد بن الدّثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر ابن نوفل خُبيبًا ـ وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر ـ فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها فأعارته، فدرج بنيُّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجلسه على فخذه والموسى بيده قالت: ففرعتُ فزعة عرفها خُبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيتُ أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين؛ فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:
فلستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سِرْوعة عقبة بن الحارث، فقتله، وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر ـ يعني النبي (ص) ـ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش غلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف ـ وكان قتل رجلاً عظيمًا من عظمائهم ـ فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدَّبْر فحمتْه من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوه منه شيئًا)) ( ).
وهكذا يبذل أهل الإيمان ـ في كل عصر وفي كل مكان ـ نفوسهم ودماءهم رخيصة في سبيل الله عز وجل منشرحة صدورهم، مطمئنة قلوبهم، مرتاحة ضمائرهم، لا يبالون بكيد الكائدين، ولا مكر الماكرين، ولا ظلم الظالمين.
فلا أعظم من التوحيد والإيمان بالله في شرح الصدور، وإراحة القلوب والله المستعان وعليه التكلأن.
ومن أسباب انشراح الصدور: ذكر الله تعالى على كل حال وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه)) ( ).
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((روضةالمحبين)) ص(227):
كثرة ذكر المحبوب، واللهج بذكره وحديثه، فمَن أحبّ شيئًا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه، ولهذا أمر الله سبحانه ـ عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون، فقال تعالى ((يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون)) [سورة الأنفال: 45].
والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال الشاعر [ عنترة]:
ولقد ذكرتُك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها برقتْ كبارق ثغركِ المتبسم
((والذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حالالسمك إذا فارق الماء؟ ( ))).
((وقد جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، فمَن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره، فإنه الدرس والمذاكرة، كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم)) ( ).
قال الله جل وعلا واصفًا المؤمنين المتقين: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [سورة الرعد 28].
وقال سبحانه وتعالى:{الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشوْن ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فمال ه من هاد} [سورة الزمر: 23].
وقد أنكر الله عز وجل على من لم ينشرح صدره، ويخشع قلبه بذكر الله فقال سبحانه: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} [ سورة الحديد: 16].
بل توعّد مَن قسا قلبه بالويل فقال عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين}[ سورة الزمر 22 ].
وتوعد المعرض عن ذكره وعبادته بالعذاب فقال سبحانه: {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابًا صعدًا} [سورة الجن 17].
وجعلهم من إخوة الشياطين وقرنائهم فقال عز وجل: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين} [ سورة الزخرف 36].
والذين يصدون العباد عن ذكر الله هم الشياطين كما قال جل في علاه {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [ سورة المائدة: 91].
وقال عز وجل: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} [ سورة المجادلة 19].
بل جعل الغافل عن الذكر من الخاسرين فقال سبحانه: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللهومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [سورة المنافقون: 9].
قال الحافظ ابن كثير (رح) في ((تفسيره)) (4/373):
يقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيًا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرًا لهم بأنه من التلهي بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة)) ا هـ.
وجعل الله الذكر من صفات المؤمنين أهل الجنة فقال سبحانه: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} سورة الأحزاب: 35].
وقال عز من قائل: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} [سورة الزمر 23].
وقال جل وعلا: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (*) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [ سورة الحج: 34-35].
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة (ض2) قالا: قال رسول الله (ص): ((ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) ( ).
وعن أي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله،ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)) ( ).
وعن أبي هريرة قال:قال رسول الله (ص): (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: او رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.)) ( ).
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(38):
((ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدأ، فإذا ذكر جلآه)).
وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب،وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.
وقال (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(44-45):
((ولوْ لم يكن إلا ما يجازى به المحسن من انشراح صدره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل،وطاعته، وذكره، وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه، وما يجازي به المسيء من ضيق الصدر، وقسوة القلب،وتشتته، وظلمته، وحزازته، وغمه وهمه، وحزنه وخوفه، وهذا أمرٌ لا يكاد من له أدنى حس وحياة يرتاب فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة، ونار دنيوية،وجهنم حاضرة، والإقبال على الله تعالى، والإنابة غليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل، وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي ـ مرةً ـ ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري،إن رحتُ فهي معي لا تفارقني. إنّ حبْسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلتُ ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسبّبوا لي فيه من الخير. ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده ـ وهو محبوس ـ ((اللهم أعنيّ على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). ما شاء الله.
وقال لي ـ مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولمّا دخل القلعة، وصار إلى داخل سورها نظر إليه وقال {فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [سورة الحديد 13].
وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوف، وساءت منّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ً ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وقال آخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وماذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. انتهى كلام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى.
وتدبّر معي ـ رحمني الله وإياك أدعية الكرب والغم والحزن والهمّ:
عن ابن عباس أن رسول الله (ص) كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش الكريم)). ( ).
وعن سعد بن أبي وقاص (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((دعوة ذي النون التى دعا بها في بطن الحوت ((لا إله إلا الله أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين))، لم يدع بها مسلم في كربة إلا استجاب الله له)) ( ).
وعن أسماء بنت عميس (ض1) قالت: علّمني رسول الله (ص) كلمات أقولها عند الكرب: ((الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا)) ( ).
وعن ابن مسعود (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ما قال عبدٌ قط، إذا أصابه همُّ أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ما ضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلاّ أذهب الله همَّه، وأبدله مكان حزنه فرحًا)) قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمَن سمعنّ أن يتعلمهن)) ( ).
وتقكر في مدح النبي (ص) لأهل الذكر:
فعن أبي هريرة (ض) قال: كان رسول الله (ص) يسير في طريق مكة، فمرّ على جبل يقال له: جُمدان، فقال: سيروا هذا جُمدان، سبق المفرِّدون، سبق المفرِّدون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات)) ( ).
وتفكر في حال من شرح الله صدورهم للذكر وبالذكر، فمنهم:
أبو مسلم الخولاني (رح) فقد كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون)) ( ).
وعن لقمان بن عامر عن أبي مسلم الخولاني: أن رجلاً أتاه فقال له: أوصيني يا أبا مسلم، قال: اذكر الله تحت كل شجرة وحجر، فقال: زدني، قال: اذكر الله حتى يحسبك الناس ـ من ذكر الله ـ مجنونًا، قال: فكان أبو مسلم يكثر ذكر الله عز وجل، فرآه رجل يذكر الله ـ عز وجل ـ؛ فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون)) ( ).
ورحم الله أبا مسلم الخولاني حيث يقول: لو رأيتُ الجنة عيانًا ما كان عندي مستزاد، ولو رأيتُ النار عيانًا ما كان عندي مستزاد)) ( ).
ومنهم: حسان بن عطية الدمشقي ـ رحمه الله تعالى: ـ
قال الإمام الأوزاعي (رح): كان حسان بن عطية إذا صلَّي العصر، يذكر الله تعالى في المسجد حتى تغيب الشمس)) ( ).
وقال الإمام الأوزاعي (رح): ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل من حسان بن عطية)) ( ).
ومنهم: خالد بن معدان الكلاعي الحمصي:
من سلمة بن شبيب قال: كان خالد بن معدان يسبّح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن؛ فلما مات، فوضع على سريره ليُغسّل، جعل بأصبعه كذا يحرّكها ـ يعنى ـ بالذكر. ( ).
وعن عمر بن جُعثم قال: كان خالد بن معدان إذا قعد لم يقدر أحد منهم يذكر الدنيا عنده هيبة له)) ( ).
ومنهم: عمير بن هانئ العبسي:
قال له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أراك لا تفتر عن الذكر فكم تسبّح؟ قال: مئة ألف إلاّ أن تخطئ الأصابع. ( ).
ومنهم: أحمد بن حرب النيسابوري:
قال زكريا بن دلَّوَيه: كان أحمد بن حرب إذا جلس بين يدي الحّام ليُحفي شاربه، يسبّح، فيقول له الحجّام: اسكت ساعة، فيقول: اعمل أنت عملك، وربما قطع من شفته، وهو لا يعلم ( ).
ومنهم: أبو الحسن الباهلي البصري:
كان من شدة اشتغاله بالله مثل مجنون أوْ واله ( ).
ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (رح):
قال (رح): الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ( ).
وقال العلامة ابن القيم (رح): وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ، وقال: هذه غدوتي، ولوْ لم أتغد الغداء سقطت قوتي.
أوْ كلامًا قريبًا من هذا.
وقال لي ـ مرة ـ: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر. آخر. أو كلامًا هذا معناه. ( ).
ومنهم ـ سماحة شيخنا العلامة ـ عبد العزيز عبد الله بن باز (رح): فقد رأى منه الناس العجب العجاب من ولعه بالذكر، وجاء (رح) بما يثلج الصدور، ويريح الأفئدة، وقد علم ذلك منه القاضى والداني، وسارت به الركبان ـ فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ـ.
وأختم بما قاله العلامة ابن القيم (رح) في كتابه ((مدارج السالكين (2/440-441):
منزله الذكر: وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون. والذكر منشور الولاية، الذي من أُعطيه اتصل، ومن منعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانًا فننتكس
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات. وتهون عليهم المصيبات إذا أظلّهم البلاء؛ فإليه ملجؤهم. وإذا نزلت بهم النوازل، فإليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون. ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدّعُ القلب الحزين ضاحًا مسرورًا. ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدَعُ الذاكر مذكورًا.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة و((الذكر)) عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة. بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان، وهو غراسها، فكذلك القلوب بورخراب، وهو عمارتها وأساسها.
وهو جلاء القلوب وصقالها. دواؤها إذا غشيها اعتلالها. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا. وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء. وحفظ الله عليه كل شيء. وكان له عوضًا من كل شيء. به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار.
زيّن الله به ألسنة الذاكرين. كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل: كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء.
قال الحسن البصري (رح): تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن. فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.
وبالذكر يصرعُ العبدُ الشيطان. كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. وهو روح الأعمال الصالحة. فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. والله أعلم.
ومن أسباب انشراح الصدر اتباع النبي (ص)؛ فإتباع النبي (ص) صدقًا؛ هم أشرح الناس صدرًا، وأهنؤهم عيشًا، وأسعدهم حياة، وأثبتهم قلبًا،وأسلمهم ضميرًا، ولو أصابهم من المحن والابتلاءات ما أصابهم، والسبب في ذلك:
((أن رسول الله (ص) كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة، وقرة العين، مع ما خص به من الشرح الحسّي، وأكمل الخلق متابعة له، أكملهم انشراحًا ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال، فهو (ص) في ذروة الكمال من شرح الصدر، ورفع الذكر، ووضع الوزر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباع، والله المستعان.
وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم، بسحب نصيبهم من المتابعة، فمستقل، ومستكثر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه)) ( ).
قال جل وعلا: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)) [سورة آل عمران: 31، 32].
وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلّموا تسليمًا} [سورة النساء: 65].
قال العلام ابن القيم (رح) في ((الرسالة التبوكية)) ص(25ط المدني):
فأقسم سبحانه بأجل مقسم به ـ وهو نفسه عز وجل ـ على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يحّكموا رسول الله (ص) في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.. ولم يقتصر على هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه،حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا ـ وهو الضيق والحصر ـ من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم؛ لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر. ومتى أراد العبد أنيعلم هذا فلنظر في حاله، ويطالعه في قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلّد فيه أسلافه من المسائل الكبرى وما دونها {بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره} [سورة القيامة 14، 15]. انتهى.
وقال عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (*) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [ سورة الأعراف: 156، 157].
ويقول سبحانه: {وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [سورة النور:54].
وعن أنس بن مالك (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى)) قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: ((من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) ( ).
ورسول الله (ص) أحبه كل شيء، واطمأن بقربه، حتى الجمادات، فهذا الجذع الذي كان يخطب عليه (ص) ثم إنه لما اتخذ المنبر حنَّ الجذع إليه عليه الصلاة والسلام وبكى. ( )
وكان الحسن البصري (رح) إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين، الخشبة تحنّ إلى رسول الله (ص) شوقًا إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه ( ).
أي والله الذي لا إله غيره، نحن أق بالشوق إلى النبي (ص) من هذا الجذع، وما أعظم إتباعه (ص) فهو طريق ينير القلب، ويشرح الصدر، ويريح الضمير، ويجعل الحياة آمنة مطمئنة، ولو وجد فيها ما ينغصها من الآلام والابتلاءات والمحن.
ونظرة إلى حياة سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ من الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان توضح. ذلك غاية الوضوح، وتؤكده غاية التأكيد.
((فطاعة الرسول (ص) فيما أمرنا به هو الأصل الذي على كل مسلم أن يعتمده، وهو سبب السعادة، كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة)) ( ).
((فالحاجة إلى الرسل ضرورية، بل هي فوق كل حاجة، فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، ولهذا يذكِّر سبحانه عبادَهْ نعمه عليهم برسوله، ويعد ذلك عليهم من أعظم المنن لشدة حاجتهم إليه، ولتوقف مصالحهم الجزئية والكلية علية، وأنه لا سعادة لهم، ولا فلاح، ولا قيام إلا بالرسل.
فلولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة،ولا عمل صالح،ولا صلاح في معيشة، ولا قوام لمملكة، ولكان الناس بمنزلة البهائم والسابع السادية، واكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض)) ( ).
((وبالجملة؛ فحاجة العالم إلى النبوة أعظم من حاجتهم إلى نور الشمس، وأعظم من حاجتهم إلى الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه)) ( ).
((فرأس الأدب مع النبي (ص): كمال التسليم له،والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة خيال باطل، يسميه معقولاً، أو يحمّله شبهة أو شكًّا، أو يقدم عليه آراء الرجال، وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان. كما وحّد الرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع، والذل، والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان. لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل. وتوحيد متابعة الرسول. فلا يحاكم إلى غيره. ولا يرضي بحكم غيره. ولا يقف تنفيذ أمره. وتصديق خبره، على عرضه على قول شيخه وإمامه، وذوي مذهبه وطائفته، ومن يعظمه؛ فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره)) ( ) !!.
((ومن الأدب مع الرسول (ص): أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف. حتى يأمر هو، وينهي ويأذن، كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [سورة الحجرات: آية1] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته؛ كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.
ومن الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته. فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟ أترى ذلك موجبًا لقبول الأعمال، ورفع الصوت فوق صوته موجب لحبوطها)) ( ).
((ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله. بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس. بل تهدر الأقية وتلقى لنصوصه. ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول. ولا يوقف قبول ما جاء به (ص) على موافقة أحد. فكل هذا من قلة الأدب معه (ص). وهو عين الجرأة)) ( ).
فبالله عليكم كم من رقاب قطعت، وكم رؤوس تطايرت،وكم من أشلاء مزقت، وكم منس جون فتحت، وكم من معتقلات بُنيت، وكم من نساء رُملتْ، وكم من أطفال يتمت، وكم من مصائب وهموم وآلام تراكمت؟ مع صبر ورضا من أوليائه (ص).
كل ذلك وأكثر منه في محبة النبي (ص) ومحبة دينه !!!
وأعظم الناس اتباعًا للنبي (ص) ومحبة هو الصديق الأكبر أبو بكر (ض):
عن أبي هريرة (ض) قال: لما تُوفي رسول الله (ص) واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب. قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله (ص) ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه،وحسابه على الله)) فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ بين من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله، ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صد أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ( ).
عن عائشة (ض1) أن فاطمة عليها السلام، ابنة رسول الله (ص) سألت أبا بكر الصديق (ض) بعد وفاة رسول الله (ص): أن يقسم لها ميراثها، مما ترك رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر (ض): إن رسول الله (ص) قال: ((لا نورث، وما تركنا صدقة))، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرتْ أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت،وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر.
قالت: وكنت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى بكر عليها ذلك، وقال: لستُ تاركًا شيئًا كان رسول الله (ص) يعمل به إلا عملتُ به؛ فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس. وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال هما صدقة رسول الله (ص)، كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرُهما إلى من ولي الأمر، قال [ أي الزهري ]: فهما على ذلك إلى اليوم)) ( ).
ومنهم الفاروق عمر (ض):
عن عمر بن الخطاب (ض) أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبّلك ما قبلتك. ثم قال: فما لنا وللرمل، إنّما كنّا راءينا به المشركين، وقد أهلكم الله، ثم قال شيء صنعه النبي (ص) فلا نحب أن نتركه)) ( ). والرقل: الهرولة. أي أثناء الطواف حول الكعبة.
وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله، وغيرهما كلّموا عمر (ض) فقالوا: لو أكلتَ طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمتُ نصحكم ولكنّي تركت صاحبيَّ على جادة، فإن تركتُ جادتهما لم أدركهما في المنزل. ( )
عن حذيفة بن اليمان (ض2) قال: كنا جلوسًا عند عمر (ض) فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله (ص) في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه لجرئ، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرّها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقًا، قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يغلق أبدًا، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما دون الغد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط.
فهبْنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر ( ).
وعن مالك بن أوس بن الحدثان النّصْري (رح) أن عمر بن الخطاب (ض) دعاه؛ إذ جاءه حاجبه يَرْفأ؛ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزّبير وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم؛ فأدخلَهم، فلبث قليلاً ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بينى وبين هذا،وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله ص من بني النضير، فاستبّ عليُّ وعباس، فقال الرهط، يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر؛ فقال عمر اتّئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض،هل تعلمون أن رسول الله (ص) قال ((لا نورث ما تركنا صدقةٌ)). يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على عباس وعلي فقال: أنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله (ص) قد قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله سبحانه كان خصّ رسوله (ص) في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدً غيره، فقال جل ذكره {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوْجفتم عليه من خيل ولا رِكاب ـ إلى قوله ـ قدير} [سورة الحشر 6] فكانت هذه خالصة لرسول الله (ص)، ثم والله ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها مجمل مال الله، فعمل ذلك رسول الله (ص) حياته ثم توفي النبي (ص) فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله (ص)، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول الله (ص)، وأنتم حيئذ، فأقبل على عليّ وعباس وقال: تذكران أن أبا بكر فيه كما تقولان، والله يعلم: إنه فيه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر، فقلتُ: أنا ولي رسول الله (ص) وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول الله (ص) وأبو بكر، والله يعلم: أني فيه صادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني ـ يعني عباسًا ـ فقلت لكما: إن رسول الله (ص) قال ((لا نورث، ما تركنا صدقة)). فلما بدالي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتُه إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه؛ لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله (ص) وأبو بكر وما عملتُ فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، افتلتمسان مني قضاء غير ذلك؛ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض؛ لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعاه إليّ فأنا أكفيكماه)) ( ).
ومنهم علي بن أبي طالب أبو الحسن (ض):
عن مروان ابن الحكم (رح) قال: شهدتُ عثمان وعليًّا (ض2) وعثمان ينهى عن المتعة (أي التمتع بالعمرة مع الحج) وأن يجمع بينهما؛ فلما رأى ذلك عليُّ أهلّ بهما جميعًا؛ فقال: ليبك بحجة وعمرة معًا، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شيء، وأنت تفعله ! فقال عليّ: ما كنت لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد من الناس)) ( ).
وعن علي (ض) قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه)) ( ).
ومنهم حذيفة بن اليمان (ض2):
قال: (ض) ((يا معشر القرّاء استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا)) ( ).
ومنهم عبد الله بن مسعود (ض)
قال (ض): ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)) ( ).
وقال (ض): ((القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة)) ( ).
وعن عمرو بن ميمون الأودي (رح) قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولُ رسول الله (ص) فأُلقيت عليه محبّتي، فما فارقته حتى حثوتُ عليه التراب بالشام ميتًا (رح) ثم نظرتُ غلى أفقه الناس بعده، فأتيتُ عبد الله بن مسعود فقال لي: كيف أنت إذا أتتْ عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير وقتها؟ فقلتُ: ما تأمرني إن أدركني ذلك. قال: صل الصلاة لوقتها، واجعل ذلك معهم سُبحة. فقلت له: وكيف لنا بالجماعة؟ قال: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة، إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنتَ وحدك)) ( ).
ومنهم عبد الله بن عباس (ض2):
عن عثمان بن حاضر الأزدي (رح) قال: دخلت علىابن عباس فقلت: أوصيني؛ فقال: نعمَ عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع ( ).
عن ابن أبي مُليكه (رح) أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللت الناس قال: وما ذاك يا عُريّة؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر، وليست فيهن عمرة: فقال: أولا تسأل أمك عن ذلك؟ فقال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك. فقال ابن عباس: هذا الذي أهلككم، والله ما أرى إلا سيعذبكم، إني أحدثكم عن النبي (ص) وتجيئوني بأبي بكر وعمر. فقال عروة: هما والله كانا أعلما بسنة رسول الله (ص) وأتبع لها منك.
قال الخطيب البغدادي: قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما به عروة إلا أنه لا ينبغي أن يقلد أحد في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله (ص))) ( ).
ومنهم: عبد الله بن عمر (ض2):ـ
أشد الناس اتباعًا لآثار النبي (ص):
قال نافع مولى ابن عمر: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع رسول الله (ص) لقلت: هذا مجنون ( ).
عن ابن عمر (ض2) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها)).
فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن. فأقبل عليه عبد الله بن عمر فسبّه سبًّا سيئًا، قال سالم: ما سمعته سبّه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله (ص)، وتقول: والله لنمنعهن ( ).
ومنهم سهل بن حُنيف (ض):
قال (ض): أيها الناس اتهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله (ص) يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: ((بلى)). قال: فعلام نعطي الدّنية في ديننا، أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا)). فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي (ص) فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله (ص) على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم.
وفي رواية: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أردّ أمر النبي (ص) لرددته)) ( ).
وهذا الحديث فيه فضيلة ـ أيضًا ـ لأبي بكر (ض) وعظيم اتباعه للنبي (ص).
ومنهم: عبد الله بن مغفّل (ض):
عن عبد الله بن بُريدة وعن سعيد بن جبير أن عبد الله بن مغفل (ض) أنه رأى رجلاً يحذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله (ص) نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال: ((إنه لا يُصاد به صيد، ولا يُنكى به عدو)) ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين)). ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدّثك عن رسول الله (ص) أنه نهى عن الخذف أوْكره الخذف، وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا)) ( ).
ومنهم: عمران بن حصين (ض2):
عن عمران بن حصين (ض2) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) وفي رواية ((الحياء خير كله)). فقال بشير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: أن منه وقارًا ومنه سكينة، ومنه ضعفًا، فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: أحدثك عن رسول الله (ص) وتحدثنى عن صحفك)) ( ).
ومنهم: أيوب بن أبي تميمة السختياني ـ إمام أهل البصرة في زمانه (رح): قال سلام بن أبي مطيع: رأي أيوب رجلاً من أصحاب الأهواء فقال: إني لأعرف الذلة في وجهه،ثم تلا {سينالهم غضب من ربهم وذلة} [سورة الأعراف:152] ثم قال: هذه لكل مفتر. وكان يسمي أصحاب الأهواء خوارج، ويقول: إن الخوارج اختلفوا في الاسم، واجتمعوا على السيف.
وقال له رجل من أصحاب الأهواء: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولّى، وهو يقول: ولا نصف كلمة. مرتين ( ).
ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (رح).
قال قتيبة بن سعيد (رح): أحمد بن حنبل إمام الدنيا ( ).
وقال قتيبة بن سعيد وأبو حاتم الرازي (رح) عليهما ـ: ((إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة)) ( ).
وقال أبو جعفر محمد بن هارون المخزمي: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فأعلم أنه مبتدع ضال ( ).
وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي الصيداوي المعروف بأبي بكر الأسدي: لمّا حمل أحمد بن حنبل ليضرب، جاءوا إلى بشر بن الحارث فقالوا له: قد حمل أحمد بن حنبل، وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم، فقال: تريدون مني مقام الأنبياء؟ ليس ذا عندي، حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه ( ).
ومنهم: شيخ أهل السنة في عصره الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البر بهاري (رح) قال أبو عبد الله الفقيه: إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البر بهاري فاعلم أنه صاحب سنة)) ( ).
وقال البر بهاري (رح): ((مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويُخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون)) ( ).
ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (رح):
حامل لواء اتباع الكتاب والسنة، والدعوة إليهما، وإعادة الناس إلى النبع الصافي مجدد القرن السابع.
قال عنه الإمام ابن الزملكاني ((ما راينا في عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة.
وقال الإمام المزي (رح): ((وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه)) ( ).
وكان الإمام المزي يبالغ في تعظيم الشيخ والثناء عليه، حتى كان يقول: لم يُر مثله منذ أربعمئة سنة)) ( ).
وقد قال الإمام ابن دقيق العيد (رح) فيما حكاه الذهبي (رح) عند اجتماعه بشيخ الإسلام وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أن الله بقى يخلق مثلك ( ).
وقال الإمام الذهبي (رح) في أثناء كلام له:
ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية... مع ما اشتهر عنه من الورع وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله العظيم،والتعظيم لحرمات الله)) ( ).
وقال الشيخ علم الدين البرزالي (رح): في أثناء كلام له:
وكان إمامًا لا يلحق غباره في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين، وكان إذا ذكر التفسير بُهت الناس من كثرة محفوظه وحسن إيراده، وإعطائه كل قولٍ ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كل علم كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى، والتجرد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم؛ فانتفع بمجلسه، وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه،وصدق نيته،وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قول لعمله، وأناب إلى الله خلق كثير،وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر والتقلل من الدنيا (رح) ( ).
وقال ابن الزملكاني (رح):
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة أنوارها أرْبت على الفجر ( )
ومنهم الإمام ابن قيم الجوزية (رح): حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
قال الشوكاني (رح): كان متقيدًا بالأدلة الصحيحة معجبًا بالعمل بها غير مهول على الرأي صادعًا بالحق لا يجابي فيه أحدًا، ونعمت الجرأة... وله من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق مالا يقدر عليه غاب المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب، وليس له على الدليل معول في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعله غيره من المتهذبين (!) بل لابد له من مستند في ذلك وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث وطوّل ذيوله أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل. وأظنها سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنه ومؤاساته بنفسه وطول تردده إليه. وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السنة وعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جنة. فرحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرًا ( ).
وتدبر معي كلام ابن القيم هذا؛ إذ يقول (رح):
ثم سار على آثارهم (أي الصحابة والتابعين) الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم. زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدالهم الدليل بأُخذته طاروا إليه زرافات ووحدانًا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه، ولا يسألونه عما قال برهانا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس، ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكلُّ إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب.
ثم قال (رح): فإن العلماء هم ورثة الأنبياء؛ فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورّثوا العلم فمَن أخذه أخذ بحظ وافر ( ). وكيف يكون من ورثة الرسول (ص) من يجهد ويكدح في ردّ ما جاء به إلى قول مقلّده ومتبوعه، ويضيع ساعات من عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه، تالله إنها فتنة عمّت فأعمت، ورمت القولب فأصمّت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، وأتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا، ولمّا عمّت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطلب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، ألا يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية، شمّر إليه، ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين ( ) وهكذا في كل زمان ومكان يوجد من شرح الله صدورهم باتباع نبيه (ص) كثر الله سوادهم، وأكرم نزلهم، وبارك فيهم ولهم. والله المستعان.
ومنهم شيخنا شيخ أهل الحديث في هذا العصر الذي نصر الله به السنة وقمع به البدعة، الذي له من اسمه نصيب، العلامة محمد ناصر الدين الألباني (رح) وطيب ثراه ـ وغيرهم وغيرهم كثير، لو أراد الإنسان أن يتتبع ذكرهم لجاء في مجلدات، ولكن تكفي الإشارة.
وأختم هذا الفصل بهذه الكلمة الجميلة للإمام ابن القيم (رح) حيث يقول:
فالرضى بإلهيته يتضمن الرض بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل غليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضى بمحبوبه كل الرضي. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضى بربوبيته: يتضمن الرضى بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به.
فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه.
وأما الرضى بنبيه رسولاً: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من فنسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبته، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضى بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضى كل الرضى. ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما. ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلَّده وشيخه وطائفته.
ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصدّيق حقًّا. وهي سهلة بالدعوة واللسان. وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك، تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقًا، فهو على لسانه لا على حاله.
وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد. فإنه والله عين العزة، والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضى به ربًّا، وبمحمد (ص) رسولاً، وبالإسلام دينا. بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسم روحه؛ قال: اللهم زدني اغترابًا، ووحشة من العالم، وأنسابك وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب،وهذا التفرد: رأى الوحشية عين الأنس بالناس، والذلّ عين العزّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم،وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق. ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودّة بينهم في الحياة الدنيا. فإذا انقطعت الأسباب، وحقّت الحقائق، وبُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، وبُليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر؛ تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران. وما الذي يخف، أو يرجح به الميزان. والله المستعان. وعليه التكلان ( ).
وقوله ((ولمّا كانت السعادة دائرة ـ نفيا وإثباتًا ـ مع ما جاء به (ص)، كان جديرًا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفًا على معرفته، وإرادته مقصورة على محابه، وهذا أعلى همة شمّر إليها السابقون، وتنافس فيها المتنافسون ( ).
ومن أسباب اشراح الصدور: العلم؛ فإنه يشرح الصدر ويوسّعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصْر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن الرسول (ص)، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا ( ).
((فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحهم وكمالها، وما تزكوبه وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد، والجهل به أصل شقاوته)) ( ).
((والعلم هو أقرب الطرق إلى أعظم اللذات)) ( ).
((ولا ريب أن الجهل أصل كل فساد، وكل ضرر يلحق العبد في دنياه وأخراه فهو نتيجة الجهل)) ( ).
وفي الجهل قبل الموت موتُ لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
((العلم والمعرفة مستلزم للهداية، وعدم الهداية دليل على الجهل وعدم العلم)) ( ).
((العلم تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عَصبتهم وورّاثهم، وهو حياة القلوب،ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين،وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال.
وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال. به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون. به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب. وهو إمام والعمل مأمول، وهو قائد والعمل تابع، وهو الصاحب في الغرفة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشبهة، والغني الذي لأفقر على من ظفر بكنزه،والكَنَف الذي لاضيعة على من آوى إلى حرزه. مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله
صدقة،ومدار سته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام)) ( ).
((فما قامت السماوات والأرض وما بينهما إلا بالعلم، ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عُبد الله وحده وأثني عليه ومُجّد إلا بالعلم، ولا عُرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم)) ( ).
((والمقصود أن الله سبحانه سمّى علم الحجة سلطانًا؛ لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره؛ فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد؛ فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، وتذل المخالف، وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها، ذليل مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه إن لم يكن معه علم يساس به، فهو بمنزلة سلطان السباع والأسُود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة، فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة. فالحجة ناصر نفسها، ظاهرة على الباطل قاهرة له)) ( ).
قال الله جل وعلا مادحًا أهل العلم {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله هو العزيز الحكيم} [ سورة آل عمران: 18]
((استشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود عليه، وهو توحيده، فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}. وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول)) ( ).
وقال جلّ في علاه {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [سورة فاطر آية: 28].
وقال سبحانه وتعالى {فتعالى الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضي إليك وحيه وقل ربّ زدني علمًا} [سورة طه آية: 114].
((وكفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه)) ( ).
قال الحافظ ابن حجر (رح) في ((فتح الباري)) (1/170-171):
قوله {رب زدني علمًا} واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه (ص) بطلب الأزدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته،وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه.
وقال عز وجل: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}[ سورة المجادلة: آية 11].
قال الحافظ ابن حجر (رح) في ((فتح الباري)) ((1/170):
((يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورفعه الدرجات تدل على الفضل، إذا المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات،ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة)).
وعن معاوية بن أبي سفيان (ض2) قال: قال رسول الله (ص) ((مَن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين،وإنما أنا قاسم، والله يعطى)) ( ).
قال العلامة ابن القيم (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (1/246):
وهذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا؛ إذا أراد بالفقه العلم المستلزم للعمل.
وقال الحافظ (رح) في ((فتح الباري)) (1/198):
ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين ـ أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع ـ فقد حرم الخير؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله،ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)) ( ).
((وقد تظاهر الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل، فكما سلك طريقًا يطلب فيه حياة قلبه ونجاته من الهلاك، سلك الله به طريقًا يحصل له ذلك)) ( ).
((فمن طلب العلم ليُحي به الإسلام الإسلام فهو من الصدّقين، ودرجته بعد درجة النبوة)) ( ).
((فإن أجل حسنات الدنيا العلم النافع والعمل الصالح)) ( ).
قال الإمام ابن حبان (رح) في صحيحه (1/291 إحسان):
العلماء الذي يتساوون مع المجاهدين في سبيل الله؛ هم الذين يعلّمون علم النبي (ص)، دون غيره من سائر العلوم، ألا تراه يقول ((العلماء ورثة الأنبياء))، والأنبياء لم يورّثوا إلا العلم، وعلم نبينا (ص) سُنته، فمن تعرى عن معرفتها، لم يكن من ورثة الأنبياء.
وعن زيد بن ثابت (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((نضّر الله امرءًا اسمع منّا حديثًا، فبلغه غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه ليس بفقيه، ثلاث لا يُغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولا الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))( ).
وعن أبي سعيد الخدري (ض) قال: خرج معاوية (ض) على حلقة في المسجد؛ فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آللهِ، ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أمَا إنّي لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله (ص) أقلّ عنه حديثًا منّي، وإن رسول الله (ص) خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا، قال: آللهِ، ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إنّي لم أستخلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل؛ فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)) ( ).
فيا مَن يريد السعادة،وانشراح الصدر؛ اطلب العلم، وحصِّل الفوائد، وعِش مع كتاب ربك وسنة النبي (ص) ومع سلف الأمة تذهب عنك الهموم والغموم والأحزان، {أمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب)) [سورةالرعد: آية 19].
وتفكر في حال سلف الأمة وأتباعهم ممن شرح الله صدره بالعلم؛ فإن ((من شرف العلم وفضله أن كل من نُسب غليه فرح بذلك وإن لم يكن من أهله، وكل من دُفع عنه ونُسب إلى الجهل عزّ عليه ونال ذلك من نفسه وإن كان جاهلاً)) ( ).
وتفكر في رحلة نبي الله موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ في طلب العلم:
((فإن الله سبحانه أخبرنا عن صفيّة وكليمه ـ الذي كتب له التوراة بيده ( )، وكلمه منه إليه ـ أنه رحل إلى رجل عالم ( ) يتعلم منه، ويزداد علمًا إلى علمه، فقال: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أوْ أمضي حُقُبا} [سورة الكهف:آية 60]، حرصًا منه على لقاء هذا العالم، وعلى التعلم منه، فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلّمه وقال له: {هل أتبعك على أن تعلمن ممّا علّمت رشدًا} [سورة الكهف:آية66]، فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته، وأنه لا يتبعه إلا بإذنه، وقال: {على أن تعلمن مما عُلّمت رشدًا} فلم يجيء ممتحنًا ولا متعنتا، وإنما جاء متعلمًا مستزيدًا علمًا إلى علمه، وكفى بهذا فضلاًَ وشرفًا للعلم، فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقي النصب من سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم،
ولمّا سمع به لم يقرّ له قرار حتى لقيه، وطلب منه متابعته وتعليمه ( ).
قال الإمام الخطيب البغدادي (رح):
((قال بعض أهل العلم: إن فيما عاناه موسى؛ من الدأب والسفر والصبر عليه، ومن التواضع والخضوع للخضر، بعد معاناة قصده، مع محل موسى من الله، وموضعه من كرامته، وشرف نبوته ـ دلالة على ارتفاع قدر العلم، وعلو منزلته أهله، وحسن التواضع لمن يلتمس منه ويؤخذ عنه، ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحد بارتفاع درجة وسمو منزلة، لسبق إلى ذلك موسى، فلما أظهر الجدّ والاجتهاد،والانزعاج عن الوطن، والحرص على الاستفادة، مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من العلم إلى ما هو غائب عنه، دلَّ على أنه ليس في الخلق من يعلو على هذه الحال، ولا يكبر عنها)) ( ).
فمن هؤلاء العظماء:
عبد الله بن مسعود (ض):
حيث يقول: ((والله لقد أخذت من في رسول الله (ص) بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي (ص) أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه.
قال شقيق بن سلمة (الراوي عن ابن مسعود): فجلست في حلق أصحاب محمد (ص) فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه. ( ).
وقال (ض): ((والذي لا إله غيره، ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت،ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه)) ( ).
ومنهم أمير المؤمنين في الحديث أبو هريرة (ض):
الذي كان حفظه الخارق من معجزات النبوة ( ).
عن أبي هريرة (ض) قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر، واللهُ الموعدُ، ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصال لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك، إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم،وإن أخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله (ص) على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله (ص) يومًا: ((أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئًا سمعه مني)) فبسطت بُردة عليَّ، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري، فما نسيتُ بعد ذلك اليوم شيئًا حدّثني به، ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدّثتُ شيئًا أبدًا {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدي} آخر الآيتين ( ). [ سورة البقرة: 159-160].
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس (ض2):
عن ابن عباس (ض2) أن النبي (ص) دخل الخلاء؛ فوضعتُ له وَضوءًا، قال: ((من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: ((اللهم فقهه في الدين)). وفي رواية ((اللهم علّمه الكتاب)) ( ).
وقال (ض) لمّا توفي رسول الله (ص)؛ قلت لرجل من الأنصار: هلمّ نسأل أصحاب النبي (ص)؛ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس ! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي (ص) مَن ترى؟ فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فأتيه هو قائل (من القيلولة)، فأتوسد رائي على بابه، فتُسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلتَ إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك. قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ؛ فقال: هذا الفتى أعقل مني ّ)) ( ).
ومنهم جابر بن عبد الله (ض2):
قال (ض): ((بلغني عن رجل من أصحاب النبي (ص) حديث سمعه من النبي (ص)، فاشتريتُ بعيرًا، ثم شددت رحلي، فسرْتُ إليه شهرًا، حتى قدمتُ الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس، فقلت للبوّاب: قل له: جابرُ على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم فخرج عبد الله بن أُنيس فاعتنقني، فقلتُ: حديث بلغني عنك أنك سمعتَه من رسول الله (ص) فخشيتُ أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعتُ رسول الله (ص) يقول: ((يحشر الله الناس يوم القيامة عُراةً غُرلاً بُهما، قلنا: ما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب، أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلة، ولا ينبغي لأحد من النار يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف هو، وإنما نأتي الله تعالى، عراة غُرلاً بُهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات)) ( ).
ومنهم: سعيد بن المسيب: سيد التابعين (رح):
قال (رح): إن كنتُ الأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد))( ).
ومنهم: مكحول الدمشقي (رح):
قال (رح): عُتقتُ بمصر، فلم أدع بها علمًا إلا احتويتُ عليه فيما أرى، ثم أتيتُ العراق، فلم أدع علمًا إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت المدينة، فلم أدع بها علمًا إلا احتويت عليه، ثم أتيت الشام، ففربلتُها، كل ذلك اسأل عن النَّقَل فلم أجد أحدً يخبرني عنه، حتى مررتُ بشيخ من بني تميم يُقال له: زياد بن جارية جالسًا على كرسي، فسألته فقال: حدثني حبيب بن مسلمة قال: شهدتُ رسول الله (ص) نقل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث)) ( ).
ومنهم: شعبة بن الحجاج ـ أمير المؤمنين في الحديث (رح):
عن نصر بن حماد الوراق قال: كنا قعودًا على باب شعبة نتذاكر الحديث، قال: فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (ض) قال: ((كنا نتاوب رعاية الإبل على عهد رسول الله (ص)، فجئت ذات يوم والنبي (ص) جالس وحوله أصحابه، فسمعته يقول: ((مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم دخل مسجدًا فصلى ركعتين واستغفر الله غفر الله له، قال: فقلت: بخ بخ، قال: فجذبني رجل من خلفي، فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: ((الذي قال قبل أحسن، قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قيل له أدخل من أي أبواب الجنة شئت)) قال: فخرج إليّ شعبة فلطمني، ثم دخل ثم خرج، فقال: ما له قعد يبكي؟ فقال له عبد الله إدريس: إنك أسأت إليه، فقال: أما تسمع ما يُحدّث عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر؛ وأنا قلت لأبي إسحاق: أسمع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟ قال: لا، وغضب. وكان مِسْعر بن كدام حاضرًا، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت: ماله؟ ليصحّحنَّ لي هذا الحديث أو لأسقطنّ حديثه، فقال مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إليه، لم أرد الحج، إنما أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، فقال لي مالك بن أنس: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام؛ فدخلتُ المدينة، فلقيتُ سعد بن إبراهيم فسألته؛ فقال: الحديث من عندكم، زياد بن مخراق حدثنى، فقلت: أي شيء هذا الحديث!! بينا هو كوفي، صار مكيًّا، صار مدنيًّا، صار بصريًّا، فدخلت البصرة، فلقيت زياد بن مخراق فسألته؛ فقال:ليس هذا من بابتك، قلتُ: بلى حدثني به، قال: لا تريده قلت: أريده، قال: حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر)). قال: فلما ذكر لي شهرًا؛ قلت: دمّر عليّ هذا الحديث، لو صحّ لي مثل هذا الحديث؛ كن أحب إليّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين)) ( ).
فرضي الله عن شُعبة، وأين مثل شُعبة؟!.
ومنهم هشام بن عمار (رح) شيخ البخاري، حافظ دمشق، ومقرئها.
قال (رح) باع أبي بيتًا له بعشرين دينارًا، وجهزني للحج، فلما صرتُ إلى المدينة، أتيتُ مجلس مالك، ومعي مسائل أريد أن أسأله عنها. فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك، وغلمان قيام، والناس يسألونه، وهو يجيبهم. فلما انقضى المجلس، قال لي بعض أصحاب الحديث: سل عمّا معك؟ فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تقول في كذا وكذا؟ فقال: حصلنا على الصبيان، يا غلام، احمله. فحملني كما يحمل الصبي، وأنا يومئذ غلام مدرك، فضربني بدرّة مثل درّة المعلمين سبع عشر درة، فوقفت أبكي، فقال لي: ما يبكيك؟ أوجعتك هذه الدرة؟ قلت: إن أبي باع منزله، ووجّه بي أتشرف بك، وبالسماع منك، فضربتني؟ فقال: اكتب، قال: فحدثني سبعة عشر حديثًا، وسألته عما كان معي من المسائل فأجابني.
وفي رواية: فقلت له: زد في الضرب، وزد في الحديث، فضحك مالك، وقال: اذهب ( ).
ومنهم محمد بن سحنون القيرواني الفقيه المالكي:
كانت له سُرّيّة (أمَة) يقال لها: أمّ مُدام، فكان عندها يومًا، وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته ليأكل، فقال لها: أنا مشغول الساعة، فلما طال عليها؛ جعلت تُلقّمه الطعام حتى أتت عليه، وتمادى هو على ما هو فيه، إلى أن أذن لصلاة الصبح فقال: شغلنا عنكِ الليلة يا أم مدام، هاتِ ما عندك، فقالت: قد ـ والله يا سيدي ـ ألقمته لك، فقال لها: ما شعرتُ بذلك)) ( ).
ومنهم الإمام أحمد بن حنبل (رح) إمام أهل السنة والجماعة:
قال (رح): رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعًا، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدتُ إلى بغداد، وخرجت إلى الكوفة، فكنت في بيت تحت راسي لبنة! فحممتُ ! فرجعت إلى أمي رحمها الله ولم أكن استأذنتها، ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري، وخرج بعض أصحابنا ولم يكن عندي شيء)) ( ).
ومنهم الإمام البخاري محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (رح):
قال (رح): لمّا طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر الرسول (ص) في الليالي المقمرة. وقلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أن كرهت تطويل الكتاب ( ).
سبحان الله، ولا إله إلا الله، يؤلف كتاب ((التاريخ)) وهو دون العشرين من عمره !!.
قال أبو العباس بن سعيد: لو أن رجلاً كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب ((التاريخ)) تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري))( ).
وقال أبو سهل محمود الشافعي: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا من الدنيا النظر في ((تاريخ)) محمد بن إسماعيل)) ( ).
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: قلت له يومًا خلوة: هل من دواء يشر به الرجل، فينتفع به للحفظ؟ فقال: لا أعلم، ثم أقبل عليَّ، وقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر)) ( ).
ومنهم الإمام أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم:
قال (رح): خرجت من الري المرة الثانية سنة سبع وعشرين ومئتين، ورجعت سنة اثنتين وثلاثين في أولها، بدأت فحججتُ ثم خرجت إلى مصر فأقمت بمصر خمسة عشر شهرًا، وكنت عزمت في بُدوة قدومي مصر أني أقل المقام بها، فلما رأيت كثرة العلم بها وكثرة الاستفادة عزمت على المقام، ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي، فلما عزمتُ على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر بكتب الشافعي، فقبّلتها ( ) منه بثمانين درهمًا أن يكتبها كلها، وأعطيته الكاغد ( )، وكنت حملت معي ثوبين ديبقين لأقطعهما لنفسي، فلما عزمت على كتابتها؛ أمرت ببيعهما فبيعا بستين درهمًا، واشتريت مئة ورقة كاغد بعشرة دراهم، كتبت فيها كتب الشافعي، ثم خرجت إلى الشام، فأقمت بها ما أقمت، ثم خرجت إلى الجزيرة وأقمت بها ما أقمت، ثم رجعت إلى بغداد سنة ثلاثين في آخرها، ورجعت إلى الكوفة وأقمت بها ما أقمت، وقدمت البصرة فكتبت بها عن شيبان وعبد الأعلى. وأقمت لي خرجتى الثالثة بالشام والعراق ومصر أربع سنين وستة أشهر، فما أعلم أني طبخت فيها قدرًا بيد نفسي ( ).
وقال (رح): ((لا أعلم صفا لي رباط يوم قط؛ أما بيروت، فأردنا العباس بن الوليد ابن مَزيد، وأما عسقلان، فأردنا محمد بن أبي السَّري، وأما قزوين، فمحمد بن سعيد بن سابق)) ( ).
رحم الله أبا زرعة فمن عظيم اهتمامه بالعلم، ينشغل به وهو مرابط في سبيل الله !!.
ومنهم الإمام أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس (رح):
قال (رح): أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيتُ ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتى لم زاد على ألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم رمة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان،ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان، فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيان، ومن بيان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيًا كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومئتين، قدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة، وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومئتين، وجرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، وكان واليها الحسن بن مصعب،وكنت تنظر إلى الحسن كأنه محدّث، أحرم الرأس واللحية عليه قلنسوة حبرة، وكنت أشبهه بسنيد بن داود، وربما رأيت الوالي فأظن أنه سنيد، وربما اجتمعا فلا أميز بينهما، وفي هذه السنة فتحت لؤلؤة وأنا بطرسوس))( ).
وقال (رح): بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومئتين ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئًا بعد شيء، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع منهم غلى الماء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيت خال فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا عليَّ رفيقي فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد فانصرف عني، وانصرفت جائعًا؛ فلما كان من الغد غدا علي فقال: مرّ بنا إلى المشايخ قلت: أنا ضعيف لا يمكنني. قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئًا؛ فقال لي: قد بقي معي دينار فأنا أواسيك بنصفه ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وقبضت منه النصف دينار ( ).
ومنهم الإمام أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي:
قال (رح): كنت في رحلتي في طلب الحديث، فدخلت إلى بعض المدن، فصادفت بها شيخًا، احتجت إلى الإقامة عليه للاستكثار عنه، وقلّت نفقي، وبعدت عن بلدي، فكنت أدمن الكتابة ليلاً، وأقرأ عليه نهارًا، فلما كان ذات ليلة كنت جاسًا أنسخ، وقد تصرّم الليل، فنزل الماء في عينيَّ، فلم أبصر السراج ولا البيت، فبكيت على انقطاعي، وعلى ما يفوتني من العلم، فاشتد بكائي حتى اتكأت على جنبي، فنمت، فرأيت النبي (ص) في النوم، فناداني: يا يعقوب بن سفيان ! لم أنت بكيت؟ فقلت: يا رسول الله، ذهب بصري، فتحسرت على ما فاتني من كتْب سنتك، وعلى الانقطاع عن بلدي، فقال: ادن منيّ. فدنوت منه، فأمرّ يده على عينيَّ، كأنه يقرأ عليهما، قال: ثم استيقظت فأبصرت، وأخذت نسخي وقعدت في السراج أكتب ( ).
الله أكبر، ورضي الله عن يعقوب.
ومنهم الإمام ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس:
قال (رح): كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسّم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة. قال: فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يمكنا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير، فأكلناه نيئًا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشْويه.
ثم قال (رح): لا يستطاع العلم براحة الجسد ( ).
ومنهم الحافظ أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث (رح) عليهما: قال (رح): دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، فأخذت به ثلاثين مُدًّا باقلا (مثل الفول) فكنت آكل منه، وأكتب عن أبي سعيد الأشج، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثين ألف حديث، ما بين مقطوع ومرسل)) ( ).
وقال أبو بكر بن شاذان: قدم أبو بكر بن أبي داود سجستان، فسألوه أن يحدثهم، فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود وأصل ! قال: فأثاروني، فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى إلى سجستان ولعب بهم، ثم فيجوا فيجًا (أي جماعة من الناس) اكتروْه بستة دنانير إلى سجستان، ليكتب لهم النسخة، فكتبت، وجيء بها وعُرضت على الحفّاظ، فخطّؤوني في ستة أحاديث، منها ثلاثة أحاديث حدَّثتُ كما حُدِّثتُ، وثلاثة أخطأت فيها)) ( ).
رحم الله ابن أبي داود يحدث بثلاثين ألف حديث فلا يخطيء إلا في ثلاثة !!
ومنهم الإمام النسائي أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب (رح):
قال الإمام الذهبي (رح): كان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف. جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استطون مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن ( ).
ومنهم الإمام أبو بكر بن الأنباري، محمد بن القاسم (رح):
كان (رح) يأخذ الرطب يشمه، ويقول: أما إنك لطيب، ولكن أطيب منك حفظ ما وهب الله لي من العلم ( ).
مضى يومًا إلى النخّاسين (الذين يبيعون الرقيق) وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي، ثم مضيت إلى أمير المؤمنين الراضي، فقال لي: أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته، فأمر بعض أسبابه (أي غلمانه) فمضى فاشتراها، وحملها إلى منزلي، فجئت فوجدتها، فعلمتُ الأمر كيف جري، فقلت لها: كوني فوق إلى أن أستبرئك، وكنت أطلب مسألة قد أحيلت علي فاشتغل قلبي، فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخّاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام، فقالت: دعني أكلمه بحرفين ! فقالت: أنت رجل لك محل وعقل،وإذا أخرجتني ولم تعين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس في ظنًّا قبيحًا، فعرفنيه قبل أن تخرجني. فقلت لها: مالك عندي عيب غير أنك شغلتيني عن علمي! فقالت: هذا أسهل عندي. قال: فبلغ الراضي أمره؛ فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل)) ( ).
ومنهم الإمام الطبراني سليمان بن أحمد (رح):
قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة أبي القاسم الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلب بفطنته. وذكائه حتى راتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات، فقال: حدثنا أبو خليفة الجُمحي، قال: حدثنا سليمان بن أيوب، وحدث بحديث، فقال الطبراني: أنا ( ) سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلو فيه إسنادك، فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه. أو كما قال ( ).
ومنهم الإمام أبو نصر السجزي عبد الله بن سعيد (رح):
قال الحافظ أبو إسحاق الحبال: كنت يومًا عند أبي نصر السجزي، فدُق الباب، فقمت ففتحت، فدخلت امرأة، وأخرجت كيسًا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ، وقالت: أنفقها كما ترى!! قال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني، ولا حاجة لي في الزوج، لكن أخدمك. فأمرها بأخذ الكيس، وأن تنصرف، فلما انصرفت، قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر علي ثواب طلب العلم شيئًا)) ( ).
ومنهم الإمام ابن الجوزي أبو الفرج عبدالرحمن بن علي (رح):
يقول (رح): من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمَّل به إدراك المطلوب، وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:
أهتز عند تمني وصلها طربًا وربّ أمنية أحلى من الظفر
ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعماهم في اكتساب الدنيا،وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. فقال إبليس: ونسيت تعبك وسهرك ! فقلت له: أيها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقوع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدّت إلى صديق.
جزى الله المسير إليه خيرًا وإن ترك المطايا كالمزاد
ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث،وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّني لا ترى إلى لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي للحديث، وآداب سير الرسول (ص) وأحواله وآدابه،وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود، وأثمر ذلك عندي من المعاملة مالا يدرك بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي منالعلم من خوف الله عز وجل ( ).
وغيرهم كثير وكثير جدًا، لا يأتي عليهم حصر، في كل زمان ومكان، إلى زماننا هذا، فمنهم الشنقيطي وابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم وغيرهم وغيرهم.
هذي المفاخر لا قعبان من لبن شيبت بماء فعادت بعد أبوالا.
رضي الله عنا وعنهم أجمعين فإنهم ((قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله (ص) وعلى آله أجمعين، من قوم أثروا قطع المفاوز و القفاز، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعّموا بالبؤس في الأسفار، مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار، بوجود الكسر والأطمار، قد رفوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية، وتوابع ذلك من البدع والأهواء والمقاييس والآراء والزيغ، جعلوا المساجد بيوتهم، وأساطينهاتكاهم، وبواريها (حصيرهم) فرشهم... قد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم (عطرهم) المداد، ونومهم السهاد، واصطلاءهم الضياء، وتوسدهم الحصى، فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس؛ فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، قلوبهم بالرضا في الأحوال عامرة، تعلّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل اسنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرهم أعداؤهم ( ).
ورحم الله القائل ـ ونسبت للزمخشري ـ إذ يقول:
سهري لتنقيح العلوم ألذلي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربًا لحلِّ عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق
وألذّ من نقْر الفتاة لدُفّها نقري لألقي الرمل عن أوراقي
يا من يحاول بالأماني رتبتي كم بين مُسْتَغْلٍ وآخر راقي
أأبيتُ سهران الدجي وتبيته نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
وما أجمل ما قاله الجاحظ في توصيته بالكتاب والمطالعة حيث يقول:
والكتاب هو الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يُغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والمستميح الذي لا يستريثك ( )، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب.
والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بنانك، وفخّم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفتَ به في شهر مالا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغُرم، ومن كدّ الطلب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خُلقًا، وأكرم منه عرقًا ( )، ومع السلامة من مجالسة البُغضاء، ومقارنة الأغبياء.
والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلالُ السهر،وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرْك، وإن قطعتَ عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عُزلت َ لم يدع طاعتك، وإن هبّت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت معه متعلقًا بسبب أو معتصمصا بأدنى حبل كان لك فيه غنى من غيره، ولم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إيك إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض فيما لا يعنيك، ومن ملابسه صغار الناس، وحضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الرديئة، وجهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة، وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سحف المُنى، وعن اعتياد الراحة وعن اللعب، وكل ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغَ النعمة،وأعظم المنة.
وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفُرَّاغ نهارهم، وأصحاب الفكاهات ساعات ليلهم: الكتاب،وهو الشيء الذي لا يُرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد تجربة ولا عقل ولا مروءة، ولا في صون عرض، ولا في إصلاح دين، ولا في تثمير مال، ولا في ربّ صنيعة، ولا في ابتداء إنعام. ( )
وأختم هذا الفصل بهذه النصيحة الطيبة المباركة:
((تعلّموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد،وتعليمه لمن لا يُحسنه صدقة،وبذله لأهله قربة، به يُعَرف الله ويُعبد، وبه يوحَّد، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وتوصل الأرحام،وهو الأنيس في الوحدة،والصاحب في الخلوة، والدليل على السرَّاء، والمعين على الضرّاء، والوزير عند الأخلاّء،والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة،يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة وسادةً يُقتدي بهم، أدلة في الخير تُقتص آثارهم، وترمق أفعالهم،وترغب الملائكة في خلّتهم وبأجنحتها تمسحهم،ويستغفر لهم كل رطب ويابس،حتى حيتان البحر وهوامّه،وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، والعلم حياة القلوب من العمى، ونور للأبصار من الظّلم، وقوة للأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى، التفكر فيه يُعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وهو إمام للعمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء. ( )
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (1/490-491):
قال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم.
قلت (ابن القيم): الصنف الأول من له علم بلا عمل، فهو أضرّ شيء على العامة؛ فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومبخسة.
والصنف الثاني: العابد الجاهل؛ فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله.
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله ((احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون)) فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبّادهم، فإذا كان العلماء فجرة والعبّاد جهلة عمّت المصيبة بهما، وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.
والصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل، وإنما هم كالأنعام السائمة.
والصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض، وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين، فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجنّ، فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.
فهؤلاء الأربعة أصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف (رح).
وهؤلاء كلهم على شفا جُرف هارٍ،وعلى سبيل الهلكة، وما يلقى العالمُ الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذي والمحاربة إلا على أيديهم. والله يستعمل من يشأ في سخطه، كما يستعمل من يحب في مرضاته، إنه بعباده خبير بصير.
ولا ينكشف سرّ هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم، فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه، والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه. انتهى.
ومن أسباب انشراح الصدور ـ أيضًا ـ الصلاة؛ ((فإنها محكّ الأحوال، وميزان الإيمان، بها يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله، ومقامه، ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا شيء أقرّ لعين المحب ولا ألذّ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها إذا كان محبًّا، فإنه لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له، ومثوله بين يديه وقد أقبل محبوبه عليه، وكان قبل ذلك معذبًا بمقاساة الأغيار، ومواصلة الخلق والاشتغال بهم، فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه، وآوى عنده واطمأن بذكره، وقرّت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته، فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح، كما قال النبي (ص) لبلال: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة)) ( ). ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون. فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقارين شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس، وفات بينها هذا التفاوت العظيم.
وبالجملة فمن كان قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها، ويعودّ أن لو قطع عمره بها، غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلي نفسه إذا فارقها، بأنه سيعود إليها عن قرب، فهو دائمًا يثوب إليها، ولا يقضي منها وطرًا، فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل، الذي وزنه غير عائل)) ( ).
وقد قال (ص): ((حُبّب إلي الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)) ( ).
((فالصلاة قد وُضعتْ على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبد بها الخالق تبارك وتعالى عباده من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح؛ من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين، والرأس وحواسه، وسائر أجزاء البدن، كل يأخذ حظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواس الباطنة بحظها منها، وقيام القلب بواجب عبوديته فيها، فهي مشتملة على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير، وشهادة الحق، والقيام بين يدي الرب مقام العبد الذليل الخاضع المدبَّر المربوب، ثم التذلل له في هذا المقام، والتضرع والتقرب إليه بكلامه، ثم انحناء الظهر ذلاًّ له وخشوعًا واستكانه، ثم استوائه قائمًا ليستعد لخضوع أكمل له من الخضوع الأول ـ وهو السجود من قيام ـ فيضع أشرف شيء فيه ـ وهو وجهه ـ على التراب خشوعًا لربه واستكانة، وخضوعًا لعظمته، وذلاًّ لعزته، وقد انكسر له قلبه، وذلّ له جسمه، وخشعت له جوارحه، ثم يستوي قاعدًا يتضرع له ويتذلل بين يديه، ويسأله من فضله، ثم يعود إلى حاله من الذل والخشوع والاستكانة، فلا يزال هذا دأبه حتى يقضي صلاته، فيجلس عند إرادة الانصراف منها مثنيًا على ربه، مسلمًا على نبيه وعلى عباده، ثم يصلي على رسوله، ثم يسأله ربَّه من خيره وبرِّه وفضله.
فأي شيء بعد هذا العبادة من الحُسن؟ وأي كمال وراء هذا الكمال؟ وأي عبودية أشرف من هذه العبودية ( )؟.
بل الصلاة على النبي (ص) سبب لانشراح الصدر، وزوال الهموم والأحزان، فعن أُبيّ بن كعب (ض) قال: كان النبي (ص) إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: ((يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)). قال أُبُّي: قلت: يا رسول الله؛ إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئتَ، قال: قلت: الربع، قال: ما شئت؛ فإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف. قال: ما شئت؛ فإن زدتَ فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين، قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذن تُكفي همَك، ويغفر لك ذنبك)) ( ).
قال الله جل وعلا: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليها وسلموا تسليما} [سورة الأحزاب: 56].
وعن أبي هريرة (ض) عن النبي (ص) قال: ((من صلى عليّ واحدة، صلى الله عشرًا)) ( ).
وانظر وتفكر وتدبر في حال من شرح الله صدرهم بالصلاة، وتقرب إلى ربك كما تقربوا، واخشع كماخشعوا تكن من الفائزين إن شاء الله تعالى.
عن أبيّ بن كعب (ض) قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة تن فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله (ص)، قال: فتوجعنا له؛ فقلت له: يا فلان؛ لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمضاء، ويقيك من هوام الأرض !! قال: أما والله ! ما أحبّ أن بيتي مطنّبُ ببيت محمد (ص)، قال: فحملتُ به حملاً، حتى أتيت نبي الله (ص) فأخبرته. قال: فدعاه؛ فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجوني في أثره الأجر؛ فقال له النبي (ص) ((إن لك ما احتسبت)).
وفي رواية: قال: ما يسّرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله (ص) ((قد جمع الله لك ذلك كله)) ( ).
ومنهم بلال بن رباح (ض) سيد المؤذنين:
عن أبي هريرة (ض) أن النبي (ص) قال لبلال، عند الفجر: ((يا بلال حدثني بأرجي عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة)). قال: ما عملتُ عملاً أجرى عندي أنّي لم أتظهر طهورًا تامًّا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليتُ لربي ما قُدِّر لي أن أصلي)) ( ).
وفي رواية: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين.
ومنهم عبد الله بن الزبير (ض2):
قال مجاهد بن جبر (رح) كان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة كأنّه عود، وحدَّث أن أبا بكر (ض) كان كذلك)) ( ).
وقال ثابت بن أسلم البناني (رح): كنت أمرُّ بابن الزبير، وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك)) ( ).
وقال عمرو بن دينار (رح): كان ابن الزبير يصلي في الحِجْر، والمنجنيق يصبُّ تُوْبَة( )، فما يلتفت، يعني: لما حاصروه ( ).
وقال عثمان بن طلحة (رح): كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة ( ).
ومنهم سيد التابعين سعيد بن المسيب (رح) عليه:
قال (رح): ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة ( ).
وقال (رح): ما أذّن المؤذن منذ ثلاثين إلا وأنا في المسجد ( ).
وقال (رح): ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة)) ( ).
ومنهم أبو مسلم الخولاني ـ زاهد عصره (رح):
قال عثمان بن أبي العاتكة (رح): علّق أبو مسلم سوطًا في المسجد، فكان يقول أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا فتر، مشق ( ) ساقيه سوطًا أو سوطين.
قال: وكان يقول: لو رأيتُ الجنة عيانًا أو النار ما كان عندي مستزاد ( ).
ومنهم عامر بن عبد قيس، الولي الزاهد (رح):
عن الحسن البصري (رح) أن عامرًا كان يقول: مَن أقرئ؟ (أي القرآن) فيأتيه ناس، فيقرئهم ثم يقول فيصلي إلى الظهر، ثم يصليّ إلى العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين، ثم ينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفًا، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر رغيفًا ويخرج( ).
وعن أبي الحسن المجاشعي (رح) قال: قيل لعامر بن عبد قيس: أتحدث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي ( ).
وكان (رح) لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر، فينصرف وقد انتفخت ساقاه، فيقول: يا أمّارة السوء، إنما خُلقتِ للعبادة ( ).
ومنهم الربيع بن خُثيم القدوة العابد (رح):
الذي قال له ابن مسعود (ض): لو رآك رسول الله (ص) لأحبَّك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين)) ( ).
كان (رح) إذا سجد كأنه ثوب مطروح، فتجئ العصافير فتقع عليه.
وكان (رح) بعد ما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان اصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك ! فيقول إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح، فمن سمع منكم: حيّ على الفلاح؛ فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوًا))( ).
واشترى (رح) فرسًا بثلاثين ألفًا، فغزا عليها، ثم أرسل غلامه يسار يحتش، وقام يصلي، وربط فرسه، فجاء الغلام، فقال: يا ربيع، أين فرسك؟ قال: سُرقت يا يسار. قال: وأنت تنظر إليها؟ قال: نعم يا يسار؛ إني كنت أناجي ربي إن كان غنيًّا فاهده، وإن كان فقيرًا فأغنه. ثلاث مرات ( ).
ومنهم مُرة الطيب بن شراحيل الهمداني، ويقال له: مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه قال الذهبي (رح) في ((سير أعلام النبلاء)) (4/75):
بلغنا عنه أنه سجد لله حتى أكل التراب جبهته. ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم، ولهذا لم تكثر روايته، وهل يُراد من العلم إلا ثمرته !!
وقال عطاء بن السائب: رأيت مُصلّي مُرة الهمداني مثل مبرك البعير ( ).
وقال العلاء بن عبد الكريم الأيامي: كنا نأتي مُرة الهمداني، فيخرج إلينا فنرى أثر السجود في جبهته وكفيه وركبتيه وقدميه. قال: فيجلس معنا هينئة ثم يقوم، فإنما هو ركوع وسجود ( ).
ومنهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة (رح):
قال الإمام مالك (رح): كان عبيد الله بن عبد الله من العلماء، وكان إذا دخل في صلاته، فقعد إليه إنسان، لم يُقبل عليه حتى يفرغ، وإن عليّ بن الحسين كان من أهل الفضل، وكان يأتيه، فيجلس إليه، فيطوّل عبيد الله في صلاته، ولا يلتفت إليه، فقيل له: عليُّ وهو ممّن هو منه !! فقال: لابد لمن طلب هذا الأمر أن يُعنَّي به ! ( ).
ومنهم علي بن الحسين زين العابدين (ض) وعن آبائه ـ السيد القرشي الهاشمي، سيد أهل البيت في زمانه.
عن أبي نوح الأنصاري (رح) قال: وقع حريق في بيت فيه عليُّ بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار. فما رفع رأسه حتى طفئت، فقيل له في ذلك فقال: ألهتْني عنها النار الأخرى ( ).
وعن عبد الله بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين إذا مشني لا تجاوز يده فخذيه ولا يخطر بها، وإذا قام إلى الصلاة، أخذته رِعْده، فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي ( )؟.
ومنهم مسلم بن يسار، أبو عبد الله البصري، القدوة الفقيه الزاهد (رح).
عن عبد الله بن مسلم بن يسار: أن أباه كان إذا صلى كأنه ودُّ (أي وتد) لا يميل هكذا ولا هكذا ( ).
وقال غيلان بن جرير: كان مسلم بن يسار إذا صلى كأنه ثوب ملقي( ).
وقال عبد الله بن شوذب (رح) كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: تحدّثوا فلست أسمع حديثكم ( ).
وعن ميمون بن حيان (رح) قال: ما رأيت مسلم بن يسار متلفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية من المسجد، ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد في الصلاة، فما التفت ( ).
ومنهم طلق بن حبيب العنزي، الزاهد الكبير (رح):
كان (رح) لا يركع إذا افتتح سورة البقرة حتى يبلغ ((العنكبوت))، وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صُلبي ( ).
وقال (رح): يموت المسلم بين حسنتين؛ حسنة قد قضاها، وحسنة ينتظرها ـ يعني الصلاة ( ).
ومنهم عامر بن عبد الله بن الزبير (ض) وعن آبائه:
قال مصعب: سمع عامر المؤذن وهو يجود بنفسه، فقال: خذوا بيدي، فقيل: إنك عليل، قال: أسمعُ داعي الله، فلا أجيبه !! فأخذوا بيده، فدخل مع الإمام في المغرب، فركع ركعة ثم مات ( ).
ومنهم ثابت بن أسلم البنائي، الإمام القدوة (رح):
قال حماد بن سلمة (رح): كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره؛ فأعطني الصلاة في قبري. فيقال: إن هذه الدعوة.
فيقال: إن هذه الدعوة استجيبت له، وإنه رئي بعد موته يصلي في قبره فيما قيل ( ).
ورحم الله ثابتًا حيث يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة ( ).
ومنهم البخاري محمد بن إسماعيل، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في زمانه (رح):
قال محمد بن أبي حاتم الورّاق: دُعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه، فلما صلي بالقوم الظهر، قام يتطوع، فلما فرغ من صلاته، رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبور قد أبَره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا. وقد تورم من ذلك جسده. فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببتُ أن أتمها ( ) !!
ومنهم الإمام محمد بن نصر المروزي (رح):
قال أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبغي (رح): أدركت إمامين من أئمة المسلمين لم أرزق السماع منهما، أبو حاتم الرازي، وأبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، فأما أبو عبدالله فما رأيت أحسن صلاة منه، وبلغني أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك ( ).
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: ما رأيتُ أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه، فيسيل الدم، ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يصنع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة منصوبة ( ).
وغيرهم كثير جدًا أسأل الله أن يرزقنا اتباعهم والاقتداء بهم.
وأختم هذا الفصل بما قاله الإمام محمد بن نصر المروزي (رح) في كتابه المبارك ((تعظيم قدر الصلاة)) ص(217) ط مكتبة العلم بالقاهرة:
وقد روي في بعض الحديث: ((إن الله تبارك وتعالى قد خص أهل جواره بخاصة اللطف، في جنته من الهدايا، ثوابًا لهم على صلاتهم من بين سائر الأعمال، فجعل هداياه إلى أوليائه في جنته بمقادير صلواتهم في الأوقات التي كانوا يصلونها، وكذلك جعل تسليم ملائكته عليهم بمقادير أوقات صلواتهم، من بين جميع الطاعات وأوقاتها، فكفي بالصلاة فضلاً، وحسن عاقبة في الآخرة. قال بعض أهل العلم: إن كان متواضعًا في الدنيا في صلاته، خاشعًا، يأخذ بيده اليسرى باليمني، حُشر على إخباته في صلاته، ثوابًا لخشوعه في صلاته، علامة له منب ين الخلائق أنه هكذا كان لله في الدنيا متذللاً إذا قام بين يديه يناجيه.
وقال (رح) ص(63):
ولم نجد الله عز وجل مدح أحدًا من المؤمنين بمواظبته على شيء من الأعمال مدح من واظب على الصلوات في أوقاتها، ألا تراه كيف ذكرها مبتدأة من بين سائر الأعمال، قال الله {إن الإنسان خلق هلوعًا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعًا} [ سورة المعارج: 19-20].
ثم لم يبرئ أحدًا من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال: {إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون} [سورة المعارج: 22، 23].
ومن أسباب انشراح الصدر قيام الليل، دأب الصالحين:
((لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم، قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم من حسن عبادة السهر، وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقض عنهم الليل؛ وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملّتْ أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولّي عنهم الليل بربح وغبْن، أصبح هؤلاء قدْ ملُّوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجئ الليل للعبادة، شتان ما بين الفريقين، فاعملوا لأنفسكم ـ رحمكم الله ـ في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرهما، إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا الله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله، كم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه، عندما يرئ من كرامة الله للعابدين غدًا، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام ـ رحمكم الله ـ ( ).
((ولهذا ذكّر سبحانه عباده هذه النعمة، وعدّها عليهم من جملة نعمه، فقال: {من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم من ذكر ربهم معرضون)) [سورة الأنبياء: 42]، فإذا تصور العبد ذلك فقال: ((الحمد لله)) كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك، ثم تفكر في أن الذي أعاده بعد هذه الإماتة حيًّا سليمًا قادر ( ) على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيًّا كما كان، ولهذا يقول بعدها: ((وإليه النشور)).. ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلي ما كتب الله له صلاة محب ناصح لمحبوبه، متذلل منكر بين يديه، لا صلاة مدلٍّ بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهله وحرمة غيره، فهو يُزاد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليلة، ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك، كما قيل:
يودُّ أنّ ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر
فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية، فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتطيّب له السير آياتُ الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيّب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره، المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه فتأمل هذه الثلاثة، وتفقه فيها، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى في كلامه، ويعطي كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على مجرد تلاوتها والتصديق بأنها كلام الله، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها.
ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبل يلعب، كما قيل:
وكنت أرى أن قد تناهي بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب
فوا أسفاه، وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر والقلب محجوب ما شمّ لهذا رائحة وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا، وموته كمدًا، ومعاده حسرة وأسفًا، الله فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك)) ( ).
فأهل الليل أسعد بربهم، ومناجاته، والوقوف بين يديه، وخشيته، والتضرع إليه، والبكاء بين يديه، وتدبر كلامه، والشوق إلى جنته، والهرب من ناره، والاستغفار والتوبة من معصيته، وحسن سؤاله، والرغبة في نوال ما عنده، والأنس بقربه، وانشراح الصدر والالتذاذ بقراءة القرآن، والصبر على الوضوء بالماء البارد في ليالي الشتاء، أعظم لذة وسعادة من أهل السُّكر بسُكرهم، وأصحاب النساء بنسائهم، وأهل المال بمالهم، وأهل الجاه والسلطان بسلطانهم، كيف لا؟ وهم في قرب وأنس بالرحيم الرحمن.
يقول الله جل وعلا واصفًا المؤمنين: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحارهم يستغفرون} [ سورة الذاريات: 17، 18].
بل فرض الله قيام الليل سنة كاملة في ا,ل الإسلام، فقام النبي (ص) وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، ثم أنزل الله جل وعلا التخفيف في آخر سورة المزمل، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((يعقد الشيطان على قافيه رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام، بكل عقدة يضرب عليك ليلاً طويلاً، فإذا استيقظ، فذكر الله، انحلّت عقدة، وإذا توضأ؛ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد؛ فاصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) ( ).
وعن عقبة بن عامر (ض) قال سمعت النبي (ص) يقول: ((رجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطَّهور، وعليه عقد، فإذا وضّأ يديه انحلت عقدة، فإذا وضّأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله جل وعلا للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ليسألني، ما سألني عبدي هذا، فهو له)) ( ).
وعن عبدالله بن مسعود (ض) قال: ((ذُكر عند النبي (ص) رجل؛ فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة. فقال: ((بال الشيطان في أذنيه)) ( ).
وقد بوب لهذا الحديث الإمام النسائي (رح) في ((سننه)) (3/204):
باب الترغيب في قيام الليل
وبوب له الإمام ابن حبان (رح) في ((صحيحه)) (6/302إحسان):
ذكر الإخبار عما يُستحب للمرء من كثرة التهجد بالليل، وترك الاتكال على النوم.
وعن أبي هريرة (ض) قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء إذا عملت به دخلتُ الجنة، قال: ((أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام)) ( ).
وعن جابر بن عبدالله (ض2) قال: سمعت النبي (ص) يقول: ((في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضج في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل، وأيقظت زوجها، فإن أبي نضحت في وجهه الماء))( ).
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة (ض2) قالا: قال رسول الله (ص): ((من استيقظ من الليل وأيقظ أهله، فقاما فصلّيا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات)) ( ).
وعن عبد الله بن عمرو (ض2) عن النبي (ص) قال: ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) أن رسول الله (ص) قال: ((القنطار اثنا عشر أوقية، كل أوقيةخيرٌ مما بين السماء والأرض ( ))).
وعن أبي هريرة (ض) أن رسول الله (ص) قال: ((يا عبد الله بن عمرو، لا تكن مثل فلان، كان يقوم اللليل، فترك قيام الليل)) ( ).
نهاري نهار الناس، حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
وعن المغيرة بن شعبة (ض) قال: قام النبي (ص) حتى إذا تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)) ( ).
وعن عائشة (ض1) أن نبي الله (ص) كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة (ض1) لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)). فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فقرأ ثم ركع)) ( ).
وعن عائشة (ض1) قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال رسول الله (ص): ((يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي)). قلتُ: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرّك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فم يزل يبكي حتى بلّ حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؛ لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكرفيها {إن في خلق السماوات والأرض ( ))) الآية كلها} [ سورة آل عمران: 190].
وعن ابن عمر (ض2) قال: ((كان الرجل في حياة النبي (ص) إذا رأي رؤيا قصتها على رسول الله (ص)، فتمنيتُ أن أرى رؤيا، فأقصها على رسول الله (ص)، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله (ص)، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيء البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس عرفتُهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي: لن تُراع. فقصصتها على حفصة؛ فقصّتها حفصة على رسول الله (ص)، فقال: ((نعم العبد عبد الله، لو كان يصلي من الليل)).
فكان (ابن عمر) بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً)) ( ).
رضي الله عن ابن عمر؛ كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته( ).
كان له (ض) مهراس ( ) فيه ماء فيصلي فيه ما قُدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيُغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة ( ).
عن سعيد بن جبير (رح) قال: لمّا احتُضر ابن عمر، قال: ما آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنار يعني الحجاج ( ).
ومن انشرح صدره بقيام الليل أبو رفاعة العدوي تميم بن أسيد (ض).
قال الإمام الذهبي (رح): كان أبو رفاعة ذا تعبد وتهجد ( ).
وكان أبو رفاعة (ض) يقول: ما عزبت عني سورة البقرة منذ علّمنيها رسول الله (ص)، أخذتُ معها ما أخذتُ من القرآن، وما وجع ظهري من قيام الليل قط ( ).
ومنهم عامر بن عبد قيس التميمي، الولي الزاهد،(رح):
قال قتادة: لما احتُضر عامر بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكى جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل)) ( ).
ومنهم مسروق بن الأجدع، أبو عائشة الهمداني، الإمام القدوة (رح):
روى شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال: حجّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه حتى رجع ( ).
وروى أنس بن سيرين، عن امرأة مسروق قالت: كان مسروق يصلي حتى تورّم قدماه، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه ( ).
وقال سعيد بن جبير، قال لي مسروق: ما بقي شيء يُرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب، وما آسي علي شيء، إلا السجود لله تعالى ( ).
ومنهم عروة بن الزبير، الصابر المحتسب (ض) وعن أبيه:
عن ابن شوذب قال: كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله، وكان قد وقع فيها الآكلة فنُشرت)) ( ).
وعن هشام بن عروة ـ رحمهما الله تعالى ـ أن أباه وقعت في رجله الآكلة، فقيل: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم؛ فقالوا نسقيك شرابًا يزول فيه عقلك؟ فقال: امض لشأنك، ما كنت أظن أن خلقًا يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سمعنا له حسًّا؛ فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت، لقد أبقيت، ولئن ابتليت، لقد عافيت، وما ترك جزءه بالقرآن تلك الليلة ( ))).
ومنهم صفوان بن سليم (رح):
قال علي بن المديني (رح) كان صفوان بن سليم يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم)) ( ).
وقال الإمام مالك (رح): كان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقظ بالحرّ والبرد، حتى يصبح، ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم، وإنه لترم رجلاه حتى يعود كالسِّقط من قيام الليل، ويظهر فيه عروق خضر ( ).
وعن أنس بن عياض (رح) قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة)) ( ).
وعن سفيان بن عيينة (رح) قال: حلف صفوان ألا يضع جنبه بالأرض حتى يلقي الله، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين عامًا، فلما حضرته الوفاة، واشتد به النزع وهو جالس؛ فقالت ابنته: يا أبة لو وضعت جنبك، فقال: يا بنية إذًا ما وفيتُ لله بالنذر والحلف فمات، وإنه لجالس.
قال سفيان: فأخبرني الحفّار الذي يحفر قبور أهل المدينة، قال: حفرت قبر رجل؛ فإذا أنا قدو قعتُ على قبر فوافيتُ جمجمة، فإذا السجود قد أثر في عظام الجمجمة، فقلت لإنسان قبر من هذا؟ فقال: أو ما تدري؟ هذا قبل صفوان بن سليم)) ( ).
ومنهم أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها (رح): قال ابنه يونس: كان أبي يقرأ كل ليلة ألف آية ( ).
وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق: يا معشر الشباب اغتنموا يعني: قوتكم وشبابكم قلّما مرّت بي ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر والإثنين والخميس ( ).
ومنهم منصور بن المعتمر السُّلمي، أحد الأعلام (رح):
عن أبي الأحوص (رح) قال: قالت بنت لجار منصور بن المعتمر: يا أبة أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال: يا بنية ذاك منصور، كان يقوم الليل)) ( ).
وقال أبو بكر بن عياش (رح): رحم الله منصورًا، كان صوامًا قوَّامًا( ).
وقال زائدة بن قدامة: إن منصورًا صام أربعين سنة، وقام ليلها، وكان يبكي؛ فتقول له أمه: يا بني؛ قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعتُ بنفسي، فإذا كان الصبح، كحل عينيه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه، وخرج إلى الناس( ).
ومنهم الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام (رح):
قال (رح): من أطال قيام الليل، هوّن الله عليه وقوف يوم القيامة ( ).
قال أبو مسهر (رح): كان يحيى الليل صلاة وقرآنا وبكاء. وأخبرني بعض إخواني ( ) من أهل بيروت، أن أمّه كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مصلاّه، فتجده( ) رطبًا من دموعه في الليل.
وقال الوليد بن مسلم (رح): ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي ( ).
ومنهم البخاري محمد بن إسماعيل، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في زمانه (رح):
قال بكر بن منير (رح): كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضي الصلاة؛ قال: انظروا أيسن آذاني)) ( ).
وقال محمد بن أبي حاتم الوارق: كان أبو عبد الله يصلي في وقت السّحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم. فقلت: أراك تحمل على نفسك، ولم توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك ( ).
* * *
ومن أسباب انشراح الصدر الشجاعة، ((فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له، ولا سرور، ولا لذة له، ولا نعيم، إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأمّا سرور الروح، لذّتها، وابتهاجها، فمحرَّم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودينه، متعلق القلب بغيره، وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضًا وجنة، وذلك الضيق والحصر، ينقلب في القبر عذابًا وسجنًا، فحال العبد في القبر، كحال القلب في الصدر، نعيمًا وعذابًا، وسجنًا وانطلاقًا، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا يضيق صدر هذا العارض، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المعوّل على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه، وحبسه، فهي الميزان، والله المستعان ( ).
((فإن القلب عند الشدائد والأهوال لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاء، وهو كثير في أشعارهم كما قال:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقد نهلت منّي المثقفة السمر
وقال غيره:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
والسُّر في هذا ـ والله أعلم ـ أن عند مصائب الشدائد والأهوال؛ يشتدخوف القلب من فوات أحب الأشياء إليه، وهي حياته التي لم يكن يؤثرها إلاّ لقربه من مح
((واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبد بدنه واستُرق؛ لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأمّا إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقًا مستعبدًا مُتيمًا لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلم لوْ أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، غذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استُعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولوْ أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وأمّا مَن استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس.
فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.
شيخ الإسلام ابن تيمية (رح) الفتاوى الكبرى (5/183).
ألَا عِمْ صباحًا أيها الطلل البالي
وهل يَعِمق مَن كان في العصر الخالي
وهل يَعِمْن إلّا سعيدُ منعذمُ
قليلُ الهموم لا يبت بأوجال
امرؤ القيس
وكلمة حاسد من غير جُرم سمعتُ فقلتُ مُرِّي فانفذينى
وعابوها علي ولم تعبني ولم يندَ لها أبدًا جبيني
حاتم الطائي
الحمد لله رب العالمين القائل {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [ سورة الأنعام: 125].
والقائل: {ألم نشرح لك صدرك (*) ووضعنا عنك وزرك (*) الذي أنقض ظهرك (*) ورفعنا لك ذكرك}.
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين القائل ((تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشر بها نُكتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكتَ فيه نكتة بيضاء، حتى تصبر القلوب على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا، كالكوز مُجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه)) ( ).
وعن ابن مسعود (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ما قال عبدُ قط إذا أصابه همُّ أو حزن: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلّا أذهب الله همّه، وأبدله مكان حزنه فرحًا)). قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمَن سمعهن أن يتعلمهن)) ( ).
وعن ابن عباس (ض2) قال: كان رسول الله (ص) يدعو، فيقول: ((اللهم أعني، ولا تُعن علي، وانصرني، ولا تنصر عليّ، وامكر لي، ولا تمكر عليّ، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك مطواعًا،لك مخبتًا أوَّاهًا منيبًا، ربّ تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتيِ، وثبِّت حجتي، واهد قلبي،وسدّد لساني، واسلل سخيمة قلبي)) ( ).
وهذا موسى عليه الصلاة والسلام يقول: {رب اشرح لي صدري. ويسِّر لي أمري} [سورة طه: 25-26].
فما من إنسان إلا وهو يتمنى أن يعيش منشرح الصدر، مرتاح البال، مطمئن الضمير، سعيد القلب والخاطر؛ ولكن اختلفت طرائق البشر في البحث عن السعادة، وانشراح الصدر؛ فمنهم من بحث عنها في المُلك والرئاسة فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار فرعون الذى قال لقومه {أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات:24] وقال: {ما علمتُ لكم من إله غيري} [سورة القصص: 38].
وبعضهم بحث عنها في المال والدنيا فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار قارون الذي قال {إنما أوتيته على علم عندي} [سورة القصص:78] فكانت النتيجة: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [سورة القصص:81].
وبعضهم بحث عنها في الوزارة والمنصر؛ فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار هامان، الذي شارك فرعون في عتوه وإجرامه وصدّه عن سبيل الله، فقال له فرعون: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (*) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [ سورة القصص 38-39]. فكانت النهاية {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (*) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (*) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [ سورة القصص: 40-42].
وبعضهم بحث عنها في الشهرة، ومخالفة منهج الله، والاستكبار على أوامره، واحتقار عباده المؤمنين، فانحرف عن الصراط المستقيم. وهؤلاء قائدهم إلى النار إبليس الذي قال عن آدم عليه الصلاة والسلام: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ سورة الأعراف 12، وسورة ص76].
وبعضهم بحث عنها في الجاه والحسب والنسب؛ فانحرف عن منهج الله، وهؤلاء قائدهم إلى النار أبو جهل وأبو لهب ومن كان على شاكلتهم من صناديد الكفر.
وهكذا كل من بحث عن انشراح الصدر، وأسباب السعادة ـ بعيدًا عن منهج الله ـ فإنه يكون عليه وبالاً في الدنيا والآخرة. بل يصاب بضيق الصدر، والخوف والهمّ والحزن، كما هو مشاهد معلوم. والله المستعان.
وانشراح الصدر، والسعادة التامة إنما تكون للمؤمنين بالله إيمانًا يقينيًا، والمستقيمين على منهج رسوله (ص) كلُّ بحسب صدقه ومتابعته وإخلاصه، أمّا غيرهم فإن حصل لهم شيء من ذلك فهو أمر عارض لا يلبث أن يزول، كما قال الله جل و علا: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} [سورة الزمر: 22 ].
من أجل هذا وغيره كان هذا الكتاب المبارك.
((فتح الغفور بأسباب انشراح الصدور))
سائلاً الله عز وجل أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يشرح به صدور الخلق لدينه وطاعته، وأن يجعله لي ولوالدي وزوجي وأولادي ذخرًا يوم لقاه، وأن يكون خالصًا لوجهه الكريم.
((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك. ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا. واجعله الوارث منا. واجعل ثأرنا على من ظلمنا. وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا. ولا إلى النار مصيرنا)).
برحمتك يا أرحم الراحمين.
وكتب
أبو حفص بن العربي الأثري
عفا الله عنه
مصر ـ المنصورة ـ السنبلاوين
فصل
في أنواع السعادات
قال شيخ الإسلام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ( ) ـ:
أنواع السعادات التي تُؤثرها النفوس ثلاثة:
1-سعادة خارجية عن ذات الإنسان، بل هي مستعارة له من غيره، تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والجاه، وتوابعهما، فبينا المرء بها سعيدًا، ملحوظًا بالعناية، مرموقًا بالأبصار، إذا أصبح في اليوم الواحد أذلّ من وتدٍ بقاعٍ يُشج رأسه بالحجر، فالسعادة والفرح بهذه كفرح الأقرع بجُمّة ابن عمه !!. والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته، فإذا جاوز بصرك كسوتَه فليس وراء عبّادان قرية.
السعادة الثانية: سعادة في جسمه وبدنه، كصحته، واعتدال مزاجه، وتناسب أعضائه، وحُسن تركيبه، وصفاء لونه، وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته، فإن الإنسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه، كما قيل:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته فأنتَ بالروح لا بالجسم إنسانُ
فنسبة هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه، فإن البدن ـ أيضًا ـ عارية للروح، وآلة لها، ومركب من مراكبها، فسعادتها بصحته، وجماله وحسنه سعادة خارجة عن ذاتها وحقيقتها.
السعادة الثالثة: هي السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسانية روحية قلبية، وهي سعادة العلم النافع ثمرتُه؛ فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دُوره الثلاثة ـ أعني: دار الدنيا ودارالبرزخ ودار القرار ـ وبها يترقى في معارج الفضل ودرجات الكمال.
أما الأولى: فإنها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهُه.
والثانية: فعرضة للزوال والتبدل بنكسِ الخلق والردّ إلى الضعف.
فلا سعادة في الحقيقة إلا في هذه الثالثة، التي كلما طال عليها الأمد ازدادت قوة وعلوًّا، و إذا عدم المال والجاه ـ فهي مال العبد وجاهُه، وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن إذا انقطعت السعادتان الأولتان.
وهذهالسعادة لا يعرف قدرها، ويبعث على طلبها إلا العلم بها، فعادت السعادة كلها إلى العلم وما يقتضيه، والله يوفق من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وأنها لا تُنال إلا على جسر من التعب؛ فإنها لا تُحصّل إلّا بالجدّ المحض، بخلاف الأولتين، فإنهما حظُّ قد يجوزه غير جالبه من ميراث أو هبة أو غير ذلك.
وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية. ومن طمحت همته إلى الأمور العالية فأوجب عليه أن يشد على محبّتَه الطرق الدنية.
وهي السعادة؛ وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكرة والتأذي، فإنها متى أُكرهت النفس عليها، وسبقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها، أفضت منها إلى رياض مؤنَّقة، ومقاعد صدق، ومقام كريم يجد كل لذة دونها كلذّة لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذة الملوك، فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنتُ أرى أن قد تناهى بيَ الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلمّا تلاقيْنا وعاينت حُسها تيقّنت أنّى إنما كنت ألعب
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، ولا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد، روى مسلم في ((صحيحه)) ( ):
عنه يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا ينال العلم براحة الجسد
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
فيا وصل الحبيب أما إليه بغير مشقة أبدًا طريق
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
* * *
فصل
في فطرة الإنسان
على طلب المنافع، ودفع المضار
مما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة وقصدًا وإرادة: العلم بأن كل إنسان، بل كل حيوان إنما يسعى فيما يحصل له اللذة والنعيم،وطيب العيش، ويندفع به عنه أضرار ذلك وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمور:
أحدها: معرفة الشيء النافع للعبد، الملائم له، الذي تحصل له لذاته وفرحه وسروره وطيب عيشه.
الثاني: معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك.
الثالث: سلوك تلك الطريق.
الرابع: معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكد عليه حياته.
الخامس: معرفة الطريق التى إذا سلكها أفضت به إلى ذلك.
السادس: تجنب ذلك.
فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد، وفرحه وسروره، وصلاح حاله إلا باستكمالها، وما نقص منها عليه بسوء حاله، وتنكيد عيشه ( ).
أسباب انشراح الصدور
1-أعظمها، وأصلها، وأساسها توحيد الله عز وجل، وعلى حسب كماله،وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، والعكس بالعكس، فحاجة العباد إلى التوحيد فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق ضرورة؛ إذْ لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، ولا راحة إلا بتوحيد الله ومعرفته، ولا حياة ولا راحة ولا طمأنينة لمشرك أوْ ملحد كما قال الله عز وجل: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [سورة طه: 124]، ولذلك كان الأنبياء ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ أعظم الناس انشراحًا في الصدور، وطمأنينة في القلب،وراحة في البال، مع ما كان يصيبهم من أذى وابتلاء وحن، إلّا أنهم لعظيم توحيدهم، ولعظيم توكلهم على الله عز وجل كانوا أعظم الناس انشراحًا في الصدور.
وقد كانت دعوتهم جميعًا لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال جل في علاه {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [سورة النحل: 36].
فهذا نوح عليه الصلاة والسلام:
{لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (*) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (*) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (*) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (*) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (*) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} [سورة الأعراف: 59-63].
{ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (*) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (*) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (*) قال رب انصرني بما كذبون (*) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (*) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (*) وقل رب أنزلني منـزلا مباركا وأنت خير المنـزلين}[ سور المؤمنون 23-29].
وانظر: سورة هود الآيات (25-48) وسورة نوح.
هود عليه الصلاة والسلام: ـ
{وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (*) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (*) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (*) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (*) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (*) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (*) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (*) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (*) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} [سورة هود 50-58].
إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (*) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (*) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [ سورة الممتحنة 4-6].
{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [سورة البقرة: 258].
{وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (*) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين (*) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (*) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (*) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (*) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (*) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (*) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (*) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (*) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [ سورة الأنعام: 74-83].
وما ينبغي لأحد أن يفهم من هذه الآيات أن نبي الله إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان شاكًّا، حاشا وكلا، بل كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ في مقام المناظرة لقومه، وإقامة الحجة عليهم.
قال الإمام ابن كثير (رح) في تفسيره (6/97-98 ط مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ): والحق أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل. انتهى.
{ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (*) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (*) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (*) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (*) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (*) قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (*) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (*) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (*) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (*) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (*) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (*) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (*) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (*) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (*) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (*) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولايضركم (*) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (*) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (*) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (*) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 51-70].
إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما الصلاة والسلام: ـ
{فبشرناه بغلام حليم (*) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (*) فلما أسلما وتله للجبين (*) وناديناه أن يا إبراهيم (*) قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين (*) إن هذا لهو البلاء المبين (*) وفديناه بذبح عظيم (*) وتركنا عليه في الآخرين (*) سلام على إبراهيم (*) كذلك نجزي المحسنين (*) إنه من عبادنا المؤمنين} [ سورة الصافات: 101-111].
ويعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (*) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (*) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (*) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [سورة البقرة: 130-133].
شعيب ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (*) ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (*) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (*) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين (*) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (*) وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (*) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ [ سورة هود: 84-94].
موسى ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
{اذهب إلى فرعون إنه طغى (*) قال رب اشرح لي صدري (*) ويسر لي أمري (*) واحلل عقدة من لساني (*) يفقهوا قولي (*) واجعل لي وزيرا من أهلي (*) هرون أخي (*) اشدد به أزري (*) وأشركه في أمري (*) كي نسبحك كثيرا (*) ونذكرك كثيرا (*) إنك كنت بنا بصيرا}[ سورة طه: 24-35].
{ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (*) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (*) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (*) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (*) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (*) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (*) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (*) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (*) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (*) يأتوك بكل ساحر عليم (*) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (*) قال نعم وإنكم لمن المقربين (*) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (*) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (*) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (*) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (*) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (*) وألقي السحرة ساجدين (*) قالوا آمنا برب العالمين (*) رب موسى وهارون (*) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (*) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (*) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (*) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (*) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (*) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (*) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [سورة الأعراف: 103-129].
بل رأى البحر أمامه، والعدو خلفه، فقال {كلا إن معي ربي سيهدين} [سورة الشعراء: 62] فأنجاه الله عز وجل.
المسيح عيسى ـ عليه الصلاة والسلام: ـ
{إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (*) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (*) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (*) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [سورة المائدة: 116-118]
إمام الأنبياء، وسيد المتقين، مسك الختام محمد (ص):
{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [ سورة التوبة: 40].
عن أنس بن مالك (ض) أن أبا بكر (ض) حدّثه؛ قال: نظرتُ إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أنأحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: ((يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) ( ) !!.
{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (*) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [سورة آل عمران: 173-174].
وعن ابن عباس (ض2) قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد (ص) حين قالوا: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) ( ).
وعن جابر بن عبد الله (ض2) أنه غزا مع رسول الله (ص) غزوة قبل نجد، فأدركتهم القائلة يومًا في وادٍ كثير العضاه [ الشجر الكبير الذي له شوك ] فنزل رسول الله (ص) وتفرق الناس في العضاه يستظلون في الشجر، ونزل رسول الله (ص) تحت شجرة فعلّق سيفه بها، فقال رسول الله (ص) لرجل عنده ((إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده، فقال لي: مَن يمنعك مني؟ فقلت له: الله. قال: مَن يمنعك منى؟ قلت: الله ـ ثلاثًا ـ، فشاق السيف [ردّه في غمده ] وجلس، فهو هذا جالس)) ثم لم يعاقبه)) ( ).
قال العلاّمة ابن القيم ( ) (رح):
الخوف دائمًا مع الشرك، والأ من دائمًا مع التوحيد؛ قال تعالى ـ حكاية عند خليله إبراهيم [ عليه الصلاة والسلام ] أنه قال في محاجّته لقومه ـ {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [سورة الأنعام 81] فحكم الله عز وجل بين الفريقين بحكم، فقال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [سورة الأنعام 82].
وقد صح عن رسول الله (ص) تفسير الظلم فيها بالشرك، وقال: {ألم تسمعوا قول العبد الصالح. إن الشرك لظلم عظيم ( )} [سورة لقمان 13].
فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخلوف ولذلك من خاف شيئًا غير الله سُلّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف الله دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه، وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه؛ وكذلك من رجا شيئًا غير الله حُرم ما رجاه منه، وكان رجاؤه غير الله من أقوى أسباب حرمانه، فإذا رجا الله وحده كان توحيد رجائه أقوى أسباب الفوز به أو بنظيره، أو بما هو أنفع له منه)). انتهى.
وقال (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (3/355):
وهذا فعل أولي العزم والقوة من المؤمنين الذين صحّ توكلهم على الله، واطمأنت قلوبهم إلى ربهم، ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلّا وعلموا أنه لابد وأن يصيروا إلى ما كتبه وقدّره، ولابد أن يجري عليهم، وأن تطيرهم لايرد قضاءه وقدره عنهم، بل قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاء والقدر فيعينون على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم، فطائرهم معهم. وأما المتوكلون على الله المفوضون غليه العالمون به وبأمره: فنفوسهم أشرف من ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عُدة لهم، وقوة، وجُنة مما يتطير به المتطيرون، ويتشاءم به المتشائمون، عالمون أنه لا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولا إله غيره، ألا له الخلق والأمر، تبارك اله رب العالمين.
وقال (رح) في ((مدارج السالكين))(2/336):
مشهد التوحيد، وهو أجل المشاهد وأرفعها. فغذا امتلأ قلبه بمحبة الله، والإخلاص له ومعاملته، وإيثار مرضاته،والتقرب إليه، وقرة العين به، والأنس به، فوّض إليه أموره كلها، ورضي به وبأقضيته، وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره، والتوكل عليه عن كل ما سواه؛ فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة؛ فضلاً عن أن يشتغل قلبه وفكره وسرّه بتطلب الانتقام والمقابلة؛ فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه، فهو قلب جائع غير شبعان، فإذا رأى أيّ طعام رآه هفَتْ إليه نوازعه، وانبعث إليه دواعيه، وأمّا من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها؛ فإنه لا يلتفت إلى ما دونها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. انتهى.
وعن ابن عباس (ض2) قال: كنت خلف رسول الله (ص) يومًا، فقال: ((يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف)) ( ).
فقضاء الله نافذ لا محال؛ على مَن يقبله ومن يرفضه، لكنهما لا يستويان، فهذا يؤجر ويسعد، وهذا يأثم ويشقى.
فارض عن ربك ـ أيها العبد ـ واعلم أن كل شيء بقدر.
وعن العباس بن عبد المطلب (ض) أن النبي (ص) قال: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد (ص) نبيًّا)) ( ).
قال ابن القيم (رح) في ((مدارج السالكين)) (1/463):
الغاية التي شمَّر إليها السالكون، وأمَّها القاصدون، ولحظ إليها العاملون هي العبودية والمحبة، والشوق إلى لقائه، والابتهاج به، والفرح والسرور به، فتقرّ عينه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه جوارحه، ويستولى ذكره على لسان محبه وقلبه، فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية، وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته، مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركات اللسان والجوارح بالطاعات، مكان حركاته بالمعاصي.
وقال (رح) في ((المدارج ـ أيضًا ـ (3/6-7):
منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرْح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظهر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلاّ بشق الأنفس بالغير، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها،وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها. انتهى.
((فصاحب هذه الحالة مستريح النفس، ساكن البال، مجتمع الشمل، فارغ القلب من تعب الدنيا، متوحد الوجهة، فهو بذلك طيب المحيا، مجازى في الآخرة، قال تعالى:{مَن عمل صالحًا مِن ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة})) ( ) [ سورة النحل: 97]
وقال ابن القيم (رح) في ((زاد المعاد)) (2/23-24):
الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه والتنعم بعبادته، فلا شيء، اشرح لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحيانًا إني إذا كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذن لفي عيش طيب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب لا يعرفه إلاّ مَن حسَّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قذى عينه، ومخالطتهم حمى روحه.
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره ومحبة سواه، فإن من أحب شيئًا غير الله عُذّب به، وسُجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكثف بالا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا، فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح، وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده بكل القلب، وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه. ومحبة هي عذاب الروح، وغمّ النفس،وسجن القلب، وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه.
وقال (رح) في كتابه المبارك ((الداء والدواء)) ص(317ط المدني):
وهذه المحبة (أي محبة الله عز وجل)) هي التي تنوّر الوجه، وتشرح الصدر، وتحي القلب، وكذلك محبة كلام اله، فإنه من علامة محبة الله.
وقال ابن القيم (رح) في طريق الهجرتين)) ص(54 ط السلفية):
العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه، وأنسه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه.
وقال (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(45ط السلفية):
فمحبة الله تعالى ومعرفته، ودوام ذكره، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم،وهو قرة عين المحبين، وحياة العارفين، وإنما تقرّعيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، فمن قرّت عينه بالله قرّت به كل عين،ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. انتهى.
وصدق سيد الخلق (ص) إذْ قال ((ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) ( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (رح) في ((مجموع الفتاوى)) (10/213):
وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حبُّ لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك. وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل.
ثم قال (رح) (10/215) وفي ((الفتاوى الكبرى)) (5/203):
فإن المخلص لله ذاق من حلاوة وعبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلالوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاصه الدين له،وذلك يقتضى انجذاب القلب إلى الله؛ فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا راهبًا.
ويقول (رح) كما في ((الفتاوى الكبرى)) (5/188):
فكلما ازداد القلب حبًّا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحرية عما سواه.
وقد فقُه هذه الحقيقة هرقل ملك الروم، عندما قال مخاطبًا أبا سفيان بن حرب (ض) وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرتَ أنْ لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أنّ ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك أيرتد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ( ).
بل الإيمان اليقيني ي، والعمل الصالح، والإخلاص والصدق يحرك الصخر:
عن ابن عمر (ض2) قال: قال رسول الله (ص) ((بينما ثلاثة نفر يتماشون، أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرّجها.
فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحتُ عليهم فحلبتُ بدأتُ بوالديّ أسقيهما قبل ولدي، وإنه نأى بي الشجرُ فما أتيتُ حتى أمسيت، فوجدتهما قدْ ناما فحلبتُ كما كنت ُ أحلب، فجئتُ بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أن بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء.
وقال الثاني: اللهم إنه كان لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجالُ النساء، فطلبتُ إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمئة دينار، فسعيتُ حتى جمعتُ مئة دينار فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها؛ قالت: يا عبد الله، اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، اللهم فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها. ففرَج لهم فرجة.
وقال الآخر: اللهم إني كنتُ استأجرتُ أجيرًا بفرق أرز، فلما قضى عمله، قال: أعطني حقي، فعرضتُ عليه حقه فتركه، ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا وراعيها، فجاءني، فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقى، فقلت: اذهب إلى تلك البقر وراعيها، فقال: اتق الله ولا تهزأ بي، فقلت: إني لا أهزأ بك، فخذ تلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق. فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج ما بقي، ففرّج الله عنهم)) ( ).
بل يجعل الإنسان المؤمن في غاية انشراح الصدر وراحة القلب وهو يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله عز وجل:
عن أنس (ض) قال: انطلق رسول الله (ص) وأصحابه، حتى سبقوا المشركين إلى بدر،وجاء المشركون فقال رسول الله (ص): ((لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه))، فدنا المشركون، فقال رسول الله (ص): ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض))، قال: يقول عُمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله !! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله (ص): ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرّنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل)) ( ).
وعن جابر بن عبد الله (ض2) قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلتُ؟ قال: في الجنة)). فألقى ترمات كنّ في يده، ثم قاتل حتى قتل)) ( ).
وعن البراء بن عازب (ض2) قال أتى النبي (ص) رجل مقنّع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسْلمْ ثم قاتل)). فاسلَم ثم قاتل فقُتل، فقال رسول الله (ص): ((عمل قليلاً وأُجر كثيرًا)) ( ).
وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي (ض) وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله (ص) إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف))، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى ! أنت سمعتَ رسول الله (ص) يقول هذا؟ قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل)) ( ).
وعن أنس بن مالك (ض) قال: جاء ناس إلى النبي (ص) فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونًا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم القرّاء، فيهم خالى حَرام، يقرءون القرآن، ويتدأرسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي (ص) إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلّغ عنّا نبينا، أنّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيتَ عنا، قال: وأتى رجلٌ حرامًا ـ خال أنس ـ من خلفه؛ فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حَرام: فزتُ، ورب الكعبة !! فقال رسول الله (ص) لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبينا، أنّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيتَ عنّا)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: بعث رسول الله (ص) عشرةً عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى إذا كانوا بالهدة بين عُسفان ومكة، ذُكر والحيٍّ من هُذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما حسّ بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم. فقالوا لهم: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أمّا أنا، فلا أنزل في ذمة كافر. ثم قال:اللهم أخبر عنا نبيك (ص) فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا. ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق. منهم خبيب (ابن عدي)، وزيد بن الدَّثنة، ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسبهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة ـ يريد القتلى ـ فجرّروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم.
فانطُلق بخبيب وزيد بن الدّثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر ابن نوفل خُبيبًا ـ وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر ـ فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها فأعارته، فدرج بنيُّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجلسه على فخذه والموسى بيده قالت: ففرعتُ فزعة عرفها خُبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيتُ أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين؛ فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:
فلستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سِرْوعة عقبة بن الحارث، فقتله، وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر ـ يعني النبي (ص) ـ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش غلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف ـ وكان قتل رجلاً عظيمًا من عظمائهم ـ فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدَّبْر فحمتْه من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوه منه شيئًا)) ( ).
وهكذا يبذل أهل الإيمان ـ في كل عصر وفي كل مكان ـ نفوسهم ودماءهم رخيصة في سبيل الله عز وجل منشرحة صدورهم، مطمئنة قلوبهم، مرتاحة ضمائرهم، لا يبالون بكيد الكائدين، ولا مكر الماكرين، ولا ظلم الظالمين.
فلا أعظم من التوحيد والإيمان بالله في شرح الصدور، وإراحة القلوب والله المستعان وعليه التكلأن.
ومن أسباب انشراح الصدور: ذكر الله تعالى على كل حال وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه)) ( ).
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((روضةالمحبين)) ص(227):
كثرة ذكر المحبوب، واللهج بذكره وحديثه، فمَن أحبّ شيئًا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه، ولهذا أمر الله سبحانه ـ عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون، فقال تعالى ((يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون)) [سورة الأنفال: 45].
والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال الشاعر [ عنترة]:
ولقد ذكرتُك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها برقتْ كبارق ثغركِ المتبسم
((والذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حالالسمك إذا فارق الماء؟ ( ))).
((وقد جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، فمَن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره، فإنه الدرس والمذاكرة، كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم)) ( ).
قال الله جل وعلا واصفًا المؤمنين المتقين: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [سورة الرعد 28].
وقال سبحانه وتعالى:{الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشوْن ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فمال ه من هاد} [سورة الزمر: 23].
وقد أنكر الله عز وجل على من لم ينشرح صدره، ويخشع قلبه بذكر الله فقال سبحانه: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} [ سورة الحديد: 16].
بل توعّد مَن قسا قلبه بالويل فقال عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين}[ سورة الزمر 22 ].
وتوعد المعرض عن ذكره وعبادته بالعذاب فقال سبحانه: {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابًا صعدًا} [سورة الجن 17].
وجعلهم من إخوة الشياطين وقرنائهم فقال عز وجل: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين} [ سورة الزخرف 36].
والذين يصدون العباد عن ذكر الله هم الشياطين كما قال جل في علاه {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [ سورة المائدة: 91].
وقال عز وجل: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} [ سورة المجادلة 19].
بل جعل الغافل عن الذكر من الخاسرين فقال سبحانه: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللهومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [سورة المنافقون: 9].
قال الحافظ ابن كثير (رح) في ((تفسيره)) (4/373):
يقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيًا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرًا لهم بأنه من التلهي بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة)) ا هـ.
وجعل الله الذكر من صفات المؤمنين أهل الجنة فقال سبحانه: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} سورة الأحزاب: 35].
وقال عز من قائل: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} [سورة الزمر 23].
وقال جل وعلا: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (*) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [ سورة الحج: 34-35].
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة (ض2) قالا: قال رسول الله (ص): ((ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) ( ).
وعن أي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله،ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)) ( ).
وعن أبي هريرة قال:قال رسول الله (ص): (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: او رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.)) ( ).
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(38):
((ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدأ، فإذا ذكر جلآه)).
وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب،وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.
وقال (رح) في ((الوابل الصيب)) ص(44-45):
((ولوْ لم يكن إلا ما يجازى به المحسن من انشراح صدره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل،وطاعته، وذكره، وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه، وما يجازي به المسيء من ضيق الصدر، وقسوة القلب،وتشتته، وظلمته، وحزازته، وغمه وهمه، وحزنه وخوفه، وهذا أمرٌ لا يكاد من له أدنى حس وحياة يرتاب فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة، ونار دنيوية،وجهنم حاضرة، والإقبال على الله تعالى، والإنابة غليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل، وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي ـ مرةً ـ ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري،إن رحتُ فهي معي لا تفارقني. إنّ حبْسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلتُ ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسبّبوا لي فيه من الخير. ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده ـ وهو محبوس ـ ((اللهم أعنيّ على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). ما شاء الله.
وقال لي ـ مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولمّا دخل القلعة، وصار إلى داخل سورها نظر إليه وقال {فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [سورة الحديد 13].
وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوف، وساءت منّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ً ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وقال آخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وماذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. انتهى كلام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى.
وتدبّر معي ـ رحمني الله وإياك أدعية الكرب والغم والحزن والهمّ:
عن ابن عباس أن رسول الله (ص) كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش الكريم)). ( ).
وعن سعد بن أبي وقاص (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((دعوة ذي النون التى دعا بها في بطن الحوت ((لا إله إلا الله أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين))، لم يدع بها مسلم في كربة إلا استجاب الله له)) ( ).
وعن أسماء بنت عميس (ض1) قالت: علّمني رسول الله (ص) كلمات أقولها عند الكرب: ((الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا)) ( ).
وعن ابن مسعود (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ما قال عبدٌ قط، إذا أصابه همُّ أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ما ضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلاّ أذهب الله همَّه، وأبدله مكان حزنه فرحًا)) قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمَن سمعنّ أن يتعلمهن)) ( ).
وتقكر في مدح النبي (ص) لأهل الذكر:
فعن أبي هريرة (ض) قال: كان رسول الله (ص) يسير في طريق مكة، فمرّ على جبل يقال له: جُمدان، فقال: سيروا هذا جُمدان، سبق المفرِّدون، سبق المفرِّدون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات)) ( ).
وتفكر في حال من شرح الله صدورهم للذكر وبالذكر، فمنهم:
أبو مسلم الخولاني (رح) فقد كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون)) ( ).
وعن لقمان بن عامر عن أبي مسلم الخولاني: أن رجلاً أتاه فقال له: أوصيني يا أبا مسلم، قال: اذكر الله تحت كل شجرة وحجر، فقال: زدني، قال: اذكر الله حتى يحسبك الناس ـ من ذكر الله ـ مجنونًا، قال: فكان أبو مسلم يكثر ذكر الله عز وجل، فرآه رجل يذكر الله ـ عز وجل ـ؛ فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون)) ( ).
ورحم الله أبا مسلم الخولاني حيث يقول: لو رأيتُ الجنة عيانًا ما كان عندي مستزاد، ولو رأيتُ النار عيانًا ما كان عندي مستزاد)) ( ).
ومنهم: حسان بن عطية الدمشقي ـ رحمه الله تعالى: ـ
قال الإمام الأوزاعي (رح): كان حسان بن عطية إذا صلَّي العصر، يذكر الله تعالى في المسجد حتى تغيب الشمس)) ( ).
وقال الإمام الأوزاعي (رح): ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل من حسان بن عطية)) ( ).
ومنهم: خالد بن معدان الكلاعي الحمصي:
من سلمة بن شبيب قال: كان خالد بن معدان يسبّح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن؛ فلما مات، فوضع على سريره ليُغسّل، جعل بأصبعه كذا يحرّكها ـ يعنى ـ بالذكر. ( ).
وعن عمر بن جُعثم قال: كان خالد بن معدان إذا قعد لم يقدر أحد منهم يذكر الدنيا عنده هيبة له)) ( ).
ومنهم: عمير بن هانئ العبسي:
قال له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أراك لا تفتر عن الذكر فكم تسبّح؟ قال: مئة ألف إلاّ أن تخطئ الأصابع. ( ).
ومنهم: أحمد بن حرب النيسابوري:
قال زكريا بن دلَّوَيه: كان أحمد بن حرب إذا جلس بين يدي الحّام ليُحفي شاربه، يسبّح، فيقول له الحجّام: اسكت ساعة، فيقول: اعمل أنت عملك، وربما قطع من شفته، وهو لا يعلم ( ).
ومنهم: أبو الحسن الباهلي البصري:
كان من شدة اشتغاله بالله مثل مجنون أوْ واله ( ).
ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (رح):
قال (رح): الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ( ).
وقال العلامة ابن القيم (رح): وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ، وقال: هذه غدوتي، ولوْ لم أتغد الغداء سقطت قوتي.
أوْ كلامًا قريبًا من هذا.
وقال لي ـ مرة ـ: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر. آخر. أو كلامًا هذا معناه. ( ).
ومنهم ـ سماحة شيخنا العلامة ـ عبد العزيز عبد الله بن باز (رح): فقد رأى منه الناس العجب العجاب من ولعه بالذكر، وجاء (رح) بما يثلج الصدور، ويريح الأفئدة، وقد علم ذلك منه القاضى والداني، وسارت به الركبان ـ فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ـ.
وأختم بما قاله العلامة ابن القيم (رح) في كتابه ((مدارج السالكين (2/440-441):
منزله الذكر: وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون. والذكر منشور الولاية، الذي من أُعطيه اتصل، ومن منعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانًا فننتكس
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات. وتهون عليهم المصيبات إذا أظلّهم البلاء؛ فإليه ملجؤهم. وإذا نزلت بهم النوازل، فإليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون. ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدّعُ القلب الحزين ضاحًا مسرورًا. ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدَعُ الذاكر مذكورًا.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة و((الذكر)) عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة. بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان، وهو غراسها، فكذلك القلوب بورخراب، وهو عمارتها وأساسها.
وهو جلاء القلوب وصقالها. دواؤها إذا غشيها اعتلالها. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا. وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء. وحفظ الله عليه كل شيء. وكان له عوضًا من كل شيء. به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار.
زيّن الله به ألسنة الذاكرين. كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل: كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء.
قال الحسن البصري (رح): تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن. فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.
وبالذكر يصرعُ العبدُ الشيطان. كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. وهو روح الأعمال الصالحة. فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. والله أعلم.
ومن أسباب انشراح الصدر اتباع النبي (ص)؛ فإتباع النبي (ص) صدقًا؛ هم أشرح الناس صدرًا، وأهنؤهم عيشًا، وأسعدهم حياة، وأثبتهم قلبًا،وأسلمهم ضميرًا، ولو أصابهم من المحن والابتلاءات ما أصابهم، والسبب في ذلك:
((أن رسول الله (ص) كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة، وقرة العين، مع ما خص به من الشرح الحسّي، وأكمل الخلق متابعة له، أكملهم انشراحًا ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال، فهو (ص) في ذروة الكمال من شرح الصدر، ورفع الذكر، ووضع الوزر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباع، والله المستعان.
وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم، بسحب نصيبهم من المتابعة، فمستقل، ومستكثر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه)) ( ).
قال جل وعلا: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)) [سورة آل عمران: 31، 32].
وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلّموا تسليمًا} [سورة النساء: 65].
قال العلام ابن القيم (رح) في ((الرسالة التبوكية)) ص(25ط المدني):
فأقسم سبحانه بأجل مقسم به ـ وهو نفسه عز وجل ـ على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يحّكموا رسول الله (ص) في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.. ولم يقتصر على هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه،حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا ـ وهو الضيق والحصر ـ من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم؛ لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر. ومتى أراد العبد أنيعلم هذا فلنظر في حاله، ويطالعه في قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلّد فيه أسلافه من المسائل الكبرى وما دونها {بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره} [سورة القيامة 14، 15]. انتهى.
وقال عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (*) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [ سورة الأعراف: 156، 157].
ويقول سبحانه: {وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [سورة النور:54].
وعن أنس بن مالك (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى)) قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: ((من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) ( ).
ورسول الله (ص) أحبه كل شيء، واطمأن بقربه، حتى الجمادات، فهذا الجذع الذي كان يخطب عليه (ص) ثم إنه لما اتخذ المنبر حنَّ الجذع إليه عليه الصلاة والسلام وبكى. ( )
وكان الحسن البصري (رح) إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين، الخشبة تحنّ إلى رسول الله (ص) شوقًا إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه ( ).
أي والله الذي لا إله غيره، نحن أق بالشوق إلى النبي (ص) من هذا الجذع، وما أعظم إتباعه (ص) فهو طريق ينير القلب، ويشرح الصدر، ويريح الضمير، ويجعل الحياة آمنة مطمئنة، ولو وجد فيها ما ينغصها من الآلام والابتلاءات والمحن.
ونظرة إلى حياة سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ من الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان توضح. ذلك غاية الوضوح، وتؤكده غاية التأكيد.
((فطاعة الرسول (ص) فيما أمرنا به هو الأصل الذي على كل مسلم أن يعتمده، وهو سبب السعادة، كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة)) ( ).
((فالحاجة إلى الرسل ضرورية، بل هي فوق كل حاجة، فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، ولهذا يذكِّر سبحانه عبادَهْ نعمه عليهم برسوله، ويعد ذلك عليهم من أعظم المنن لشدة حاجتهم إليه، ولتوقف مصالحهم الجزئية والكلية علية، وأنه لا سعادة لهم، ولا فلاح، ولا قيام إلا بالرسل.
فلولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة،ولا عمل صالح،ولا صلاح في معيشة، ولا قوام لمملكة، ولكان الناس بمنزلة البهائم والسابع السادية، واكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض)) ( ).
((وبالجملة؛ فحاجة العالم إلى النبوة أعظم من حاجتهم إلى نور الشمس، وأعظم من حاجتهم إلى الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه)) ( ).
((فرأس الأدب مع النبي (ص): كمال التسليم له،والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة خيال باطل، يسميه معقولاً، أو يحمّله شبهة أو شكًّا، أو يقدم عليه آراء الرجال، وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان. كما وحّد الرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع، والذل، والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان. لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل. وتوحيد متابعة الرسول. فلا يحاكم إلى غيره. ولا يرضي بحكم غيره. ولا يقف تنفيذ أمره. وتصديق خبره، على عرضه على قول شيخه وإمامه، وذوي مذهبه وطائفته، ومن يعظمه؛ فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره)) ( ) !!.
((ومن الأدب مع الرسول (ص): أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف. حتى يأمر هو، وينهي ويأذن، كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [سورة الحجرات: آية1] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته؛ كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.
ومن الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته. فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟ أترى ذلك موجبًا لقبول الأعمال، ورفع الصوت فوق صوته موجب لحبوطها)) ( ).
((ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله. بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس. بل تهدر الأقية وتلقى لنصوصه. ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول. ولا يوقف قبول ما جاء به (ص) على موافقة أحد. فكل هذا من قلة الأدب معه (ص). وهو عين الجرأة)) ( ).
فبالله عليكم كم من رقاب قطعت، وكم رؤوس تطايرت،وكم من أشلاء مزقت، وكم منس جون فتحت، وكم من معتقلات بُنيت، وكم من نساء رُملتْ، وكم من أطفال يتمت، وكم من مصائب وهموم وآلام تراكمت؟ مع صبر ورضا من أوليائه (ص).
كل ذلك وأكثر منه في محبة النبي (ص) ومحبة دينه !!!
وأعظم الناس اتباعًا للنبي (ص) ومحبة هو الصديق الأكبر أبو بكر (ض):
عن أبي هريرة (ض) قال: لما تُوفي رسول الله (ص) واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب. قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله (ص) ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه،وحسابه على الله)) فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ بين من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله، ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صد أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ( ).
عن عائشة (ض1) أن فاطمة عليها السلام، ابنة رسول الله (ص) سألت أبا بكر الصديق (ض) بعد وفاة رسول الله (ص): أن يقسم لها ميراثها، مما ترك رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر (ض): إن رسول الله (ص) قال: ((لا نورث، وما تركنا صدقة))، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرتْ أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت،وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر.
قالت: وكنت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى بكر عليها ذلك، وقال: لستُ تاركًا شيئًا كان رسول الله (ص) يعمل به إلا عملتُ به؛ فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس. وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال هما صدقة رسول الله (ص)، كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرُهما إلى من ولي الأمر، قال [ أي الزهري ]: فهما على ذلك إلى اليوم)) ( ).
ومنهم الفاروق عمر (ض):
عن عمر بن الخطاب (ض) أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبّلك ما قبلتك. ثم قال: فما لنا وللرمل، إنّما كنّا راءينا به المشركين، وقد أهلكم الله، ثم قال شيء صنعه النبي (ص) فلا نحب أن نتركه)) ( ). والرقل: الهرولة. أي أثناء الطواف حول الكعبة.
وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله، وغيرهما كلّموا عمر (ض) فقالوا: لو أكلتَ طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمتُ نصحكم ولكنّي تركت صاحبيَّ على جادة، فإن تركتُ جادتهما لم أدركهما في المنزل. ( )
عن حذيفة بن اليمان (ض2) قال: كنا جلوسًا عند عمر (ض) فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله (ص) في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه لجرئ، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرّها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقًا، قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يغلق أبدًا، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما دون الغد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط.
فهبْنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر ( ).
وعن مالك بن أوس بن الحدثان النّصْري (رح) أن عمر بن الخطاب (ض) دعاه؛ إذ جاءه حاجبه يَرْفأ؛ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزّبير وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم؛ فأدخلَهم، فلبث قليلاً ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بينى وبين هذا،وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله ص من بني النضير، فاستبّ عليُّ وعباس، فقال الرهط، يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر؛ فقال عمر اتّئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض،هل تعلمون أن رسول الله (ص) قال ((لا نورث ما تركنا صدقةٌ)). يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على عباس وعلي فقال: أنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله (ص) قد قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله سبحانه كان خصّ رسوله (ص) في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدً غيره، فقال جل ذكره {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوْجفتم عليه من خيل ولا رِكاب ـ إلى قوله ـ قدير} [سورة الحشر 6] فكانت هذه خالصة لرسول الله (ص)، ثم والله ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها مجمل مال الله، فعمل ذلك رسول الله (ص) حياته ثم توفي النبي (ص) فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله (ص)، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول الله (ص)، وأنتم حيئذ، فأقبل على عليّ وعباس وقال: تذكران أن أبا بكر فيه كما تقولان، والله يعلم: إنه فيه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر، فقلتُ: أنا ولي رسول الله (ص) وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول الله (ص) وأبو بكر، والله يعلم: أني فيه صادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني ـ يعني عباسًا ـ فقلت لكما: إن رسول الله (ص) قال ((لا نورث، ما تركنا صدقة)). فلما بدالي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتُه إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه؛ لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله (ص) وأبو بكر وما عملتُ فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، افتلتمسان مني قضاء غير ذلك؛ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض؛ لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعاه إليّ فأنا أكفيكماه)) ( ).
ومنهم علي بن أبي طالب أبو الحسن (ض):
عن مروان ابن الحكم (رح) قال: شهدتُ عثمان وعليًّا (ض2) وعثمان ينهى عن المتعة (أي التمتع بالعمرة مع الحج) وأن يجمع بينهما؛ فلما رأى ذلك عليُّ أهلّ بهما جميعًا؛ فقال: ليبك بحجة وعمرة معًا، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شيء، وأنت تفعله ! فقال عليّ: ما كنت لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد من الناس)) ( ).
وعن علي (ض) قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه)) ( ).
ومنهم حذيفة بن اليمان (ض2):
قال: (ض) ((يا معشر القرّاء استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا)) ( ).
ومنهم عبد الله بن مسعود (ض)
قال (ض): ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)) ( ).
وقال (ض): ((القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة)) ( ).
وعن عمرو بن ميمون الأودي (رح) قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولُ رسول الله (ص) فأُلقيت عليه محبّتي، فما فارقته حتى حثوتُ عليه التراب بالشام ميتًا (رح) ثم نظرتُ غلى أفقه الناس بعده، فأتيتُ عبد الله بن مسعود فقال لي: كيف أنت إذا أتتْ عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير وقتها؟ فقلتُ: ما تأمرني إن أدركني ذلك. قال: صل الصلاة لوقتها، واجعل ذلك معهم سُبحة. فقلت له: وكيف لنا بالجماعة؟ قال: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة، إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنتَ وحدك)) ( ).
ومنهم عبد الله بن عباس (ض2):
عن عثمان بن حاضر الأزدي (رح) قال: دخلت علىابن عباس فقلت: أوصيني؛ فقال: نعمَ عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع ( ).
عن ابن أبي مُليكه (رح) أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللت الناس قال: وما ذاك يا عُريّة؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر، وليست فيهن عمرة: فقال: أولا تسأل أمك عن ذلك؟ فقال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك. فقال ابن عباس: هذا الذي أهلككم، والله ما أرى إلا سيعذبكم، إني أحدثكم عن النبي (ص) وتجيئوني بأبي بكر وعمر. فقال عروة: هما والله كانا أعلما بسنة رسول الله (ص) وأتبع لها منك.
قال الخطيب البغدادي: قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما به عروة إلا أنه لا ينبغي أن يقلد أحد في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله (ص))) ( ).
ومنهم: عبد الله بن عمر (ض2):ـ
أشد الناس اتباعًا لآثار النبي (ص):
قال نافع مولى ابن عمر: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع رسول الله (ص) لقلت: هذا مجنون ( ).
عن ابن عمر (ض2) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها)).
فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن. فأقبل عليه عبد الله بن عمر فسبّه سبًّا سيئًا، قال سالم: ما سمعته سبّه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله (ص)، وتقول: والله لنمنعهن ( ).
ومنهم سهل بن حُنيف (ض):
قال (ض): أيها الناس اتهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله (ص) يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: ((بلى)). قال: فعلام نعطي الدّنية في ديننا، أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطّاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا)). فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي (ص) فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله (ص) على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم.
وفي رواية: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أردّ أمر النبي (ص) لرددته)) ( ).
وهذا الحديث فيه فضيلة ـ أيضًا ـ لأبي بكر (ض) وعظيم اتباعه للنبي (ص).
ومنهم: عبد الله بن مغفّل (ض):
عن عبد الله بن بُريدة وعن سعيد بن جبير أن عبد الله بن مغفل (ض) أنه رأى رجلاً يحذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله (ص) نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال: ((إنه لا يُصاد به صيد، ولا يُنكى به عدو)) ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين)). ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدّثك عن رسول الله (ص) أنه نهى عن الخذف أوْكره الخذف، وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا)) ( ).
ومنهم: عمران بن حصين (ض2):
عن عمران بن حصين (ض2) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) وفي رواية ((الحياء خير كله)). فقال بشير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: أن منه وقارًا ومنه سكينة، ومنه ضعفًا، فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: أحدثك عن رسول الله (ص) وتحدثنى عن صحفك)) ( ).
ومنهم: أيوب بن أبي تميمة السختياني ـ إمام أهل البصرة في زمانه (رح): قال سلام بن أبي مطيع: رأي أيوب رجلاً من أصحاب الأهواء فقال: إني لأعرف الذلة في وجهه،ثم تلا {سينالهم غضب من ربهم وذلة} [سورة الأعراف:152] ثم قال: هذه لكل مفتر. وكان يسمي أصحاب الأهواء خوارج، ويقول: إن الخوارج اختلفوا في الاسم، واجتمعوا على السيف.
وقال له رجل من أصحاب الأهواء: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولّى، وهو يقول: ولا نصف كلمة. مرتين ( ).
ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (رح).
قال قتيبة بن سعيد (رح): أحمد بن حنبل إمام الدنيا ( ).
وقال قتيبة بن سعيد وأبو حاتم الرازي (رح) عليهما ـ: ((إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة)) ( ).
وقال أبو جعفر محمد بن هارون المخزمي: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فأعلم أنه مبتدع ضال ( ).
وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي الصيداوي المعروف بأبي بكر الأسدي: لمّا حمل أحمد بن حنبل ليضرب، جاءوا إلى بشر بن الحارث فقالوا له: قد حمل أحمد بن حنبل، وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم، فقال: تريدون مني مقام الأنبياء؟ ليس ذا عندي، حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه ( ).
ومنهم: شيخ أهل السنة في عصره الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البر بهاري (رح) قال أبو عبد الله الفقيه: إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البر بهاري فاعلم أنه صاحب سنة)) ( ).
وقال البر بهاري (رح): ((مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويُخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون)) ( ).
ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (رح):
حامل لواء اتباع الكتاب والسنة، والدعوة إليهما، وإعادة الناس إلى النبع الصافي مجدد القرن السابع.
قال عنه الإمام ابن الزملكاني ((ما راينا في عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة.
وقال الإمام المزي (رح): ((وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه)) ( ).
وكان الإمام المزي يبالغ في تعظيم الشيخ والثناء عليه، حتى كان يقول: لم يُر مثله منذ أربعمئة سنة)) ( ).
وقد قال الإمام ابن دقيق العيد (رح) فيما حكاه الذهبي (رح) عند اجتماعه بشيخ الإسلام وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أن الله بقى يخلق مثلك ( ).
وقال الإمام الذهبي (رح) في أثناء كلام له:
ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية... مع ما اشتهر عنه من الورع وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله العظيم،والتعظيم لحرمات الله)) ( ).
وقال الشيخ علم الدين البرزالي (رح): في أثناء كلام له:
وكان إمامًا لا يلحق غباره في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين، وكان إذا ذكر التفسير بُهت الناس من كثرة محفوظه وحسن إيراده، وإعطائه كل قولٍ ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كل علم كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى، والتجرد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم؛ فانتفع بمجلسه، وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه،وصدق نيته،وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قول لعمله، وأناب إلى الله خلق كثير،وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر والتقلل من الدنيا (رح) ( ).
وقال ابن الزملكاني (رح):
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة أنوارها أرْبت على الفجر ( )
ومنهم الإمام ابن قيم الجوزية (رح): حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
قال الشوكاني (رح): كان متقيدًا بالأدلة الصحيحة معجبًا بالعمل بها غير مهول على الرأي صادعًا بالحق لا يجابي فيه أحدًا، ونعمت الجرأة... وله من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق مالا يقدر عليه غاب المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب، وليس له على الدليل معول في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعله غيره من المتهذبين (!) بل لابد له من مستند في ذلك وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث وطوّل ذيوله أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل. وأظنها سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنه ومؤاساته بنفسه وطول تردده إليه. وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السنة وعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جنة. فرحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرًا ( ).
وتدبر معي كلام ابن القيم هذا؛ إذ يقول (رح):
ثم سار على آثارهم (أي الصحابة والتابعين) الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم. زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدالهم الدليل بأُخذته طاروا إليه زرافات ووحدانًا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه، ولا يسألونه عما قال برهانا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس، ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكلُّ إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب.
ثم قال (رح): فإن العلماء هم ورثة الأنبياء؛ فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورّثوا العلم فمَن أخذه أخذ بحظ وافر ( ). وكيف يكون من ورثة الرسول (ص) من يجهد ويكدح في ردّ ما جاء به إلى قول مقلّده ومتبوعه، ويضيع ساعات من عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه، تالله إنها فتنة عمّت فأعمت، ورمت القولب فأصمّت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، وأتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا، ولمّا عمّت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطلب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، ألا يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية، شمّر إليه، ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين ( ) وهكذا في كل زمان ومكان يوجد من شرح الله صدورهم باتباع نبيه (ص) كثر الله سوادهم، وأكرم نزلهم، وبارك فيهم ولهم. والله المستعان.
ومنهم شيخنا شيخ أهل الحديث في هذا العصر الذي نصر الله به السنة وقمع به البدعة، الذي له من اسمه نصيب، العلامة محمد ناصر الدين الألباني (رح) وطيب ثراه ـ وغيرهم وغيرهم كثير، لو أراد الإنسان أن يتتبع ذكرهم لجاء في مجلدات، ولكن تكفي الإشارة.
وأختم هذا الفصل بهذه الكلمة الجميلة للإمام ابن القيم (رح) حيث يقول:
فالرضى بإلهيته يتضمن الرض بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل غليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضى بمحبوبه كل الرضي. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضى بربوبيته: يتضمن الرضى بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به.
فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه.
وأما الرضى بنبيه رسولاً: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من فنسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبته، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضى بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضى كل الرضى. ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما. ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلَّده وشيخه وطائفته.
ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصدّيق حقًّا. وهي سهلة بالدعوة واللسان. وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك، تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقًا، فهو على لسانه لا على حاله.
وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد. فإنه والله عين العزة، والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضى به ربًّا، وبمحمد (ص) رسولاً، وبالإسلام دينا. بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسم روحه؛ قال: اللهم زدني اغترابًا، ووحشة من العالم، وأنسابك وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب،وهذا التفرد: رأى الوحشية عين الأنس بالناس، والذلّ عين العزّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم،وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق. ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودّة بينهم في الحياة الدنيا. فإذا انقطعت الأسباب، وحقّت الحقائق، وبُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، وبُليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر؛ تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران. وما الذي يخف، أو يرجح به الميزان. والله المستعان. وعليه التكلان ( ).
وقوله ((ولمّا كانت السعادة دائرة ـ نفيا وإثباتًا ـ مع ما جاء به (ص)، كان جديرًا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفًا على معرفته، وإرادته مقصورة على محابه، وهذا أعلى همة شمّر إليها السابقون، وتنافس فيها المتنافسون ( ).
ومن أسباب اشراح الصدور: العلم؛ فإنه يشرح الصدر ويوسّعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصْر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن الرسول (ص)، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا ( ).
((فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحهم وكمالها، وما تزكوبه وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد، والجهل به أصل شقاوته)) ( ).
((والعلم هو أقرب الطرق إلى أعظم اللذات)) ( ).
((ولا ريب أن الجهل أصل كل فساد، وكل ضرر يلحق العبد في دنياه وأخراه فهو نتيجة الجهل)) ( ).
وفي الجهل قبل الموت موتُ لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
((العلم والمعرفة مستلزم للهداية، وعدم الهداية دليل على الجهل وعدم العلم)) ( ).
((العلم تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عَصبتهم وورّاثهم، وهو حياة القلوب،ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين،وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال.
وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال. به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون. به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب. وهو إمام والعمل مأمول، وهو قائد والعمل تابع، وهو الصاحب في الغرفة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشبهة، والغني الذي لأفقر على من ظفر بكنزه،والكَنَف الذي لاضيعة على من آوى إلى حرزه. مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله
صدقة،ومدار سته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام)) ( ).
((فما قامت السماوات والأرض وما بينهما إلا بالعلم، ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عُبد الله وحده وأثني عليه ومُجّد إلا بالعلم، ولا عُرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم)) ( ).
((والمقصود أن الله سبحانه سمّى علم الحجة سلطانًا؛ لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره؛ فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد؛ فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، وتذل المخالف، وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها، ذليل مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه إن لم يكن معه علم يساس به، فهو بمنزلة سلطان السباع والأسُود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة، فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة. فالحجة ناصر نفسها، ظاهرة على الباطل قاهرة له)) ( ).
قال الله جل وعلا مادحًا أهل العلم {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله هو العزيز الحكيم} [ سورة آل عمران: 18]
((استشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود عليه، وهو توحيده، فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}. وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول)) ( ).
وقال جلّ في علاه {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [سورة فاطر آية: 28].
وقال سبحانه وتعالى {فتعالى الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضي إليك وحيه وقل ربّ زدني علمًا} [سورة طه آية: 114].
((وكفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه)) ( ).
قال الحافظ ابن حجر (رح) في ((فتح الباري)) (1/170-171):
قوله {رب زدني علمًا} واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه (ص) بطلب الأزدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته،وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه.
وقال عز وجل: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}[ سورة المجادلة: آية 11].
قال الحافظ ابن حجر (رح) في ((فتح الباري)) ((1/170):
((يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورفعه الدرجات تدل على الفضل، إذا المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات،ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة)).
وعن معاوية بن أبي سفيان (ض2) قال: قال رسول الله (ص) ((مَن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين،وإنما أنا قاسم، والله يعطى)) ( ).
قال العلامة ابن القيم (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (1/246):
وهذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا؛ إذا أراد بالفقه العلم المستلزم للعمل.
وقال الحافظ (رح) في ((فتح الباري)) (1/198):
ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين ـ أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع ـ فقد حرم الخير؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله،ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)) ( ).
((وقد تظاهر الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل، فكما سلك طريقًا يطلب فيه حياة قلبه ونجاته من الهلاك، سلك الله به طريقًا يحصل له ذلك)) ( ).
((فمن طلب العلم ليُحي به الإسلام الإسلام فهو من الصدّقين، ودرجته بعد درجة النبوة)) ( ).
((فإن أجل حسنات الدنيا العلم النافع والعمل الصالح)) ( ).
قال الإمام ابن حبان (رح) في صحيحه (1/291 إحسان):
العلماء الذي يتساوون مع المجاهدين في سبيل الله؛ هم الذين يعلّمون علم النبي (ص)، دون غيره من سائر العلوم، ألا تراه يقول ((العلماء ورثة الأنبياء))، والأنبياء لم يورّثوا إلا العلم، وعلم نبينا (ص) سُنته، فمن تعرى عن معرفتها، لم يكن من ورثة الأنبياء.
وعن زيد بن ثابت (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((نضّر الله امرءًا اسمع منّا حديثًا، فبلغه غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه ليس بفقيه، ثلاث لا يُغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولا الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))( ).
وعن أبي سعيد الخدري (ض) قال: خرج معاوية (ض) على حلقة في المسجد؛ فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آللهِ، ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أمَا إنّي لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله (ص) أقلّ عنه حديثًا منّي، وإن رسول الله (ص) خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا، قال: آللهِ، ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إنّي لم أستخلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل؛ فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)) ( ).
فيا مَن يريد السعادة،وانشراح الصدر؛ اطلب العلم، وحصِّل الفوائد، وعِش مع كتاب ربك وسنة النبي (ص) ومع سلف الأمة تذهب عنك الهموم والغموم والأحزان، {أمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب)) [سورةالرعد: آية 19].
وتفكر في حال سلف الأمة وأتباعهم ممن شرح الله صدره بالعلم؛ فإن ((من شرف العلم وفضله أن كل من نُسب غليه فرح بذلك وإن لم يكن من أهله، وكل من دُفع عنه ونُسب إلى الجهل عزّ عليه ونال ذلك من نفسه وإن كان جاهلاً)) ( ).
وتفكر في رحلة نبي الله موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ في طلب العلم:
((فإن الله سبحانه أخبرنا عن صفيّة وكليمه ـ الذي كتب له التوراة بيده ( )، وكلمه منه إليه ـ أنه رحل إلى رجل عالم ( ) يتعلم منه، ويزداد علمًا إلى علمه، فقال: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أوْ أمضي حُقُبا} [سورة الكهف:آية 60]، حرصًا منه على لقاء هذا العالم، وعلى التعلم منه، فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلّمه وقال له: {هل أتبعك على أن تعلمن ممّا علّمت رشدًا} [سورة الكهف:آية66]، فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته، وأنه لا يتبعه إلا بإذنه، وقال: {على أن تعلمن مما عُلّمت رشدًا} فلم يجيء ممتحنًا ولا متعنتا، وإنما جاء متعلمًا مستزيدًا علمًا إلى علمه، وكفى بهذا فضلاًَ وشرفًا للعلم، فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقي النصب من سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم،
ولمّا سمع به لم يقرّ له قرار حتى لقيه، وطلب منه متابعته وتعليمه ( ).
قال الإمام الخطيب البغدادي (رح):
((قال بعض أهل العلم: إن فيما عاناه موسى؛ من الدأب والسفر والصبر عليه، ومن التواضع والخضوع للخضر، بعد معاناة قصده، مع محل موسى من الله، وموضعه من كرامته، وشرف نبوته ـ دلالة على ارتفاع قدر العلم، وعلو منزلته أهله، وحسن التواضع لمن يلتمس منه ويؤخذ عنه، ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحد بارتفاع درجة وسمو منزلة، لسبق إلى ذلك موسى، فلما أظهر الجدّ والاجتهاد،والانزعاج عن الوطن، والحرص على الاستفادة، مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من العلم إلى ما هو غائب عنه، دلَّ على أنه ليس في الخلق من يعلو على هذه الحال، ولا يكبر عنها)) ( ).
فمن هؤلاء العظماء:
عبد الله بن مسعود (ض):
حيث يقول: ((والله لقد أخذت من في رسول الله (ص) بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي (ص) أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه.
قال شقيق بن سلمة (الراوي عن ابن مسعود): فجلست في حلق أصحاب محمد (ص) فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه. ( ).
وقال (ض): ((والذي لا إله غيره، ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت،ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه)) ( ).
ومنهم أمير المؤمنين في الحديث أبو هريرة (ض):
الذي كان حفظه الخارق من معجزات النبوة ( ).
عن أبي هريرة (ض) قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر، واللهُ الموعدُ، ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصال لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك، إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم،وإن أخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله (ص) على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله (ص) يومًا: ((أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئًا سمعه مني)) فبسطت بُردة عليَّ، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري، فما نسيتُ بعد ذلك اليوم شيئًا حدّثني به، ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدّثتُ شيئًا أبدًا {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدي} آخر الآيتين ( ). [ سورة البقرة: 159-160].
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس (ض2):
عن ابن عباس (ض2) أن النبي (ص) دخل الخلاء؛ فوضعتُ له وَضوءًا، قال: ((من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: ((اللهم فقهه في الدين)). وفي رواية ((اللهم علّمه الكتاب)) ( ).
وقال (ض) لمّا توفي رسول الله (ص)؛ قلت لرجل من الأنصار: هلمّ نسأل أصحاب النبي (ص)؛ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس ! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي (ص) مَن ترى؟ فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فأتيه هو قائل (من القيلولة)، فأتوسد رائي على بابه، فتُسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلتَ إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك. قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ؛ فقال: هذا الفتى أعقل مني ّ)) ( ).
ومنهم جابر بن عبد الله (ض2):
قال (ض): ((بلغني عن رجل من أصحاب النبي (ص) حديث سمعه من النبي (ص)، فاشتريتُ بعيرًا، ثم شددت رحلي، فسرْتُ إليه شهرًا، حتى قدمتُ الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس، فقلت للبوّاب: قل له: جابرُ على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم فخرج عبد الله بن أُنيس فاعتنقني، فقلتُ: حديث بلغني عنك أنك سمعتَه من رسول الله (ص) فخشيتُ أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعتُ رسول الله (ص) يقول: ((يحشر الله الناس يوم القيامة عُراةً غُرلاً بُهما، قلنا: ما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب، أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلة، ولا ينبغي لأحد من النار يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف هو، وإنما نأتي الله تعالى، عراة غُرلاً بُهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات)) ( ).
ومنهم: سعيد بن المسيب: سيد التابعين (رح):
قال (رح): إن كنتُ الأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد))( ).
ومنهم: مكحول الدمشقي (رح):
قال (رح): عُتقتُ بمصر، فلم أدع بها علمًا إلا احتويتُ عليه فيما أرى، ثم أتيتُ العراق، فلم أدع علمًا إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت المدينة، فلم أدع بها علمًا إلا احتويت عليه، ثم أتيت الشام، ففربلتُها، كل ذلك اسأل عن النَّقَل فلم أجد أحدً يخبرني عنه، حتى مررتُ بشيخ من بني تميم يُقال له: زياد بن جارية جالسًا على كرسي، فسألته فقال: حدثني حبيب بن مسلمة قال: شهدتُ رسول الله (ص) نقل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث)) ( ).
ومنهم: شعبة بن الحجاج ـ أمير المؤمنين في الحديث (رح):
عن نصر بن حماد الوراق قال: كنا قعودًا على باب شعبة نتذاكر الحديث، قال: فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (ض) قال: ((كنا نتاوب رعاية الإبل على عهد رسول الله (ص)، فجئت ذات يوم والنبي (ص) جالس وحوله أصحابه، فسمعته يقول: ((مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم دخل مسجدًا فصلى ركعتين واستغفر الله غفر الله له، قال: فقلت: بخ بخ، قال: فجذبني رجل من خلفي، فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: ((الذي قال قبل أحسن، قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قيل له أدخل من أي أبواب الجنة شئت)) قال: فخرج إليّ شعبة فلطمني، ثم دخل ثم خرج، فقال: ما له قعد يبكي؟ فقال له عبد الله إدريس: إنك أسأت إليه، فقال: أما تسمع ما يُحدّث عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر؛ وأنا قلت لأبي إسحاق: أسمع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟ قال: لا، وغضب. وكان مِسْعر بن كدام حاضرًا، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت: ماله؟ ليصحّحنَّ لي هذا الحديث أو لأسقطنّ حديثه، فقال مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إليه، لم أرد الحج، إنما أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، فقال لي مالك بن أنس: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام؛ فدخلتُ المدينة، فلقيتُ سعد بن إبراهيم فسألته؛ فقال: الحديث من عندكم، زياد بن مخراق حدثنى، فقلت: أي شيء هذا الحديث!! بينا هو كوفي، صار مكيًّا، صار مدنيًّا، صار بصريًّا، فدخلت البصرة، فلقيت زياد بن مخراق فسألته؛ فقال:ليس هذا من بابتك، قلتُ: بلى حدثني به، قال: لا تريده قلت: أريده، قال: حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر)). قال: فلما ذكر لي شهرًا؛ قلت: دمّر عليّ هذا الحديث، لو صحّ لي مثل هذا الحديث؛ كن أحب إليّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين)) ( ).
فرضي الله عن شُعبة، وأين مثل شُعبة؟!.
ومنهم هشام بن عمار (رح) شيخ البخاري، حافظ دمشق، ومقرئها.
قال (رح) باع أبي بيتًا له بعشرين دينارًا، وجهزني للحج، فلما صرتُ إلى المدينة، أتيتُ مجلس مالك، ومعي مسائل أريد أن أسأله عنها. فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك، وغلمان قيام، والناس يسألونه، وهو يجيبهم. فلما انقضى المجلس، قال لي بعض أصحاب الحديث: سل عمّا معك؟ فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تقول في كذا وكذا؟ فقال: حصلنا على الصبيان، يا غلام، احمله. فحملني كما يحمل الصبي، وأنا يومئذ غلام مدرك، فضربني بدرّة مثل درّة المعلمين سبع عشر درة، فوقفت أبكي، فقال لي: ما يبكيك؟ أوجعتك هذه الدرة؟ قلت: إن أبي باع منزله، ووجّه بي أتشرف بك، وبالسماع منك، فضربتني؟ فقال: اكتب، قال: فحدثني سبعة عشر حديثًا، وسألته عما كان معي من المسائل فأجابني.
وفي رواية: فقلت له: زد في الضرب، وزد في الحديث، فضحك مالك، وقال: اذهب ( ).
ومنهم محمد بن سحنون القيرواني الفقيه المالكي:
كانت له سُرّيّة (أمَة) يقال لها: أمّ مُدام، فكان عندها يومًا، وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته ليأكل، فقال لها: أنا مشغول الساعة، فلما طال عليها؛ جعلت تُلقّمه الطعام حتى أتت عليه، وتمادى هو على ما هو فيه، إلى أن أذن لصلاة الصبح فقال: شغلنا عنكِ الليلة يا أم مدام، هاتِ ما عندك، فقالت: قد ـ والله يا سيدي ـ ألقمته لك، فقال لها: ما شعرتُ بذلك)) ( ).
ومنهم الإمام أحمد بن حنبل (رح) إمام أهل السنة والجماعة:
قال (رح): رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعًا، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدتُ إلى بغداد، وخرجت إلى الكوفة، فكنت في بيت تحت راسي لبنة! فحممتُ ! فرجعت إلى أمي رحمها الله ولم أكن استأذنتها، ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري، وخرج بعض أصحابنا ولم يكن عندي شيء)) ( ).
ومنهم الإمام البخاري محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (رح):
قال (رح): لمّا طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر الرسول (ص) في الليالي المقمرة. وقلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أن كرهت تطويل الكتاب ( ).
سبحان الله، ولا إله إلا الله، يؤلف كتاب ((التاريخ)) وهو دون العشرين من عمره !!.
قال أبو العباس بن سعيد: لو أن رجلاً كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب ((التاريخ)) تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري))( ).
وقال أبو سهل محمود الشافعي: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا من الدنيا النظر في ((تاريخ)) محمد بن إسماعيل)) ( ).
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: قلت له يومًا خلوة: هل من دواء يشر به الرجل، فينتفع به للحفظ؟ فقال: لا أعلم، ثم أقبل عليَّ، وقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر)) ( ).
ومنهم الإمام أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم:
قال (رح): خرجت من الري المرة الثانية سنة سبع وعشرين ومئتين، ورجعت سنة اثنتين وثلاثين في أولها، بدأت فحججتُ ثم خرجت إلى مصر فأقمت بمصر خمسة عشر شهرًا، وكنت عزمت في بُدوة قدومي مصر أني أقل المقام بها، فلما رأيت كثرة العلم بها وكثرة الاستفادة عزمت على المقام، ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي، فلما عزمتُ على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر بكتب الشافعي، فقبّلتها ( ) منه بثمانين درهمًا أن يكتبها كلها، وأعطيته الكاغد ( )، وكنت حملت معي ثوبين ديبقين لأقطعهما لنفسي، فلما عزمت على كتابتها؛ أمرت ببيعهما فبيعا بستين درهمًا، واشتريت مئة ورقة كاغد بعشرة دراهم، كتبت فيها كتب الشافعي، ثم خرجت إلى الشام، فأقمت بها ما أقمت، ثم خرجت إلى الجزيرة وأقمت بها ما أقمت، ثم رجعت إلى بغداد سنة ثلاثين في آخرها، ورجعت إلى الكوفة وأقمت بها ما أقمت، وقدمت البصرة فكتبت بها عن شيبان وعبد الأعلى. وأقمت لي خرجتى الثالثة بالشام والعراق ومصر أربع سنين وستة أشهر، فما أعلم أني طبخت فيها قدرًا بيد نفسي ( ).
وقال (رح): ((لا أعلم صفا لي رباط يوم قط؛ أما بيروت، فأردنا العباس بن الوليد ابن مَزيد، وأما عسقلان، فأردنا محمد بن أبي السَّري، وأما قزوين، فمحمد بن سعيد بن سابق)) ( ).
رحم الله أبا زرعة فمن عظيم اهتمامه بالعلم، ينشغل به وهو مرابط في سبيل الله !!.
ومنهم الإمام أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس (رح):
قال (رح): أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيتُ ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتى لم زاد على ألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم رمة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان،ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان، فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيان، ومن بيان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيًا كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومئتين، قدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة، وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومئتين، وجرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، وكان واليها الحسن بن مصعب،وكنت تنظر إلى الحسن كأنه محدّث، أحرم الرأس واللحية عليه قلنسوة حبرة، وكنت أشبهه بسنيد بن داود، وربما رأيت الوالي فأظن أنه سنيد، وربما اجتمعا فلا أميز بينهما، وفي هذه السنة فتحت لؤلؤة وأنا بطرسوس))( ).
وقال (رح): بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومئتين ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئًا بعد شيء، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع منهم غلى الماء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيت خال فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا عليَّ رفيقي فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد فانصرف عني، وانصرفت جائعًا؛ فلما كان من الغد غدا علي فقال: مرّ بنا إلى المشايخ قلت: أنا ضعيف لا يمكنني. قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئًا؛ فقال لي: قد بقي معي دينار فأنا أواسيك بنصفه ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وقبضت منه النصف دينار ( ).
ومنهم الإمام أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي:
قال (رح): كنت في رحلتي في طلب الحديث، فدخلت إلى بعض المدن، فصادفت بها شيخًا، احتجت إلى الإقامة عليه للاستكثار عنه، وقلّت نفقي، وبعدت عن بلدي، فكنت أدمن الكتابة ليلاً، وأقرأ عليه نهارًا، فلما كان ذات ليلة كنت جاسًا أنسخ، وقد تصرّم الليل، فنزل الماء في عينيَّ، فلم أبصر السراج ولا البيت، فبكيت على انقطاعي، وعلى ما يفوتني من العلم، فاشتد بكائي حتى اتكأت على جنبي، فنمت، فرأيت النبي (ص) في النوم، فناداني: يا يعقوب بن سفيان ! لم أنت بكيت؟ فقلت: يا رسول الله، ذهب بصري، فتحسرت على ما فاتني من كتْب سنتك، وعلى الانقطاع عن بلدي، فقال: ادن منيّ. فدنوت منه، فأمرّ يده على عينيَّ، كأنه يقرأ عليهما، قال: ثم استيقظت فأبصرت، وأخذت نسخي وقعدت في السراج أكتب ( ).
الله أكبر، ورضي الله عن يعقوب.
ومنهم الإمام ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس:
قال (رح): كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسّم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة. قال: فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يمكنا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير، فأكلناه نيئًا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشْويه.
ثم قال (رح): لا يستطاع العلم براحة الجسد ( ).
ومنهم الحافظ أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث (رح) عليهما: قال (رح): دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، فأخذت به ثلاثين مُدًّا باقلا (مثل الفول) فكنت آكل منه، وأكتب عن أبي سعيد الأشج، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثين ألف حديث، ما بين مقطوع ومرسل)) ( ).
وقال أبو بكر بن شاذان: قدم أبو بكر بن أبي داود سجستان، فسألوه أن يحدثهم، فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود وأصل ! قال: فأثاروني، فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى إلى سجستان ولعب بهم، ثم فيجوا فيجًا (أي جماعة من الناس) اكتروْه بستة دنانير إلى سجستان، ليكتب لهم النسخة، فكتبت، وجيء بها وعُرضت على الحفّاظ، فخطّؤوني في ستة أحاديث، منها ثلاثة أحاديث حدَّثتُ كما حُدِّثتُ، وثلاثة أخطأت فيها)) ( ).
رحم الله ابن أبي داود يحدث بثلاثين ألف حديث فلا يخطيء إلا في ثلاثة !!
ومنهم الإمام النسائي أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب (رح):
قال الإمام الذهبي (رح): كان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف. جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استطون مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن ( ).
ومنهم الإمام أبو بكر بن الأنباري، محمد بن القاسم (رح):
كان (رح) يأخذ الرطب يشمه، ويقول: أما إنك لطيب، ولكن أطيب منك حفظ ما وهب الله لي من العلم ( ).
مضى يومًا إلى النخّاسين (الذين يبيعون الرقيق) وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي، ثم مضيت إلى أمير المؤمنين الراضي، فقال لي: أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته، فأمر بعض أسبابه (أي غلمانه) فمضى فاشتراها، وحملها إلى منزلي، فجئت فوجدتها، فعلمتُ الأمر كيف جري، فقلت لها: كوني فوق إلى أن أستبرئك، وكنت أطلب مسألة قد أحيلت علي فاشتغل قلبي، فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخّاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام، فقالت: دعني أكلمه بحرفين ! فقالت: أنت رجل لك محل وعقل،وإذا أخرجتني ولم تعين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس في ظنًّا قبيحًا، فعرفنيه قبل أن تخرجني. فقلت لها: مالك عندي عيب غير أنك شغلتيني عن علمي! فقالت: هذا أسهل عندي. قال: فبلغ الراضي أمره؛ فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل)) ( ).
ومنهم الإمام الطبراني سليمان بن أحمد (رح):
قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة أبي القاسم الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلب بفطنته. وذكائه حتى راتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات، فقال: حدثنا أبو خليفة الجُمحي، قال: حدثنا سليمان بن أيوب، وحدث بحديث، فقال الطبراني: أنا ( ) سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلو فيه إسنادك، فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه. أو كما قال ( ).
ومنهم الإمام أبو نصر السجزي عبد الله بن سعيد (رح):
قال الحافظ أبو إسحاق الحبال: كنت يومًا عند أبي نصر السجزي، فدُق الباب، فقمت ففتحت، فدخلت امرأة، وأخرجت كيسًا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ، وقالت: أنفقها كما ترى!! قال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني، ولا حاجة لي في الزوج، لكن أخدمك. فأمرها بأخذ الكيس، وأن تنصرف، فلما انصرفت، قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر علي ثواب طلب العلم شيئًا)) ( ).
ومنهم الإمام ابن الجوزي أبو الفرج عبدالرحمن بن علي (رح):
يقول (رح): من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمَّل به إدراك المطلوب، وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:
أهتز عند تمني وصلها طربًا وربّ أمنية أحلى من الظفر
ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعماهم في اكتساب الدنيا،وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. فقال إبليس: ونسيت تعبك وسهرك ! فقلت له: أيها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقوع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدّت إلى صديق.
جزى الله المسير إليه خيرًا وإن ترك المطايا كالمزاد
ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث،وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّني لا ترى إلى لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي للحديث، وآداب سير الرسول (ص) وأحواله وآدابه،وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود، وأثمر ذلك عندي من المعاملة مالا يدرك بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي منالعلم من خوف الله عز وجل ( ).
وغيرهم كثير وكثير جدًا، لا يأتي عليهم حصر، في كل زمان ومكان، إلى زماننا هذا، فمنهم الشنقيطي وابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم وغيرهم وغيرهم.
هذي المفاخر لا قعبان من لبن شيبت بماء فعادت بعد أبوالا.
رضي الله عنا وعنهم أجمعين فإنهم ((قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله (ص) وعلى آله أجمعين، من قوم أثروا قطع المفاوز و القفاز، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعّموا بالبؤس في الأسفار، مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار، بوجود الكسر والأطمار، قد رفوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية، وتوابع ذلك من البدع والأهواء والمقاييس والآراء والزيغ، جعلوا المساجد بيوتهم، وأساطينهاتكاهم، وبواريها (حصيرهم) فرشهم... قد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم (عطرهم) المداد، ونومهم السهاد، واصطلاءهم الضياء، وتوسدهم الحصى، فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس؛ فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، قلوبهم بالرضا في الأحوال عامرة، تعلّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل اسنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرهم أعداؤهم ( ).
ورحم الله القائل ـ ونسبت للزمخشري ـ إذ يقول:
سهري لتنقيح العلوم ألذلي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربًا لحلِّ عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق
وألذّ من نقْر الفتاة لدُفّها نقري لألقي الرمل عن أوراقي
يا من يحاول بالأماني رتبتي كم بين مُسْتَغْلٍ وآخر راقي
أأبيتُ سهران الدجي وتبيته نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
وما أجمل ما قاله الجاحظ في توصيته بالكتاب والمطالعة حيث يقول:
والكتاب هو الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يُغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والمستميح الذي لا يستريثك ( )، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب.
والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بنانك، وفخّم ألفاظك، وبجح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفتَ به في شهر مالا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغُرم، ومن كدّ الطلب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خُلقًا، وأكرم منه عرقًا ( )، ومع السلامة من مجالسة البُغضاء، ومقارنة الأغبياء.
والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلالُ السهر،وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرْك، وإن قطعتَ عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عُزلت َ لم يدع طاعتك، وإن هبّت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت معه متعلقًا بسبب أو معتصمصا بأدنى حبل كان لك فيه غنى من غيره، ولم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إيك إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض فيما لا يعنيك، ومن ملابسه صغار الناس، وحضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الرديئة، وجهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة، وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سحف المُنى، وعن اعتياد الراحة وعن اللعب، وكل ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغَ النعمة،وأعظم المنة.
وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفُرَّاغ نهارهم، وأصحاب الفكاهات ساعات ليلهم: الكتاب،وهو الشيء الذي لا يُرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد تجربة ولا عقل ولا مروءة، ولا في صون عرض، ولا في إصلاح دين، ولا في تثمير مال، ولا في ربّ صنيعة، ولا في ابتداء إنعام. ( )
وأختم هذا الفصل بهذه النصيحة الطيبة المباركة:
((تعلّموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد،وتعليمه لمن لا يُحسنه صدقة،وبذله لأهله قربة، به يُعَرف الله ويُعبد، وبه يوحَّد، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وتوصل الأرحام،وهو الأنيس في الوحدة،والصاحب في الخلوة، والدليل على السرَّاء، والمعين على الضرّاء، والوزير عند الأخلاّء،والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة،يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة وسادةً يُقتدي بهم، أدلة في الخير تُقتص آثارهم، وترمق أفعالهم،وترغب الملائكة في خلّتهم وبأجنحتها تمسحهم،ويستغفر لهم كل رطب ويابس،حتى حيتان البحر وهوامّه،وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، والعلم حياة القلوب من العمى، ونور للأبصار من الظّلم، وقوة للأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى، التفكر فيه يُعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وهو إمام للعمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء. ( )
قال الإمام ابن القيم (رح) في ((مفتاح دار السعادة)) (1/490-491):
قال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم.
قلت (ابن القيم): الصنف الأول من له علم بلا عمل، فهو أضرّ شيء على العامة؛ فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومبخسة.
والصنف الثاني: العابد الجاهل؛ فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله.
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله ((احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون)) فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبّادهم، فإذا كان العلماء فجرة والعبّاد جهلة عمّت المصيبة بهما، وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.
والصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل، وإنما هم كالأنعام السائمة.
والصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض، وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين، فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجنّ، فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.
فهؤلاء الأربعة أصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف (رح).
وهؤلاء كلهم على شفا جُرف هارٍ،وعلى سبيل الهلكة، وما يلقى العالمُ الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذي والمحاربة إلا على أيديهم. والله يستعمل من يشأ في سخطه، كما يستعمل من يحب في مرضاته، إنه بعباده خبير بصير.
ولا ينكشف سرّ هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم، فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه، والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه. انتهى.
ومن أسباب انشراح الصدور ـ أيضًا ـ الصلاة؛ ((فإنها محكّ الأحوال، وميزان الإيمان، بها يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله، ومقامه، ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا شيء أقرّ لعين المحب ولا ألذّ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها إذا كان محبًّا، فإنه لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له، ومثوله بين يديه وقد أقبل محبوبه عليه، وكان قبل ذلك معذبًا بمقاساة الأغيار، ومواصلة الخلق والاشتغال بهم، فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه، وآوى عنده واطمأن بذكره، وقرّت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته، فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح، كما قال النبي (ص) لبلال: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة)) ( ). ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون. فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقارين شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس، وفات بينها هذا التفاوت العظيم.
وبالجملة فمن كان قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها، ويعودّ أن لو قطع عمره بها، غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلي نفسه إذا فارقها، بأنه سيعود إليها عن قرب، فهو دائمًا يثوب إليها، ولا يقضي منها وطرًا، فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل، الذي وزنه غير عائل)) ( ).
وقد قال (ص): ((حُبّب إلي الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)) ( ).
((فالصلاة قد وُضعتْ على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبد بها الخالق تبارك وتعالى عباده من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح؛ من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين، والرأس وحواسه، وسائر أجزاء البدن، كل يأخذ حظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواس الباطنة بحظها منها، وقيام القلب بواجب عبوديته فيها، فهي مشتملة على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير، وشهادة الحق، والقيام بين يدي الرب مقام العبد الذليل الخاضع المدبَّر المربوب، ثم التذلل له في هذا المقام، والتضرع والتقرب إليه بكلامه، ثم انحناء الظهر ذلاًّ له وخشوعًا واستكانه، ثم استوائه قائمًا ليستعد لخضوع أكمل له من الخضوع الأول ـ وهو السجود من قيام ـ فيضع أشرف شيء فيه ـ وهو وجهه ـ على التراب خشوعًا لربه واستكانة، وخضوعًا لعظمته، وذلاًّ لعزته، وقد انكسر له قلبه، وذلّ له جسمه، وخشعت له جوارحه، ثم يستوي قاعدًا يتضرع له ويتذلل بين يديه، ويسأله من فضله، ثم يعود إلى حاله من الذل والخشوع والاستكانة، فلا يزال هذا دأبه حتى يقضي صلاته، فيجلس عند إرادة الانصراف منها مثنيًا على ربه، مسلمًا على نبيه وعلى عباده، ثم يصلي على رسوله، ثم يسأله ربَّه من خيره وبرِّه وفضله.
فأي شيء بعد هذا العبادة من الحُسن؟ وأي كمال وراء هذا الكمال؟ وأي عبودية أشرف من هذه العبودية ( )؟.
بل الصلاة على النبي (ص) سبب لانشراح الصدر، وزوال الهموم والأحزان، فعن أُبيّ بن كعب (ض) قال: كان النبي (ص) إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: ((يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)). قال أُبُّي: قلت: يا رسول الله؛ إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئتَ، قال: قلت: الربع، قال: ما شئت؛ فإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف. قال: ما شئت؛ فإن زدتَ فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين، قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذن تُكفي همَك، ويغفر لك ذنبك)) ( ).
قال الله جل وعلا: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليها وسلموا تسليما} [سورة الأحزاب: 56].
وعن أبي هريرة (ض) عن النبي (ص) قال: ((من صلى عليّ واحدة، صلى الله عشرًا)) ( ).
وانظر وتفكر وتدبر في حال من شرح الله صدرهم بالصلاة، وتقرب إلى ربك كما تقربوا، واخشع كماخشعوا تكن من الفائزين إن شاء الله تعالى.
عن أبيّ بن كعب (ض) قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة تن فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله (ص)، قال: فتوجعنا له؛ فقلت له: يا فلان؛ لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمضاء، ويقيك من هوام الأرض !! قال: أما والله ! ما أحبّ أن بيتي مطنّبُ ببيت محمد (ص)، قال: فحملتُ به حملاً، حتى أتيت نبي الله (ص) فأخبرته. قال: فدعاه؛ فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجوني في أثره الأجر؛ فقال له النبي (ص) ((إن لك ما احتسبت)).
وفي رواية: قال: ما يسّرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله (ص) ((قد جمع الله لك ذلك كله)) ( ).
ومنهم بلال بن رباح (ض) سيد المؤذنين:
عن أبي هريرة (ض) أن النبي (ص) قال لبلال، عند الفجر: ((يا بلال حدثني بأرجي عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة)). قال: ما عملتُ عملاً أجرى عندي أنّي لم أتظهر طهورًا تامًّا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليتُ لربي ما قُدِّر لي أن أصلي)) ( ).
وفي رواية: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين.
ومنهم عبد الله بن الزبير (ض2):
قال مجاهد بن جبر (رح) كان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة كأنّه عود، وحدَّث أن أبا بكر (ض) كان كذلك)) ( ).
وقال ثابت بن أسلم البناني (رح): كنت أمرُّ بابن الزبير، وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك)) ( ).
وقال عمرو بن دينار (رح): كان ابن الزبير يصلي في الحِجْر، والمنجنيق يصبُّ تُوْبَة( )، فما يلتفت، يعني: لما حاصروه ( ).
وقال عثمان بن طلحة (رح): كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة ( ).
ومنهم سيد التابعين سعيد بن المسيب (رح) عليه:
قال (رح): ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة ( ).
وقال (رح): ما أذّن المؤذن منذ ثلاثين إلا وأنا في المسجد ( ).
وقال (رح): ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة)) ( ).
ومنهم أبو مسلم الخولاني ـ زاهد عصره (رح):
قال عثمان بن أبي العاتكة (رح): علّق أبو مسلم سوطًا في المسجد، فكان يقول أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا فتر، مشق ( ) ساقيه سوطًا أو سوطين.
قال: وكان يقول: لو رأيتُ الجنة عيانًا أو النار ما كان عندي مستزاد ( ).
ومنهم عامر بن عبد قيس، الولي الزاهد (رح):
عن الحسن البصري (رح) أن عامرًا كان يقول: مَن أقرئ؟ (أي القرآن) فيأتيه ناس، فيقرئهم ثم يقول فيصلي إلى الظهر، ثم يصليّ إلى العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين، ثم ينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفًا، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر رغيفًا ويخرج( ).
وعن أبي الحسن المجاشعي (رح) قال: قيل لعامر بن عبد قيس: أتحدث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي ( ).
وكان (رح) لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر، فينصرف وقد انتفخت ساقاه، فيقول: يا أمّارة السوء، إنما خُلقتِ للعبادة ( ).
ومنهم الربيع بن خُثيم القدوة العابد (رح):
الذي قال له ابن مسعود (ض): لو رآك رسول الله (ص) لأحبَّك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين)) ( ).
كان (رح) إذا سجد كأنه ثوب مطروح، فتجئ العصافير فتقع عليه.
وكان (رح) بعد ما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان اصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك ! فيقول إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح، فمن سمع منكم: حيّ على الفلاح؛ فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوًا))( ).
واشترى (رح) فرسًا بثلاثين ألفًا، فغزا عليها، ثم أرسل غلامه يسار يحتش، وقام يصلي، وربط فرسه، فجاء الغلام، فقال: يا ربيع، أين فرسك؟ قال: سُرقت يا يسار. قال: وأنت تنظر إليها؟ قال: نعم يا يسار؛ إني كنت أناجي ربي إن كان غنيًّا فاهده، وإن كان فقيرًا فأغنه. ثلاث مرات ( ).
ومنهم مُرة الطيب بن شراحيل الهمداني، ويقال له: مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه قال الذهبي (رح) في ((سير أعلام النبلاء)) (4/75):
بلغنا عنه أنه سجد لله حتى أكل التراب جبهته. ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم، ولهذا لم تكثر روايته، وهل يُراد من العلم إلا ثمرته !!
وقال عطاء بن السائب: رأيت مُصلّي مُرة الهمداني مثل مبرك البعير ( ).
وقال العلاء بن عبد الكريم الأيامي: كنا نأتي مُرة الهمداني، فيخرج إلينا فنرى أثر السجود في جبهته وكفيه وركبتيه وقدميه. قال: فيجلس معنا هينئة ثم يقوم، فإنما هو ركوع وسجود ( ).
ومنهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة (رح):
قال الإمام مالك (رح): كان عبيد الله بن عبد الله من العلماء، وكان إذا دخل في صلاته، فقعد إليه إنسان، لم يُقبل عليه حتى يفرغ، وإن عليّ بن الحسين كان من أهل الفضل، وكان يأتيه، فيجلس إليه، فيطوّل عبيد الله في صلاته، ولا يلتفت إليه، فقيل له: عليُّ وهو ممّن هو منه !! فقال: لابد لمن طلب هذا الأمر أن يُعنَّي به ! ( ).
ومنهم علي بن الحسين زين العابدين (ض) وعن آبائه ـ السيد القرشي الهاشمي، سيد أهل البيت في زمانه.
عن أبي نوح الأنصاري (رح) قال: وقع حريق في بيت فيه عليُّ بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار. فما رفع رأسه حتى طفئت، فقيل له في ذلك فقال: ألهتْني عنها النار الأخرى ( ).
وعن عبد الله بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين إذا مشني لا تجاوز يده فخذيه ولا يخطر بها، وإذا قام إلى الصلاة، أخذته رِعْده، فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي ( )؟.
ومنهم مسلم بن يسار، أبو عبد الله البصري، القدوة الفقيه الزاهد (رح).
عن عبد الله بن مسلم بن يسار: أن أباه كان إذا صلى كأنه ودُّ (أي وتد) لا يميل هكذا ولا هكذا ( ).
وقال غيلان بن جرير: كان مسلم بن يسار إذا صلى كأنه ثوب ملقي( ).
وقال عبد الله بن شوذب (رح) كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: تحدّثوا فلست أسمع حديثكم ( ).
وعن ميمون بن حيان (رح) قال: ما رأيت مسلم بن يسار متلفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية من المسجد، ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد في الصلاة، فما التفت ( ).
ومنهم طلق بن حبيب العنزي، الزاهد الكبير (رح):
كان (رح) لا يركع إذا افتتح سورة البقرة حتى يبلغ ((العنكبوت))، وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صُلبي ( ).
وقال (رح): يموت المسلم بين حسنتين؛ حسنة قد قضاها، وحسنة ينتظرها ـ يعني الصلاة ( ).
ومنهم عامر بن عبد الله بن الزبير (ض) وعن آبائه:
قال مصعب: سمع عامر المؤذن وهو يجود بنفسه، فقال: خذوا بيدي، فقيل: إنك عليل، قال: أسمعُ داعي الله، فلا أجيبه !! فأخذوا بيده، فدخل مع الإمام في المغرب، فركع ركعة ثم مات ( ).
ومنهم ثابت بن أسلم البنائي، الإمام القدوة (رح):
قال حماد بن سلمة (رح): كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره؛ فأعطني الصلاة في قبري. فيقال: إن هذه الدعوة.
فيقال: إن هذه الدعوة استجيبت له، وإنه رئي بعد موته يصلي في قبره فيما قيل ( ).
ورحم الله ثابتًا حيث يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة ( ).
ومنهم البخاري محمد بن إسماعيل، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في زمانه (رح):
قال محمد بن أبي حاتم الورّاق: دُعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه، فلما صلي بالقوم الظهر، قام يتطوع، فلما فرغ من صلاته، رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبور قد أبَره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا. وقد تورم من ذلك جسده. فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببتُ أن أتمها ( ) !!
ومنهم الإمام محمد بن نصر المروزي (رح):
قال أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبغي (رح): أدركت إمامين من أئمة المسلمين لم أرزق السماع منهما، أبو حاتم الرازي، وأبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، فأما أبو عبدالله فما رأيت أحسن صلاة منه، وبلغني أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك ( ).
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: ما رأيتُ أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه، فيسيل الدم، ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يصنع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة منصوبة ( ).
وغيرهم كثير جدًا أسأل الله أن يرزقنا اتباعهم والاقتداء بهم.
وأختم هذا الفصل بما قاله الإمام محمد بن نصر المروزي (رح) في كتابه المبارك ((تعظيم قدر الصلاة)) ص(217) ط مكتبة العلم بالقاهرة:
وقد روي في بعض الحديث: ((إن الله تبارك وتعالى قد خص أهل جواره بخاصة اللطف، في جنته من الهدايا، ثوابًا لهم على صلاتهم من بين سائر الأعمال، فجعل هداياه إلى أوليائه في جنته بمقادير صلواتهم في الأوقات التي كانوا يصلونها، وكذلك جعل تسليم ملائكته عليهم بمقادير أوقات صلواتهم، من بين جميع الطاعات وأوقاتها، فكفي بالصلاة فضلاً، وحسن عاقبة في الآخرة. قال بعض أهل العلم: إن كان متواضعًا في الدنيا في صلاته، خاشعًا، يأخذ بيده اليسرى باليمني، حُشر على إخباته في صلاته، ثوابًا لخشوعه في صلاته، علامة له منب ين الخلائق أنه هكذا كان لله في الدنيا متذللاً إذا قام بين يديه يناجيه.
وقال (رح) ص(63):
ولم نجد الله عز وجل مدح أحدًا من المؤمنين بمواظبته على شيء من الأعمال مدح من واظب على الصلوات في أوقاتها، ألا تراه كيف ذكرها مبتدأة من بين سائر الأعمال، قال الله {إن الإنسان خلق هلوعًا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعًا} [ سورة المعارج: 19-20].
ثم لم يبرئ أحدًا من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال: {إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون} [سورة المعارج: 22، 23].
ومن أسباب انشراح الصدر قيام الليل، دأب الصالحين:
((لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم، قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم من حسن عبادة السهر، وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقض عنهم الليل؛ وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملّتْ أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولّي عنهم الليل بربح وغبْن، أصبح هؤلاء قدْ ملُّوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجئ الليل للعبادة، شتان ما بين الفريقين، فاعملوا لأنفسكم ـ رحمكم الله ـ في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرهما، إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا الله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله، كم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه، عندما يرئ من كرامة الله للعابدين غدًا، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام ـ رحمكم الله ـ ( ).
((ولهذا ذكّر سبحانه عباده هذه النعمة، وعدّها عليهم من جملة نعمه، فقال: {من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم من ذكر ربهم معرضون)) [سورة الأنبياء: 42]، فإذا تصور العبد ذلك فقال: ((الحمد لله)) كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك، ثم تفكر في أن الذي أعاده بعد هذه الإماتة حيًّا سليمًا قادر ( ) على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيًّا كما كان، ولهذا يقول بعدها: ((وإليه النشور)).. ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلي ما كتب الله له صلاة محب ناصح لمحبوبه، متذلل منكر بين يديه، لا صلاة مدلٍّ بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهله وحرمة غيره، فهو يُزاد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليلة، ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك، كما قيل:
يودُّ أنّ ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر
فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية، فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتطيّب له السير آياتُ الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيّب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره، المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه فتأمل هذه الثلاثة، وتفقه فيها، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى في كلامه، ويعطي كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على مجرد تلاوتها والتصديق بأنها كلام الله، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها.
ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبل يلعب، كما قيل:
وكنت أرى أن قد تناهي بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب
فوا أسفاه، وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر والقلب محجوب ما شمّ لهذا رائحة وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا، وموته كمدًا، ومعاده حسرة وأسفًا، الله فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك)) ( ).
فأهل الليل أسعد بربهم، ومناجاته، والوقوف بين يديه، وخشيته، والتضرع إليه، والبكاء بين يديه، وتدبر كلامه، والشوق إلى جنته، والهرب من ناره، والاستغفار والتوبة من معصيته، وحسن سؤاله، والرغبة في نوال ما عنده، والأنس بقربه، وانشراح الصدر والالتذاذ بقراءة القرآن، والصبر على الوضوء بالماء البارد في ليالي الشتاء، أعظم لذة وسعادة من أهل السُّكر بسُكرهم، وأصحاب النساء بنسائهم، وأهل المال بمالهم، وأهل الجاه والسلطان بسلطانهم، كيف لا؟ وهم في قرب وأنس بالرحيم الرحمن.
يقول الله جل وعلا واصفًا المؤمنين: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحارهم يستغفرون} [ سورة الذاريات: 17، 18].
بل فرض الله قيام الليل سنة كاملة في ا,ل الإسلام، فقام النبي (ص) وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، ثم أنزل الله جل وعلا التخفيف في آخر سورة المزمل، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((يعقد الشيطان على قافيه رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام، بكل عقدة يضرب عليك ليلاً طويلاً، فإذا استيقظ، فذكر الله، انحلّت عقدة، وإذا توضأ؛ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد؛ فاصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) ( ).
وعن عقبة بن عامر (ض) قال سمعت النبي (ص) يقول: ((رجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطَّهور، وعليه عقد، فإذا وضّأ يديه انحلت عقدة، فإذا وضّأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله جل وعلا للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ليسألني، ما سألني عبدي هذا، فهو له)) ( ).
وعن عبدالله بن مسعود (ض) قال: ((ذُكر عند النبي (ص) رجل؛ فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة. فقال: ((بال الشيطان في أذنيه)) ( ).
وقد بوب لهذا الحديث الإمام النسائي (رح) في ((سننه)) (3/204):
باب الترغيب في قيام الليل
وبوب له الإمام ابن حبان (رح) في ((صحيحه)) (6/302إحسان):
ذكر الإخبار عما يُستحب للمرء من كثرة التهجد بالليل، وترك الاتكال على النوم.
وعن أبي هريرة (ض) قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء إذا عملت به دخلتُ الجنة، قال: ((أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام)) ( ).
وعن جابر بن عبدالله (ض2) قال: سمعت النبي (ص) يقول: ((في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضج في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل، وأيقظت زوجها، فإن أبي نضحت في وجهه الماء))( ).
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة (ض2) قالا: قال رسول الله (ص): ((من استيقظ من الليل وأيقظ أهله، فقاما فصلّيا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات)) ( ).
وعن عبد الله بن عمرو (ض2) عن النبي (ص) قال: ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين)) ( ).
وعن أبي هريرة (ض) أن رسول الله (ص) قال: ((القنطار اثنا عشر أوقية، كل أوقيةخيرٌ مما بين السماء والأرض ( ))).
وعن أبي هريرة (ض) أن رسول الله (ص) قال: ((يا عبد الله بن عمرو، لا تكن مثل فلان، كان يقوم اللليل، فترك قيام الليل)) ( ).
نهاري نهار الناس، حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
وعن المغيرة بن شعبة (ض) قال: قام النبي (ص) حتى إذا تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)) ( ).
وعن عائشة (ض1) أن نبي الله (ص) كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة (ض1) لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)). فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فقرأ ثم ركع)) ( ).
وعن عائشة (ض1) قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال رسول الله (ص): ((يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي)). قلتُ: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرّك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فم يزل يبكي حتى بلّ حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؛ لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكرفيها {إن في خلق السماوات والأرض ( ))) الآية كلها} [ سورة آل عمران: 190].
وعن ابن عمر (ض2) قال: ((كان الرجل في حياة النبي (ص) إذا رأي رؤيا قصتها على رسول الله (ص)، فتمنيتُ أن أرى رؤيا، فأقصها على رسول الله (ص)، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله (ص)، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيء البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس عرفتُهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي: لن تُراع. فقصصتها على حفصة؛ فقصّتها حفصة على رسول الله (ص)، فقال: ((نعم العبد عبد الله، لو كان يصلي من الليل)).
فكان (ابن عمر) بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً)) ( ).
رضي الله عن ابن عمر؛ كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته( ).
كان له (ض) مهراس ( ) فيه ماء فيصلي فيه ما قُدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيُغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة ( ).
عن سعيد بن جبير (رح) قال: لمّا احتُضر ابن عمر، قال: ما آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنار يعني الحجاج ( ).
ومن انشرح صدره بقيام الليل أبو رفاعة العدوي تميم بن أسيد (ض).
قال الإمام الذهبي (رح): كان أبو رفاعة ذا تعبد وتهجد ( ).
وكان أبو رفاعة (ض) يقول: ما عزبت عني سورة البقرة منذ علّمنيها رسول الله (ص)، أخذتُ معها ما أخذتُ من القرآن، وما وجع ظهري من قيام الليل قط ( ).
ومنهم عامر بن عبد قيس التميمي، الولي الزاهد،(رح):
قال قتادة: لما احتُضر عامر بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكى جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل)) ( ).
ومنهم مسروق بن الأجدع، أبو عائشة الهمداني، الإمام القدوة (رح):
روى شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال: حجّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه حتى رجع ( ).
وروى أنس بن سيرين، عن امرأة مسروق قالت: كان مسروق يصلي حتى تورّم قدماه، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه ( ).
وقال سعيد بن جبير، قال لي مسروق: ما بقي شيء يُرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب، وما آسي علي شيء، إلا السجود لله تعالى ( ).
ومنهم عروة بن الزبير، الصابر المحتسب (ض) وعن أبيه:
عن ابن شوذب قال: كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله، وكان قد وقع فيها الآكلة فنُشرت)) ( ).
وعن هشام بن عروة ـ رحمهما الله تعالى ـ أن أباه وقعت في رجله الآكلة، فقيل: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم؛ فقالوا نسقيك شرابًا يزول فيه عقلك؟ فقال: امض لشأنك، ما كنت أظن أن خلقًا يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سمعنا له حسًّا؛ فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت، لقد أبقيت، ولئن ابتليت، لقد عافيت، وما ترك جزءه بالقرآن تلك الليلة ( ))).
ومنهم صفوان بن سليم (رح):
قال علي بن المديني (رح) كان صفوان بن سليم يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم)) ( ).
وقال الإمام مالك (رح): كان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقظ بالحرّ والبرد، حتى يصبح، ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم، وإنه لترم رجلاه حتى يعود كالسِّقط من قيام الليل، ويظهر فيه عروق خضر ( ).
وعن أنس بن عياض (رح) قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة)) ( ).
وعن سفيان بن عيينة (رح) قال: حلف صفوان ألا يضع جنبه بالأرض حتى يلقي الله، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين عامًا، فلما حضرته الوفاة، واشتد به النزع وهو جالس؛ فقالت ابنته: يا أبة لو وضعت جنبك، فقال: يا بنية إذًا ما وفيتُ لله بالنذر والحلف فمات، وإنه لجالس.
قال سفيان: فأخبرني الحفّار الذي يحفر قبور أهل المدينة، قال: حفرت قبر رجل؛ فإذا أنا قدو قعتُ على قبر فوافيتُ جمجمة، فإذا السجود قد أثر في عظام الجمجمة، فقلت لإنسان قبر من هذا؟ فقال: أو ما تدري؟ هذا قبل صفوان بن سليم)) ( ).
ومنهم أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها (رح): قال ابنه يونس: كان أبي يقرأ كل ليلة ألف آية ( ).
وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق: يا معشر الشباب اغتنموا يعني: قوتكم وشبابكم قلّما مرّت بي ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر والإثنين والخميس ( ).
ومنهم منصور بن المعتمر السُّلمي، أحد الأعلام (رح):
عن أبي الأحوص (رح) قال: قالت بنت لجار منصور بن المعتمر: يا أبة أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال: يا بنية ذاك منصور، كان يقوم الليل)) ( ).
وقال أبو بكر بن عياش (رح): رحم الله منصورًا، كان صوامًا قوَّامًا( ).
وقال زائدة بن قدامة: إن منصورًا صام أربعين سنة، وقام ليلها، وكان يبكي؛ فتقول له أمه: يا بني؛ قتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعتُ بنفسي، فإذا كان الصبح، كحل عينيه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه، وخرج إلى الناس( ).
ومنهم الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام (رح):
قال (رح): من أطال قيام الليل، هوّن الله عليه وقوف يوم القيامة ( ).
قال أبو مسهر (رح): كان يحيى الليل صلاة وقرآنا وبكاء. وأخبرني بعض إخواني ( ) من أهل بيروت، أن أمّه كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مصلاّه، فتجده( ) رطبًا من دموعه في الليل.
وقال الوليد بن مسلم (رح): ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي ( ).
ومنهم البخاري محمد بن إسماعيل، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في زمانه (رح):
قال بكر بن منير (رح): كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضي الصلاة؛ قال: انظروا أيسن آذاني)) ( ).
وقال محمد بن أبي حاتم الوارق: كان أبو عبد الله يصلي في وقت السّحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم. فقلت: أراك تحمل على نفسك، ولم توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك ( ).
* * *
ومن أسباب انشراح الصدر الشجاعة، ((فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له، ولا سرور، ولا لذة له، ولا نعيم، إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأمّا سرور الروح، لذّتها، وابتهاجها، فمحرَّم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودينه، متعلق القلب بغيره، وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضًا وجنة، وذلك الضيق والحصر، ينقلب في القبر عذابًا وسجنًا، فحال العبد في القبر، كحال القلب في الصدر، نعيمًا وعذابًا، وسجنًا وانطلاقًا، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا يضيق صدر هذا العارض، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المعوّل على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه، وحبسه، فهي الميزان، والله المستعان ( ).
((فإن القلب عند الشدائد والأهوال لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاء، وهو كثير في أشعارهم كما قال:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقد نهلت منّي المثقفة السمر
وقال غيره:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
والسُّر في هذا ـ والله أعلم ـ أن عند مصائب الشدائد والأهوال؛ يشتدخوف القلب من فوات أحب الأشياء إليه، وهي حياته التي لم يكن يؤثرها إلاّ لقربه من مح