بدر الغريبي
28/09/2005, 06:11 PM
صهيل الصمت
دهشة دائمة...وميض كالبرق ينبت في عيونه المتوهجة..التي لا تؤمن بكل ما يُقال...ولا تبتلع النصائح الموشاة
بالخوف عليه...لم يفكر بامتطاء القمر أرجوحة, ولا باللعب بالثلج, ولا ينتظر بائع غزل البنات
..إنه رجل..رجل في ذاته..لم يطفئ شموع العشرين منذ أشهر, بل كانت الأعوام الثمانية هي التي أطفأ شموعها..لا أحد يدري كيف يكبر الأطفال دون أن تمر بهم السنون!
إعصار صامت في صدره يتنفس ببطء- بعد كل نشرة أخبار على الشاشة الصغيرة- بينما سحابة دمع بريئة تخيم على وهج عينيه فيخفيها بأنامله الغضة , ويغيظه جداً أن يشعر بأنه وحده في هذا الألم.
.فتية بعمره يقصفون...دمىً تتناثر بين أشلاء البيت...أحلام بريئة تذدوها الرياح..شباب يقتلون..رصاص..دم وهدم..
ثم تساؤلات لم يكن ليبح بها أمام والديه اللذين يعتبرانه صغيراً على هذه الأمور..
أي صقيع يغلف قلوب الأمة؟؟
هكذا كان يتأفف صامتاً , حتى أخيه الأكبر سليمان يلوذ بصمت كأبي الهول الذي أمسى مملا للصغير فارس , عقليته الوردية ترفض هذا الصمت الذي يعتبره مطعماً بالهزيمة , لن يكون كاخيه سليمان ووالديه المذعورين عليه.
هذه المشاهد اليومية الحزينة بمأساويتها بلورت في فكره صورة غاضبة عما يجري , وهواء ساخن يعصف بذاكرته ..وتصميم صارخ في داخله "لن أكون إلا بطل" هكذا قرر فارس واستسلم للنوم وأحلام كالسنديان تكبره بأعوام.
وتكون صبيحة اليوم التالي كسابقتها ..مواجهات..حصار..دخان ..غاز مسيل للدموع..إسعاف هنا وهناك وملاحقات..وأبطال هذه المعركة شباب وأطفال كسنبلة قمح, يزدادون يوماًبعد يوم , وها هو "فارس" يتجند طوعاً مصمماً على البداية الفعلية للإعصار المكبوت في صدره منذ فترة..يندفع بكل قوة..يحمل سلاحه مفتخراً به , يلقمه الحجر تلو الآخر نحو جنود الاحتلال , فكره الصغير يوحي له بانتصار كبير.. خلايا الغضب تتكاثر في رأسه وتنشر أبواقها نواقيساً تهز الذاكرة بعنف, لتتناثر الصور التي استجمعها من التلفاز ,
تُستحضر الطفلة إيمان حجو التي أبكته مراراً في الليل ,
والدرة الذي أشعل فتيل الغضب في ذاته ,
فتشتد اطرافه , ويقذف بقوة أكبر عله يصيب إحدى هذه الجماجم التي تحتمي بخوذ هي لولاها هشة جبانة ,
رصاص اليوم ليس ككل الرصاص...رصاص ملون بالدم , يخترق الهواء مزمجراً قاصداً صدر أحدهم أو رأسه.
وفجأة .........يقترب الجنود أكثر..أكثر..وهاهم يقررون إيقاف النزال بملاحقة الشبان والأطفال لإلقاء القبض عليهم...
ويركض فارس...يجند أطرافه للحب..وللحرب , هكذا زرعوا بوحشيتهم في صدور البراءة انتقام وكره وثأر لن يخمدوه بأسلحتهم , وتوحي له مخيلته بفكرة الانفراد بالمعركة قليلاً , ودون تريث وأي تريث لطفل الثامنة؟ ينطلق إلى أحد الأزقة ليكون وجهاً لوجه أمام جندي مدجج متأهب, لم يدر كيف قفز هذا الطفل الشقي بين يديه , وتعابير ذعر ترتسم على وجهه القاسي وتجحظ عيناه من الدهشة..في ذات اللحظة التي تظهر فيها مشاعر الزهو والفخر عند الصغير, وتلمع عيناه اللتان لم تترك للخوف مكانا في سجنهما , وينمو في عينيه مخلوق غريب ..تفقد فيه الأشياء اغشيتها...وتذوب في جسد بعضها ..وخطوط متضاربة بلا ألوان...كل هذا طفل فلسطيني يحمل وحده مخلوقاً كهذا في عينيه؟؟؟!!
سأكون أنا البطل , وتنفرج شفتاه عن بسمة هي الأروع في هذا المشهد الغريب..تم هذا في لحيظات موجزة..يسترد خلالها الجندي أنفاسه , ويصوب البندقية نحو صدر الطفل مهدداً إذ أنه في موضع للدفاع عن النفس؟؟!!! دون ان يستطيع أن يلمس بجبروته شيئاً من صمود الطفل وزهوه بنصره حتى اللحظة....يقترب...يركز نظره على عدسة البندقية..يحرك الزناد....هنا يبهت وجه فارس ..ويزحف الجليد نحو عينيه...يقترب من فمه...نحو كل حواسه في لحظات باهتة...ثم صوت رصاصة تئز تستنفر ما سكن في جسده الضئيل...ويأبى أن يناله الردى في لحظة جبن يرفضها ؟ يبتعد ويتلفت ..إذ أنه لا زال حيا يتنفس..فلمن كانت الرصاصة إذن؟؟ فيفاجأ بكاميرا تصوير لصحفي يرصد الحدث حياً وقد تناثرت بقاياها هناك...فقسوة الجندي تابى ان تـُشهد عليها العالم , ويصرالطفل
على الاستمرار قدماً , لن يستسلم ومطر أسود في عيون الامهات, وتتضخم خطواته , تصير بحجم الاحلام المعتقلة في صدور الأطفال, تصر على تفتيت حصاة الأرض ليبعث في ذراتها تحت قدميه لون الغضب المستور بالحزن, سيطلب من أمه ان تحتفل اليوم بميلاده ...سيهز أخيه سليمان بيديه...سيطلق زفرات من غضبه حرى علها تحطم قدسية الصمت في صدر أخيه...أفكار منتفضة في داخله تبتلع بين ثناياها بعد المسافات وتوصله الى حيث الأم لهفى تنتظر ولداها, نظراته العميقة تبخر غيمة حزن سادت عينيها, وتستبدلها بقلق غريب , ثم نظرات موجهة لحيث خبر في نشرة الأخبار عن عملية استشهادية في قلب تل الربيع(تل أبيب) ولا صور عن الحادث سوى حول أشلاء منفذها الذي حوّل جسده المشبع بشذى التقوى لشظايا ملتهبة تصهر عدوه, ويحدق
فارس ..يكبر..يكبر..بينما ترقبه أمه وقد بدأت نظرات الرعب ترسم ظلالها في عينيها..لم يعد الطفل هو...لم يعد فارس يبكي حين يسمع الأخبار؟؟؟؟
وتنبس الشفتان الرقيقتان لتناجي أخيه سليمان ..ليتك تنظر رعبهم وفزعهم..أخي تحتاج أنت أيضا قدراً من الهواء المغلي ليحرق صمتك الذي يستفزني , وتمتد أنامل الأم تتخلل خصلات شعره المتعرقة وتسأل : ألم تره اليوم؟ ويُبتر الجواب بخبر عاجل يزهو بلونه المميز يسطع على شاشة التلفاز يحرق كل الكلمات ويفرض الصمت المشوب بالانتظار بتبنٍ من كتائب عز الدين القسام عن الحادث وإعلان عن اسم الشهيد المنفذ البطل..سليمان جابرالأحمد... ودهشة أم ثكلى وزلزال ينبثق في صدر فارس مؤنباً.....وحقيقة شامخة تولد في صدره الغض ..الصمت أبلغ وسيلة!!!.
دهشة دائمة...وميض كالبرق ينبت في عيونه المتوهجة..التي لا تؤمن بكل ما يُقال...ولا تبتلع النصائح الموشاة
بالخوف عليه...لم يفكر بامتطاء القمر أرجوحة, ولا باللعب بالثلج, ولا ينتظر بائع غزل البنات
..إنه رجل..رجل في ذاته..لم يطفئ شموع العشرين منذ أشهر, بل كانت الأعوام الثمانية هي التي أطفأ شموعها..لا أحد يدري كيف يكبر الأطفال دون أن تمر بهم السنون!
إعصار صامت في صدره يتنفس ببطء- بعد كل نشرة أخبار على الشاشة الصغيرة- بينما سحابة دمع بريئة تخيم على وهج عينيه فيخفيها بأنامله الغضة , ويغيظه جداً أن يشعر بأنه وحده في هذا الألم.
.فتية بعمره يقصفون...دمىً تتناثر بين أشلاء البيت...أحلام بريئة تذدوها الرياح..شباب يقتلون..رصاص..دم وهدم..
ثم تساؤلات لم يكن ليبح بها أمام والديه اللذين يعتبرانه صغيراً على هذه الأمور..
أي صقيع يغلف قلوب الأمة؟؟
هكذا كان يتأفف صامتاً , حتى أخيه الأكبر سليمان يلوذ بصمت كأبي الهول الذي أمسى مملا للصغير فارس , عقليته الوردية ترفض هذا الصمت الذي يعتبره مطعماً بالهزيمة , لن يكون كاخيه سليمان ووالديه المذعورين عليه.
هذه المشاهد اليومية الحزينة بمأساويتها بلورت في فكره صورة غاضبة عما يجري , وهواء ساخن يعصف بذاكرته ..وتصميم صارخ في داخله "لن أكون إلا بطل" هكذا قرر فارس واستسلم للنوم وأحلام كالسنديان تكبره بأعوام.
وتكون صبيحة اليوم التالي كسابقتها ..مواجهات..حصار..دخان ..غاز مسيل للدموع..إسعاف هنا وهناك وملاحقات..وأبطال هذه المعركة شباب وأطفال كسنبلة قمح, يزدادون يوماًبعد يوم , وها هو "فارس" يتجند طوعاً مصمماً على البداية الفعلية للإعصار المكبوت في صدره منذ فترة..يندفع بكل قوة..يحمل سلاحه مفتخراً به , يلقمه الحجر تلو الآخر نحو جنود الاحتلال , فكره الصغير يوحي له بانتصار كبير.. خلايا الغضب تتكاثر في رأسه وتنشر أبواقها نواقيساً تهز الذاكرة بعنف, لتتناثر الصور التي استجمعها من التلفاز ,
تُستحضر الطفلة إيمان حجو التي أبكته مراراً في الليل ,
والدرة الذي أشعل فتيل الغضب في ذاته ,
فتشتد اطرافه , ويقذف بقوة أكبر عله يصيب إحدى هذه الجماجم التي تحتمي بخوذ هي لولاها هشة جبانة ,
رصاص اليوم ليس ككل الرصاص...رصاص ملون بالدم , يخترق الهواء مزمجراً قاصداً صدر أحدهم أو رأسه.
وفجأة .........يقترب الجنود أكثر..أكثر..وهاهم يقررون إيقاف النزال بملاحقة الشبان والأطفال لإلقاء القبض عليهم...
ويركض فارس...يجند أطرافه للحب..وللحرب , هكذا زرعوا بوحشيتهم في صدور البراءة انتقام وكره وثأر لن يخمدوه بأسلحتهم , وتوحي له مخيلته بفكرة الانفراد بالمعركة قليلاً , ودون تريث وأي تريث لطفل الثامنة؟ ينطلق إلى أحد الأزقة ليكون وجهاً لوجه أمام جندي مدجج متأهب, لم يدر كيف قفز هذا الطفل الشقي بين يديه , وتعابير ذعر ترتسم على وجهه القاسي وتجحظ عيناه من الدهشة..في ذات اللحظة التي تظهر فيها مشاعر الزهو والفخر عند الصغير, وتلمع عيناه اللتان لم تترك للخوف مكانا في سجنهما , وينمو في عينيه مخلوق غريب ..تفقد فيه الأشياء اغشيتها...وتذوب في جسد بعضها ..وخطوط متضاربة بلا ألوان...كل هذا طفل فلسطيني يحمل وحده مخلوقاً كهذا في عينيه؟؟؟!!
سأكون أنا البطل , وتنفرج شفتاه عن بسمة هي الأروع في هذا المشهد الغريب..تم هذا في لحيظات موجزة..يسترد خلالها الجندي أنفاسه , ويصوب البندقية نحو صدر الطفل مهدداً إذ أنه في موضع للدفاع عن النفس؟؟!!! دون ان يستطيع أن يلمس بجبروته شيئاً من صمود الطفل وزهوه بنصره حتى اللحظة....يقترب...يركز نظره على عدسة البندقية..يحرك الزناد....هنا يبهت وجه فارس ..ويزحف الجليد نحو عينيه...يقترب من فمه...نحو كل حواسه في لحظات باهتة...ثم صوت رصاصة تئز تستنفر ما سكن في جسده الضئيل...ويأبى أن يناله الردى في لحظة جبن يرفضها ؟ يبتعد ويتلفت ..إذ أنه لا زال حيا يتنفس..فلمن كانت الرصاصة إذن؟؟ فيفاجأ بكاميرا تصوير لصحفي يرصد الحدث حياً وقد تناثرت بقاياها هناك...فقسوة الجندي تابى ان تـُشهد عليها العالم , ويصرالطفل
على الاستمرار قدماً , لن يستسلم ومطر أسود في عيون الامهات, وتتضخم خطواته , تصير بحجم الاحلام المعتقلة في صدور الأطفال, تصر على تفتيت حصاة الأرض ليبعث في ذراتها تحت قدميه لون الغضب المستور بالحزن, سيطلب من أمه ان تحتفل اليوم بميلاده ...سيهز أخيه سليمان بيديه...سيطلق زفرات من غضبه حرى علها تحطم قدسية الصمت في صدر أخيه...أفكار منتفضة في داخله تبتلع بين ثناياها بعد المسافات وتوصله الى حيث الأم لهفى تنتظر ولداها, نظراته العميقة تبخر غيمة حزن سادت عينيها, وتستبدلها بقلق غريب , ثم نظرات موجهة لحيث خبر في نشرة الأخبار عن عملية استشهادية في قلب تل الربيع(تل أبيب) ولا صور عن الحادث سوى حول أشلاء منفذها الذي حوّل جسده المشبع بشذى التقوى لشظايا ملتهبة تصهر عدوه, ويحدق
فارس ..يكبر..يكبر..بينما ترقبه أمه وقد بدأت نظرات الرعب ترسم ظلالها في عينيها..لم يعد الطفل هو...لم يعد فارس يبكي حين يسمع الأخبار؟؟؟؟
وتنبس الشفتان الرقيقتان لتناجي أخيه سليمان ..ليتك تنظر رعبهم وفزعهم..أخي تحتاج أنت أيضا قدراً من الهواء المغلي ليحرق صمتك الذي يستفزني , وتمتد أنامل الأم تتخلل خصلات شعره المتعرقة وتسأل : ألم تره اليوم؟ ويُبتر الجواب بخبر عاجل يزهو بلونه المميز يسطع على شاشة التلفاز يحرق كل الكلمات ويفرض الصمت المشوب بالانتظار بتبنٍ من كتائب عز الدين القسام عن الحادث وإعلان عن اسم الشهيد المنفذ البطل..سليمان جابرالأحمد... ودهشة أم ثكلى وزلزال ينبثق في صدر فارس مؤنباً.....وحقيقة شامخة تولد في صدره الغض ..الصمت أبلغ وسيلة!!!.