مشاهدة نسخة كاملة : روايــــــــــــــــــ واإسلاماه ـــــــــــــــــــــــــة


[ سليل المجد ]
26/05/2007, 06:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

أحببت أن أنقلكم رواية جميلة قرأتها وهي رواية ليالي تركستان الشرقية لنجيب الكيلاني ، ولكن للأسف لم أحصل عليها لأني قرأتها قديماً ولم أجدها في المكتبات ، فبحثت عن البديل فوجدت رواية واإسلاماه لعلي أحمد باكثير وهي رواية جميلة وممتعة ..

سأقوم بتقسيمها إلى أجزاء ليسهل عليّ كتابتها أولاُ ، وثانياً إذا لم أجد أي تفاعل أو إقبال لن أكملها بل سأقف ..

سأكتب الآن المقدمة ونصف الفصل الأول ..

والاستمرار رهن التفاعل ..

وأرجوا من الله أن تنال إعجابكم ..

أخوكم صقر الأندلس ..

إلى الرواية ...

******

بسم الله الرحمن الرحيم

(قل إن كان آباؤكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين))

هذه قصة تجلو صفحة رائعة من صفحات التاريخ المصري في عهد من أخصب عهوده وأحفلها بالحوادث الكبرى والعبر الجلى ، يطل منها القارئ على المجتمع الإسلامي في أهم بلاده من نهر السند إلى نهر النيل وهي يستيقظ من سباته الطويل على صليل سيوف المغيرين عليه من تتار الشرق وصليبي الغرب ، فيهب للكفاح والدفاع عن أنفس ما عنده من تراث الدين والدنيا .
ويشاء الله أن تحمل مصر لواء الزعامة في هذا الجهاد الكبير ، فتحمي تراث الإسلام المجيد بيومين من أيامها عظيمين كلاهما له ما بعده : يوم الصليبين في فارسكور ، ويوم التتار في عين جالوت.
وبطلها الملك المظفر قطز يضرب بنزاهته وعدله ، وشجاعته وحزمه ، وصبره وعزمه ، ووفائه وتضحيته ، وحنكته السياسية وكفايته الإدارية ، وإخلاصه في خدمة الدين والوطن مثلا عاليا للحاكم المصلح ، والرجل الكامل .
وهي بعد شهادة ناطقة بأن في هذا الشعب الوديع الذي يسكن على ضفاف النيل قوة كامنة إذا وجدت من يحسن استثارتها والانتفاع بها أتت
بالعجائب ، وقامت بالمعجزات.


للرواية بقية
**********************
الفصل الأول
قال السلطان جلال الدين ذات ليلة للأمير ممدود ابن عمه وزوج أخته ، وكان يلاعبه الشطرنج في قصره بغزنة : (( غفر الله لأبي وسامحه ! ما كان أغناه عن التحرش بهذه القبائل التترية المتوحشة ، إذن لبقيت تائهة في جبال الصين وقفارها ، ولظل بيننا وبينهم سد منيع)).
فنظر إليه ممدود وقد أدرك أن جلال الدين يريد أن يطوى بساط الشطرنج ، فقال له: ( أجل يا مولاي ، إن عمي خوارزم شاه أخطأه التوفيق فيما ذكرت من إثارة هذه القبائل التترية ، ولكني أرى أنه ليس لنا أن نلومه إلا بمقدار ، فقد كان رحمه الله أعظم ملوك عصره وأوسعهم ملكا وأشدهم قوة ، وكان لابد له من التوسع المطرد لئلا يعطل جنوده وجحافله عن العمل ، فآثر أن يكون ذلك في بلاد لم يدخلها الإسلام بعد ، حتى يجمع بذلك بين خدمة دنياه بتوسيع رقعة ملكه ، وخدمة دينه بنشر الإسلام في أقصى البلاد)).
فقال له جلال الدين وقد بدا على وجهه التأثر والحزن العميق:
(ولكن ماذا جنى عمك من هذا يا ممدود ، غير فقدان الجزء الأعظم من مملكته ، وإغراق بلاد الإسلام بهذا الطوفان العظيم من التتار المشركين ؟ وأخشى أن يكون أبي مسئولا عن هذا كله أمام ربه)
- حسبه أنه جاد بنفسه في سبيل الدفاع عن بلاد الإسلام ، فقد ظل يقاتلهم ويجالدهم جلاداً لا هوادة فيه ، إلى أن كبا به الحظ ، فمات شريداً وحيداً في جزيرة نائية.
- ليت الأمر ينتهي عند وجوده بنفسه ، إذن لبكينا ملكا عظيما عز علينا فراقه ، واحتسبناه عند الله والدا كريما آلمنا فقده ، ولكن لمصيبته ذيولاً لا أحسبها تنتهي حتى تجري دماء المسلمين أنهارا ، وتشتعل سائر بلادهم نارا.
إن هؤلاء التتار لرسل الدمار والخراب ، وطلائع الفساد ، لا يدخلون مدينة حتى يدمروها ويأتوا فيها على الأخضر واليابس ، ولا يتمكنون من أمة حتى يقتلوا رجالها ، ويذبحوا أطفالها ، ويبقروا بطون حواملها ، ويهتكوا أعراض نسائها ...
وهنا طغى البكاء على جلال الدين ، وعاقة برهة عن الاستمرار في كلامه ، ففهم ممدود ما جال بخاطره ، ولم يلبث أن شاركه في البكاء فاستخرطا فيه، وما كان بكاؤهما لأمر هين ، فقد تذكرا ما وقع لنسوة من أهلهما فيهن أم خوارزم شاه وأخواته ، فقد بعثهن خوارزم شاه من الرى ، حين تفرق عنه عسكره وأيقن بالهزيمة ، ليلحقن بجلال الدين في غزنة ، وبعث معهن أمواله وذخائره ، التي لم يسمع بمثلها ، فاتصل ذلك بعلم التتار فتعقبوهن ، وقبضوا عليهن في الطريق ، فأرسلوا مع الذخائر والأموال إلى جنكيز خان بسمرقند.
ومسح جلال الدين دموعه وطفق يقول : ( أواه يا ممدود ! ليس في الدنيا مصيبة أعظم من مصيبتنا ، أبعد العز الرفيع ، والحجاب المنيع ، تساق والدة خوارزم شاه وأخواته إلى طاغية التتار ؟ كل فاجعة في الحياة تهون إلا هذه ، أي لذة تبقى في العيش بعد تركان خاتون؟ ليت شعري ما جالهن هناك؟ كيف يعشن بين أولئك الوحوش ! يا ليت أبي قتلهن بيده ، أو وأدهن في التراب ، أو ألقاهن في اليم ، خيرا من أن يقعن سبايا في أيدي القوم ، ويلقين الذل والهوان عندهم ، وما أشك أنه مات في الجزيرة غمًّا حين بلغه أمرهن.
- الله لهن يا مولاي ! لعل الله أن يستنقذهن من أيديهم بسيفك وسيوفنا معك.
- هيهات يا ممدود ! أبعد أن دانت لهم خراسان كلها ، ودخلوا الري ، وملكوا همدان ، وعصفوا برنجان وفزوين ، واتخذ طاغيتهم سمرقند قاعدة له يبعث منها جيوشه وسراياه في البلاد ، تطمع في أن نغلبهم بسيوفنا ونجليهم عن بلادنا؟ لقد كان لوالدي عشرون ألفا من الفرسان في بخارى ، وخمسون ألفا في سمرقند ، وأضعافهم معه ، فما أغنت تلك الجحافل الجرارة عنه شيئاً ، وهو ما هو في سجاعته وبأسه ، ونفوذه وصرامته ، فما ظنك بي و أنا دونه في كل شيء ، وقد قوي التتار وعظم سلطانهم في البلاد.
- إنك ابن خوارزم شاه ، ووارث ملكه وخليفته على بلاده ، وما يكون لك أن تيأس من هزيمة عدوه ، وطرده من بلاد رعاياه.
ولقد كانت الحرب بين أبيك وبين هؤلاء سجالا ، فتارة يهزمهم وتارة يهزمونه ، حتى نفذ القضاء فيه لأمر طواه الله في علمه ، فمات شهيداً في جزيرة نائية ، ولكن لم يمت سره فهو حي فيك ، ومن يدري لعل الله ينصر بك الإسلام والمسلمين ، ويجعل نهاية الأعداء على يديك.
- إن خليفة المسلمين ، وملوكهم وأمراءهم في بغداد ومصر والشام ، يعلمون بما حصل ببلادنا من نكبة التتار ، وقد استنجد بهم أبي مراراً فلم ينجدوه ولم يصغوا لندائه ، فدعهم يذوقوا من وبالهم ما ذقنا ، وحسبي أن أدفع شرهم عن البلاد التي ملكني عليها أبي فلا أدعهم يخلصون إليها.
- إن ملوك المسلمين وأمراءهم في مصر والشام مشغولون برد غارات الصليبين الذي لا يقلون عن التتار خطرا على بلاد الإسلام ، فلهم وحشية التتار وهمجيتهم ، ويزيدون عليهم بتعصبهم الديني الذميم ، وهم لا يغزون أطراف بلاد الإسلام ، ولكنهم يغزونها في صميمها.
- لقد كان هذا الذي تذكره في عهد صلاح الدين الأيوبي ، وأستاذه نور الدين قدّس الله روحيهما ، أما من بعدهما من ملوك مصر والشام فإنهم مشغولون بقتال بعضهم بعضا وكيد بعضهم لبعض ، ولا يجدون حرجاً من أن يستنجد أحدهم الصليبين على منافسة من ملوك المسلمين ، والله لولا التتار على الأبواب لدلفت إلى أولئك الملوك الخائنين ، فضربت أعناقهم وأستصفيت بلادهم ، وانتقمت منهم لأبي ، إذ استنجدهم فلم ينجدوه.
- ما عليك من هؤلاء فحسابهم على الله ، وإن كلاّ منّا لعلى ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين الإسلام من قِبله ، وعسى الله أن يجعل من أبيك الشهيد ومنك في شرق بلاد الإسلام ، مثل نور الدين وصلاح الدين في غربها ، فهيا بنا نجمع جموعنا فنناجز هؤلاء التتار قبل أن يصلوا إلينا .
- قد قلت لك إني سأحصن حدود بلادي وأمنعها منهم وسأضطرهم بذلك إلى تركها والتوجه إلى الغرب حيث ملوك الإسلام المتقاعدون.
- إنك لن تستطيع حماية بلادك منهم إذا غزوك في عقرها ما لم تمش إليهم فتلقهم دونها بمئات الفراسخ ، فإن أظهرك الله عليهم فذاك ، وإن تكن الأخرى كان لك من بلادك ظهر تستند إليه وتستعد فيه ، وبعد ، فإن جنكيذ خان لن يتوجه إلى الغرب حتى يفرغ من الشرق ، ولن يمس العراق والشام حتى يقضي على ممالك خوارزم شاه أجمعها.
فأطرق جلال الدين هنيهة ، وطفق يعرق جبينه بيده كأنه يدير في رأسه موازنة بين رأيه ورأي ابن عمه ، ثم رفع رأسه وقال : ( لا حرمني الله صائب رأيك يا ممدود ، فما زلت تحاجني حتى حججتني ، وهأنذا مقتنع بسدد رأيك ، وماض لما تشير به عليّ ، وحسبي أنك ستكون يدي اليمنى فيما أنهض به من الأمر.
- سأكون يا بن عمي ويا مولاي أطوع لك من خاتم في يدك ، وسأقاتك حتى أقتل دونك.
- إنك لم تدع لي في قتال هؤلاء عذراً يا ممدود ، رحم الله أبي ! لقد ورثني ملكاً لا يغبط صاحبه عليه ، وحملني عبئا ثقيلاً.
- سيكون لك من معونة الله وتوفيقه ، إذا أخلصت الجهاد في سبيله ، ما يشرح لك صدرك ، ويضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ، ويرفع لك بهزيمة التتار ، عند الله وعند الناس ذكرك !
فتبسم جلال الدين ، وتهللت أساريره من البشر، وقال ( بشرك الله بالخير يا ممدود) إن الله تعالى يقول : ( فإن مع العسر يسر ، إن مع العسر يسر ، فإذا فرقت فانصب ، وإلى ربك فرغب ).
ثم رفع يديه إلى السماء وقال : ( اللهم إني أرغب إليك فوفقني لما تحبه وترضاه).
وكان الليل قد انتصف إذا ذاك ، وشعر ممدود أن قد آن أن ينصرف إلى قصره ليأخذ جلال الدين قسطه من الراحة ، فجمع قطع الشطرنج في صندوقها الذهبي المرصّع بالجواهر ، ووضعه في صندوق آخر من الأبنوس المطعم بالعاج ، وقام من مجلسه فقبّل رأس جلال الدين واستأذنه في الانصراف ، فقام له جلال الدين ليشيعه إلى باب البهو كعادته ، ولكن حلا لجلال الدين إذ ذاك أن يمشي مع رفيقه إلى نهاية الحديقة التي تفصل بين قصره وبين القصر الذي ينزل فيه ممدود وأهله .
فأراد ممدود أن يصرفه عن ذاك قائلاً : ( حسبك يا بن عمي ، إنك بحاجة إلى النوم لتنشط غداً لما أنت بسبيله).
فقال له جلال الدين : ( دعني يا ممدود أتجول معك قليلاً في الحديقة ، أستنشق هواءها العذب وأتمتع بجمالها في هذه الليلة القمراء ، فمن يدري لعل بدر التم لا يطلع عليها بعد ليلتنا هذه وأنا في هذا القصر).
فأخذ ممدود بيد جلال الدين ونزل معه السلم المرمري وهو يقول له: ( بل أبقى الله قصورك عامرة بك يا مولاي ) . حتى انتهيا إلى الدهليز حيث وجدا الحرس قائمين بالخدمة ، فأشار لهم جلال الدين أن يبقوا مكانهم ، وانحدر مع ممدود إلى الحديقة ، فأخذا يمشيان بين الكروم والأشجار في ممرات تفصل بينها مفروشة بالرمل الناعم الأصفر ، وكانت السماء صافية الأديم ، والبدر يرسل لأشعته البيضاء على غصون الشجر ، فيتألف من ذلك مزاج من اللونين ، رفيق بالعين ، ترتاح إلى رونقه الحالم البهيج ، وعلى الكروم المعروشة فتبدو عناقيد العنب كأنها عقود من اللؤلؤ المنضود ، وعلى أشجار التفاح بثمارها المتهدلة كأنها حسان خِفرات غازلها القمر العابث فأخذت تلوذ منه بورق الغصون ، ويسقط فضل أشعته على الأرض فينثر فيها دنانير تمنع الكف ما تيح العيون .
وتذكر جلال الدين أخته جهان خاتون فسأل زوجها عن حالها ، فإنه لم يرها منذ أيام ، فأجابه ممدود: ( هي في رعاية الله ورعايتك بخير ، وما منعها من المجيء إليه إلا ثقل الحمل ).
- ( أجل .... لطف الله بها وبزوجتي عائشة خاتون ، فإنهما في شهرهما التاسع ، فبلّغها تحيتي ، وعسى أن أتمكن من زيارتكم غداً إن شاء الله )
- سنكون سعداء باستقبالك يا مولاي
- ها نحن أولاء قد وصلنا إلى قصرك .
- ما يكون لي أن أدعك ترجع وحدك ، ولكني أرافقك إلى قصرك كما رافقتني إلى قصري .
- فشكره جلال الدين وأعفاه من ذلك ، ولكن ممدوداً أبى إلا أن يرافقه في عودته إلى قصره ، فرجعا في طريقهما معاً حتى إذا بلغا دهليز القصر حيث الحرس واقفون ، قال جلال الدين وهو يبتسم : ( هل لي أن أرافقك أيضاً يا ممدود ؟))
فضحك ممدود وقال له : ( إذن ينقضي ليلنا جيئة وذهابا في الحديقة )) ، وودعه وانصرف إلى قصره .

للرواية بقية

بقايا أندلس
26/05/2007, 07:07 PM
بوركت أخي ...

اختيار موفق..

نشكر لك مجهوداتك..

أفنان الأمل
26/05/2007, 08:33 PM
جزاك الله ألف خير

اختيار موفق وجهد مبذول

نسأل الله أن تؤجرون على كل حرف

نتمنى منكم المتابعة

وتم التصويت

بحوري
26/05/2007, 08:37 PM
جميلة

بانتظار الكمالية

بارك الله فيك

@رحـال الـعـمـر@
27/05/2007, 01:45 AM
جزاك الله خيرا على المشاركة الرائعة

ومزيدا من التقدم والإبداع

[كـ ريحٍ هبّت]
27/05/2007, 02:17 AM
يستحق التميز بجدارة
أتمني أن تضع الحلقات كاملة في موضوع مستقل أو ترفع لنا الملف كاملاً
ليتسني للجميع قرآءته ولك الأجر

Rooby 5
27/05/2007, 04:36 AM
جزاكـ الله خييير ...

بإنتظـــار بقية الفصول ..

.. تحــــياتي ..

[ سليل المجد ]
27/05/2007, 10:46 AM
أشكركم على المرور و التصويت

بإذن الله سوف نتابع يا أفنان المالك
ولكن ..
سأقوم بتقسيمها إلى أجزاء ليسهل عليّ كتابتها أولاُ ، وثانياً إذا لم أجد أي تفاعل أو إقبال لن أكملها بل سأقف ..

ولكي لا يضيع الجهد والوقت وأصلاً لا يوجد تفاعل ولا قراء لهذه الرواية

***

أشكرك أخوي بحوري وبإذن الله سأقوم بإكمالها إذا وفقت في الكتابة

أشكر أخوي Roody5 و أخي رحال العمر على هذا التفاعل

يستحق التميز بجدارة
أتمني أن تضع الحلقات كاملة في موضوع مستقل أو ترفع لنا الملف كاملاً
ليتسني للجميع قرآءته ولك الأجر

بيني وبينك هتان المطر أنا بحثت عنها في المنتديات و الإنترنت عموماً ولم أجدها مكتوبة ويمكن أني لم أوفق في وجودها ولكن عزمت على كتابتها وهذا يأخذ جهد و وقت

فبإذن الله عند إكمالها سأقوم بوضعها في موضوع مستقل

لكم جزيل الشكر على هذا المرور

ولا تنسونا من التقيمم ( إنتم كرماء وحنا نستاهل )

و ترقبوا الفصل الثاني غداً بإذن الله

الوافي الذهبي
28/05/2007, 07:54 AM
شكرا جزيلا على هذا الموضوع الرائع
وننتظر المزيد
محبكم:
الوافي الذهبي

[ سليل المجد ]
28/05/2007, 03:20 PM
الفصل الثاني

طلَّق جلال الدين ما كان فيه من الدعة والراحة منذ تلك الليلة التي عاهد فيها نفسه على المسير لقتال التتار ، وقضى قرابة شهر وهو يجتهد في تجهيز الجيش وإعداد العدد وتقوية القلاع في مدن بلاده ، وبناء الحصون على طول خط السير ، يعاونه في ذلك صهره ممدود ، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد ، عيّن يوم المسير ، وكان جلال الدين كأغلب ملوك عصره مولعاً باستطلاع النجوم ، فهو يستشير المنجمين كلّما هم بأمر عظيم ، فلما أراد المسير لقتال التتار بعث إلى منجمه الخاص فحضر عنده ، فأمره بالنظر في طالعه ، فقال له المنجم : ( إنك يا مولاي ستهزم التتار ويهزمونك ، وسيولد في أهل بيتك غلام يكون ملكا عظيما على بلاد عظيمة ، ويهزم التتار هزيمة ساحقة)
قال له جلال الدين : ( ماذا تقول؟ .. يهزمني التتار وأهزمهم !)
فسكت المنجم لحظة كالمتهيب لما يقول ثم قال له : ( يا مولاي بل تهزمهم ويهزمونك ).
وكان الأمير ممدود حاضراً ، فأدرك ما ساور جلال الدين من الخوف لما قاله المنجم ، وأشفق على جلال الدين من أن يرجع عن عزمه ، فالتفت إلى المنجم قائلاً: ( يا هذا لا يعلم الغيب إلا الله ، وإنما جئنا بك لتبشر السلطان لا لتخوفه ، وليس السلطان بمن يخاف من تنبؤاتك ).
سكت المنجم هنيهة كمن يقول : ليس هذا بذنبي ولكنه ذنب الكتاب الذي بين يدي ، ثم قال ( إنني عبدالسلطان ، إن شاء صدقته ، وإن شاء بشرته ) .
فقال جلال الدين : ( بل أصدقني ، لا أريد إلا الصدق ، فقل لي متى يولد هذا الغلام الذي ذكرت ؟ ).
فنظر المنجم في كتابه وأخذ يحسب ، ثم قال : ( إنه يولد في خلال هذا الأسبوع).
فنظر جلال الدين إلى ممدود كأنه يعجبه مما يقول المنجم ، ولكن ممدود لا يشاطر جلال الدين العجب ، ويرى أن المنجم لا بد أن يكون قد ألمّ بحمل زوجة السلطان وقرب وضعها ، ولا يعز عليه بعد ذلك أن يتنبأ بأنها ستلد ذكراً ، فإذا ولدت أنثى فلا بأس عليه من ذلك لأنه لم يقل يولد للسلطان ، وإنما قال يولد في أهل بيته ، وأقارب جلال الدين في غزنة وغيرها لا يحصون كثرة ، وربما علم أيضاً أن أخت جلال الدين حبلى متم فيكون احتمال مجيء الغلام من إحدى المرأتين أقوى.
هكذا يرى ممدود في هذا المنجم ، وغيره من المنجمين والضاربين للرمل والقارئين في الكف ، إنهم ليسوا إلا دجالين يدّعون معرفة الغيب بما أوتوا من براعة وفطنة في تبين أحوال من يستفتيهم ، وتقصي أسراره ودخائله ، وعلى قدر هذه الفطنة في تبين أحوال من يستفتيهم ، وتقصي أسراره ودخائله ، وعلى قدر هذه الفطنة والبراعة يوفقون إلى إصابة الحقيقة في تنبؤاتهم وتخرصاتهم.
وخطر لممدود في خلال ذلك خاطر لم يكد يتبينه ويجيل ذهنه فيه حتى ريع لما انطوى عليه من الخطر ، فربما تلد زوجته ذكراً وتلد زوجة جلال الدين أنثى ، فيوغر ذلك صدر جلال الدين عليه ، وربما يذهب به إلى أبعد من ذلك فيحمله على قتل الغلام ولو في السر ، إذا خشي من انتقال ملكه إليه وانقطاعه عن ولده ، فهو يعرف حرص الملوك وتهالكهم على أن لا ينقطع الملك عن نسلهم ، وأنهم لا يتحرجون في ذلك من الفتك بأقرب الناس إليهم وأمسّهم بهم رحما ، ولكنه طرد هذا الخاطر الغريب عن نفسه ، واستعاذ بالله من نزغات الشيطان ، وجعل همه بعد ذلك أن يطعن على التنجيم والمنجمين عند جلال الدين ، ويصرفه عن الاعتقاد بهم والثقة أقوالهم ، وجعل يورد وقائع من التاريخ ، كذبت فيها تخرصات المنجمين ، ومن أبرزها ما اتفق للخليفة العباسي المعتصم بالله لما أراد أن يسير لفتح عمورية من بلاد الروم ، فنهاه المنجم عن السير في ذلك اليوم لأن الطالع ، لم يكن في صالحه ، وأنذره بالهزيمة ، فلم يؤثر ذلك في عزم الخليفة ، وضرب بكلام المنجم عرض الحائط ، وتوجّه ليومه ذاك فكسر جموع الروم وفتح عمورية .
ولكن هذا لم يصرف جلال الدين عن الاهتمام بما قاله المنجم والتفكير فيه ، فكثيراً ما يفرح له ويرى فيه بشارة بانتصاره على التتار ، ولكنه لا يلبث أن يحزن حين يذكر أن التتار يهزمونه في النهاية ، ثم يذكر أمر الغلام فيهون على نفسه الخطب ، ويجد في ذلك بعض العزاء ، إذ يستخرج من ذلك أن المُلك سيدوم في بيته ، وأن هزيمة التتار الكبرى ستتم على يد أحد أبنائه.
ولم يكن الأمير ممدود بأقل من جلال الدين اهتماماً بما تنبأ به المنجم على سوء رأيه فيه وعدم تصديقه به ، فإنه لم يستطع أن يجتث من قلبه الوساوس التي علقت به ، فبقي ذلك الخاطر الغريب يختلج في صدره نهاراً ويؤرقه ليلا ، حتى حرج به وضاق بكتمانه ذرعاً ، فأفضى به إلى زوجته جهان خاتون ، وحدّثها بحديث المنجم ، وشرح لها خوفه من أن تلد هي غلاماً وتلد عائشة خاتون جارية.
فشرَكته جهان خاتون في الخوف ، لما تعلم من طباع أخيها ، ولكنها كتمته في نفسها وتظاهرت لزوجها بأنها لا تخشى شيئاً من ذلك ، لأن أخاها جلال الدين يحبها ويعزها ، ويستحيل أن تمتد يده إلى أبنها بسوء.
وأخذت تدعو الله من يومئذ أن يرزقها ابنة ويرزق أخاها جلال الدين أبناً ، ولكن الله لم يستجب لها ، فلم يمض يومان حتى جاءها الطلق فولدت غلاماً وجاءت زوجة جلال الدين بجارية.
لقد تحقق ما كان يخشاه الأمير ممدود ، فقد تغير جلال الدين لما بشرّ بالأنثى ، وظل وجهه مسوداً وهو كظيم ، وأيقن أن الملك سينتقل إلى ابن أخته ، على وجه من الوجوه فساءه ذلك ، وأحب أن يرى الغلام فذهب إلى قصر أخته ليطمئن على صحتها ، فلما وقع نظره على وليدها وهي ترضعه لم يملك أن يستر عنها التغير البادي في وجهه ، وقرأت في عينه الغدر.
وأرادت جهان خاتون أن تلاطفه بقول يخفف بعض ما يجد في صدره ، فلم تجد ما أرادت من ذلك ، فسكتت واكتفت بنظرة وجّهتها إلى أخيها أودعت فيها كل معاني الحنو و الاستعطاف . وكان زوجها حاضراً فتولّى عنها الكلام فقال: ( إنه ابنك يا مولاي وأشبه الناس بك ، لقد نزع إليكم يا آل خوارزم شاه في كل شيء ، ولم ينزع إليّ في شيء)
فأجابه جلال الدين وهو يتكلف الابتسامة ويمسح بيده على خد الطفل : ( هذا الذي سيهزم التتار ) فبادره ممدود قائلاً : ( في ركاب خاله وخدمته إن شاء الله ).
قال جلال الدين : ( بل يرث الملك عني ).
- معاذ الله أن يرث ملكك إلا ابنك الأمير بدر الدين بعد عمر مديد إن شاء الله .
- لم يقل المنجم إن بدر الدين هو الذي يملك بعدي ويهزم التتار .
- إن المنجم أحقر من أن يعرف الغيب يا مولاي ، فدع عنك تخرصاته ولا تعبأ بأقاويله .
وهكذا استطاع الأمير ممدود أن يدير الكلام عن الغلام ويصرفه إلى المنجم حيث تختلف رأيه فيه ورأي جلال الدين.
فرأى جلال الدين أن لا فائدة من حجاجه ، وشعر بشيء من الخجل لما بدا منه من الارتياب بطفل صغير لا ذنب له حتى عاتبته عينا أخته النفساء ذلك العتاب الحاني المستعطف الذي كان أفعل في نفسه من وقع السهام.
وسكت جلال الدين برهة كأنه يعاتب نفسه على ما بدر منه في حق أخته وزوجها المخلصين في حبه ، ثم دنا من سريرها وهو يغالب عبرة ترقرقت في عينيه ، فطبع على جبينها الأبيض الناصع قبلة حارة كأنه يستغفرها مما هجس بخاطره من نية الشر بوليدها ، ويعدها بأن يده لن تمتد إليه بسوء ، فلم تجبه جهان خاتون بغير الدموع تنهمر من عينيها.
وجاءت الأنباء بأن التتار دخلوا مرو ، وساروا إلى نيسابور فوضعوا في أهلها السيف وملكوها ، وأنهم سائرون إلى هراة ، فلم يبق لدى جلال الدين مجال للانتظار فآذن عساكره بالمسير ، وخرج في ستين ألفاً يحث بهم السير حتى لقى طلائع التتار دون هراة ، وكانوا قد حاصروها عشرة أيام ثم ملكوها وأمنوا أهلها وتقدموا يبتغون غزنة ، فقاتلهم جلال الدين قتالاُ عظيماً حتى هزمهم وقتل منهم خلقاً كثيراً.
وبعث رسلاً تسللوا إلى هراة فأخبروا أهلها بما وقع من انكسار التتار ، ففرح الناس فرحا ً عظيماً ، وأخذوا يتنادون بأن خوارزم شاه قد بعثه الله حياً من قبره ليطهر البلاد من التتار ، ووثبوا على حاميتهم بالمدينة ، فلما عادت فلول التتار إلى هراة ، وعلموا ما وقع من أهلها انتقموا منهم فقتلوا كل من وجدوه من الرجال والنساء والأطفال ، وخربوا المدينة ونهبوا السواد وأتلفوا كل ما لم يقدروا على حمله من الأموال.
وطاردهم جلال الدين فأجلاهم عن هراة ، ثم ما زال يتعقبهم حتى أوصلهم إلى حدود الطالقان ، حيث أتخذها جنكيز خان قاعدة جديدة بعد سمرقند ، يرسل منها بعوثه وسراياه ثم رأى جلال الدين أن يكتفي في هذه الغزوة بما أحرزه من الانتصارات عليهم ، وأن لا يهاجمهم في قاعدتهم الجديدة حتى يستجم ويريح جيوشه من نصب القتال ، ويعد جيوشاً أخرى ويستعد استعداداً جديداً لملاقاة أعدائه ، فعاد ببهرة جيشه إلى غزنة بعد أن ترك حاميات قوية في البلاد التي طرد منها التتار .
وكان يوم قفوله إلى غزنة يوماً مشهوداً ، احتفل به أهلها احتفالاً رائعاً ، لم يغض من جماله إلا رجوع الأمير ممدود جريحاً محمولاً على محفّة ، بعد أن أبلى بلاء حسناً في قتال التتار ، وأبدى أروع آيات البطولة ، وركب أعظم الأخطار ، حزن جلال الدين لما أصاب صهره الفارس الشجاع ، واهتم بعلاجه اهتماماً كبيراً ، وابتغى له أحسن أطباء زمانه ، وأغدق عليهم الأموال ، ووعدهم بمكافآت كبيرة إذا وفِّقوا لشفائه ، ولكن جراحه كانت بالغة ، فلم تُجْد فيها مهارة الأطباء ، وأخذت حالته تسوء يوماً بعد يوم ، وكان جلال الدين لا يغب زيارته فهو يتردد عليه صباح مساء .
ولما ثقلت عليه العلة وأيقن بدنو الموت ، بعث إلى جلال الدين أن يحضر ، فلما حضر قال له بصوت متقطع وهو يحضن زوجته وابنها الرضيع : ( يا ابن عمي : هذه أختك جهان خاتون ، وهذا ابنك محمود ، فأولهما عطفك ورعايتك واذكرني بخير ).
فبكى جلال الدين ، وأجهشت بالبكاء ، وكان ممدود ينظر إليهما وإلى الطفل الرضيع نظرات تائهة ، فلما رأى بكاءهما التفت إلى جلال الدين وقال له : ( لا تبك يا جلال الدين .. قاتل التتار .. لا تصدق أقوال المنجمين ) .
وكان قد ثقل حينئذ لسانه ولم يلبث أن لفظ روحه وهو يردد الشهادتين.
مات الأمير ممدود شهيداً في سبيل الله ولم يتجاوز الثلاثين من عمره ، تاركا ً وراءه زوجته البارة ، وصبيا في المهد لما يدر عليه الحول ولم يتمتع برؤيته إلا أياماً قلائل ، إذ شغله عنه خروجه مع جلال الدين لجهاد التتار ، ولم يكن له – وهو يودع هذه الحياة ونعيمها – من عزاء عنها إلا رجاؤه فيما أعد الله للشهداء المجاهدين في سبيله من النعيم المقيم والرضوان الأكبر .
وفتَّ موته في عضد جلال الدين ، إذ فقد ركنا من أركان دولته ، وأخاً كان يعتز به ويثق بإخلاصه ونصحه ، ووزيراً كان يعتمد على كفايته ، وبطلا مغواراً كان يستند إلى شجاعته في حروب أعدائه ، فبكاه أحر البكاء ، وحفظ له جميل صنعه وحسن بلائه معه ، فرعاه في أهله وولده ، وضمهما إلى كنفه ، وبسط لهما جناح رأفته ، واعتبر محموداً كابنه يحبه ويدلَّله ولا يصبر على رؤيته ، وكثيراً ما يجتذبه من يدي والدته إلى صدره ، فربما بال الصبي على ثيابه فلا يزيده ذلك إلا حبا وتعلقا به ، وكان حين يرجع من قتال التتار يسأل أول ما يسأل عن محمود أين هو ؟ فيجري إليه فيحضنه ويوسعه ضمَّاً وتقبيلاً ، ثم يثنى بابنته جهاد التي كان يحبها ولا يصبر عن رؤيتها كذلك.
وهكذا نشأ الطفل محمود والطفلة جهاد في بيت واحد ، تغذوهما وتسهر عليهما أمّان ، ويحنو عليهما أب واحد ، فكانا يحبوان معاً في دهاليز القصر وأبهائه ، وربما خرج بهما الخدم إلى حديقة القصر في الصباح الباكر فطفقا يدرجان على العشب يتمرنان على المشي ووالدتاهما تنظران إليهما من شرفة القصر ، تطالعان في عيونهما الحاضر الباسم ، وتعزيان به عن الماضي الحزين والمستقبل الغامض ، فإذا وقع أحد الطفلين على الأرض في غير بأس ضحكته هادئة ، ثم رجعتا إلى ما انقطع من حديثهما ، وربما تقع جهاد على الأرض فيدنوا منها محمود ليساعدها على النهوض ، فتنظر إحدى الوالدتين إلى الأخرى وعلى ثغرها ابتسامة وفي عينيها سؤال حائر .. أيقدر لهذين الطفلين البريئين أن يشبا معاً في هذا العيش الرغيد فيكون أحدهما للآخر ، أم تحول دون ذلك تقلبات الدهر وفجاءات القدر؟
وكيف تأمنان غدر الزمان وسطوات الغير ، وتطمئنان إلى ما هما فيه من نعيم العيش وعز الملك ، وقد شهدتا بعينيهما كيف انقض التتار على مملكة خوارزم شاه فقطعوا أوصالها ومزقوها شر ممزق ، وكيف هوى ذلك الملك العظيم من أوج سلطانه ، وانهزمت جيوشه التي كانت تملأ السهل والجبل ، وتفرقت عنه جموعه حتى لجأ إلى جزيرة نائية مات فيها وحيداً شريداً.
ولا ينقص من قلقهما على المستقبل أن جلال الدين قد استطاع لذاك الحين أن يهزم التتار في كل موقعة لقيهم فيها ، وأن يدفع غائلتهم عن البلاد التابعة له ، وأن يتحدى جنكيز خان طاغيتهم الأكبر فيرسل إليه كتاباً يقول له في : ( في أي مكان تريد أن تكون الحرب ؟ ) فإن هذا لا يعني أنه قضى على خطرهم واستراح من هجماتهم ، وقد كان خوارزم شاه أقوى وأعظم هيبة وأكثر جنوداً منه ، واستطاع أن ينتصر عليهم في معارك جمة ، ولكنهم غلبوه في النهاية بكثرة عددهم وتوالي إمداداتهم ، وتدفقهم كالسيل ، وانتشارهم كالجراد ، وأن الأمل لضعيف في أن يقوى جلال الدين على ما لم يقو عليه والده العظيم.
ولم يمض على ذلك زمن طويل حتى حققت الأيام مخاوفهما ، فقد وردت الأنباء بأن جنكيز خان قد استشاط غضباً من تحدي جلال الدين له ، فسيّر عسكراً أعظم من عساكره التي بعثها من قبل ، وسماه جيش الانتقام ، وجعل أحد أبنائه عليه ، فاندفعوا كالسهام وطفقوا يخترقون البلاد حتى وصلوا إلى أبواب كابل .
فقصدهم جلال الدين بكل ما عنده من الجيش ، فلما التقى الجمعان اقتتلوا قتالاً شديداً دام ثلاثة أيام بلياليها ، وكان جلال الدين يصرخ في جنوده أثناء المعركة : ( أيها المسلمون أبيدوا جيش الانتقام ) . وقد انتهى القتال بهزيمة التتار لما أبداه المسلمون من المصابرة والمرابطة ، ورجع معظم الفضل في ذلك إلى قائد باسل من قواد جلال الدين يدعى سيف الدين بغراق ، استطاع أن يكيد التتار ، فانفرد بفرقته من الجيش وطلع خلف الجبل المطل على ساحة القتال ، ولم يشعر التتار إلا بهذا السيل من المسلمين ينحدر عليهم من الجبل فاختلّت صفوفهم ، فأوقع بهم المسلمون وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وغنموا ما معهم من الأموال التي نهبوها من البلاد التي مروا بها .
وهنا ينزغ الشيطان بين قواد جلال الدين ، فيختلفون على اقتسام الغنائم ، فيغضب من جراء ذلك الأمير سيف الدين بغراق ، وينفرد بثلاثين ألفا من خيرة الجنود ، وتوسل إليه جلال الدين أن يرجع إلى عسكره ، فلم يقبل وذهب غاضباً وسار معه الثلاثون ألفاً من الجنود ، فضعف المسلمون من جراء هذا الانقسام ، وعلم التتار بالأمر ، فجمعوا فلول جيشهم ، وانتظروا حتى تجيئهم أمداد من جنكيز خان.
وبلغ جنكيز خان ما وقع بجيشه من الهزيمة ، فاشتد غيظة ، وزاد حقنه ، فجمع جيوشه وقادها بنفسه ، وتقدم لقتال جلال الدين ، فلم يلبث له جلال الدين ، وفر إلى غزنة فتحصن بها أياما ، ثم رأى أن لا قبل له بدفع المغيرين عنها ، وخشي من وقوعه ووقوع أهله في قبضة عدوه ، فحزم أمتعته ، وجمع أمواله وذخائره ، فحملها ورحل بأهله وحاشيته صوب الهند ، وسار معه سبعة الآلف من خاصة رجاله ، فعبر بهم ممر خيبر ، ولم يكد يفضي إلى سهل الهند حتى لحقته طلائع جنكيز خان ، فكّر عليهم وقاتلهم وشردهم ، ولكنه أيقن بالهزيمة حين توالت عليه الجموع ، فتقهقر برجاله إلى نهر السند ، وعزم أن يخوضه إلى العدوة الأخرى ، ولكن العدو عاجله قبل أن يجد السفن اللازمة لحمل أهله وحريمه وأثقاله ، فأقبل على أهله ونسائه وفيهم والدته – وكانت قد لحقت به من خوارزم قبل سقوطها في أيدي التتار – وأخته جاهان خاتون وزوجته عائشة خاتون ، فلما رأينه حصن به قائلات : ( لا ينبغي أن نقع في أيدي التتار ... بالله عليك أقتلنا بيدك وخلصنا من الأسر والعار)..
صادف هذا القوى هوى في نفس جلال الدين ، إذ كان قد عزم على قتلهن خيفة أن يقعن أسيرات في أيدي العدو ، فأمر رجاله بإغراقهن في نهر السند ، فابتلعهن اليم وهو على حافة النهر ينظر إليهن بعين دامعة ، ويشيعهن بقلب مكلوم .
ولم يدع له العدو فرصة للتحسر على أعز أحبابه في الحياة والتفكير في هول ما صنع بهم ، فأمر رجاله بخوض النهر ، وألقى بنفسه في مقدمتهم فاندفعوا يسبحون في أثره ، وذلك حين مالت الشمس للغروب ، وتلونت مياه النهر بحمرة الشفق ، وما ابتعدوا عن الشاطئ إلا قليلاً حتى أقبلت طلائع العدو فوقفوا على حافة النهر وانبرى رماتهم فأعملوا قسيهم ، فكانت السهام تتساقط عليهم كالمطر ، فأصيب كثير من رجال جلال الدين ، ولولا سدول الظلام وحيلولته دون رؤيتهم لفنَوا عن بكرة أبيهم ، وأوفى جنكيز خان على النهر ، وكان الليل قد اعتكر وهو على جواده ، والمشاعل تضيء من حوله ، فلم يتبين أحداً في النهر ، فأرسل ضحكة رنت في جنبات السهل ، وأخذ يهز سيفه في الهواء ويقول : ( هأنذا قضيت على خوارزم شاه وولده ، وشفيت غليلي وأخذت بثأري ) وأمر رجاله بالرحيل ، فرجعوا من حيث أتوا.
وقضى السابحون شطرا من الليل وهم يغالبون الأمواج ، ويتنادون بينهم بالأسماء ، فيتعارفون بذلك ، ويتواصون بينهم بالصبر ، فربما كلّ أحدهم طول السباحة ، فاستغاث بإخوانه فيحمله من يلونه ريثما يستعيد شيئا من نشاطه.
وكان صوت جلال الدين يسمع من حين إلى حين يحدوهم في المقدمة ، ويحضهم على الصبر والمغالبة ، فكانوا يستأنسون به ، ولكنه انقطع بعد ذلك فلم يسمعوه ، فذهبت بهم الظنون كل مذهب ، وصاح بعضهم : ( قد غرق السلطان فما بقاؤكم بعده؟ ) فاستسلم فريق منهم للأمواج فغرقوا.
وأدرك أحد خواص السلطان الخطر ، فأخذ يقلد صوت جلال الدين ويحدوهم كما كان جلال الدين يفعل لئلا يستيئس الباقون ، فكان لعمله هذا أثر جميل في نفوسهم ، إذ انتعشت أرواحهم واستأنفوا صبرهم وجهادهم ، ورجع من عزم منهم على الاستسلام للموت عن عزمه ، وبقوا كذلك حتى بلغ السابقون منهم الضفة قبيل منتصف الليل ، فصاحوا بإخوانهم أن قد وصلنا البر ، فمنهم من خرج من الماء فارتمى على الأرض من الإعياء ، ومنهم من بقى لديه فضل من القوة فأخذ يساعد الآخرين على الطلوع بجذب أيديهم أو بإرخاء ما بقي عليهم من الثياب لهم حتى يتعلقوا به ، واستمر هذا العمل إلى الثلث الأخير من الليل حين لم يبق على الماء أحد من الناجين ، فوضع الجميع رءوسهم على الأرض وغرقوا في السبات العميق.
وطلع الصباح على أربعة آلاف من القوم صرعى في الصعيد يتقلبون على جنوبهم لم يوقظهم إلا حر الشمس ، فنهضوا من نومهم حفاة عراة لا يكاد يسترهم شيء من الثياب ، والتمسوا سلطانهم بينهم ، فلم يجدوه ، فأصابهم هم عظيم ، فأوصاهم الرجل الذي قَّلد صوت السلطان في النهر بأن لا ييأسوا من لقائه ، فربما سبقهم السلطان إلى الضفة من موضع آخر فلجأ إلى قرية من القرى ، وقال لهم إن الرأى أن يبقوا هناك ويتبلغوا بما يجدونه من أوراق الشجر وثماره ، وما يقع في أيديهم من صيد البر والبحر وأن لا يبرحوا مكانهم ذاك حتى يأتيهم خبر السلطان ، أو تعود إليهم قواهم فيمشوا إلى إحدى القرى القريبة ليحصلوا على ما يعوزهم من الطعام والثياب بالمعروف إن أمكن وإلا بالقوة.
فوافق الجميع على هذا الرأي ، وبعثوا جماعة منهم للبحث عن جلال الدين في المواضع البعيدة من الشاطئ ، فعثروا عليه بعد ثلاثة أيام في موضع بعيد رماه الموج إليه مع ثلاثة من أصحابه ، فقدموا على القوم ففرحوا بنجاة سلطانهم ، وما كادوا يصدقون عيونهم إذ رأوه ، فأمرهم أن يتخذوا لهم أسلحة من العصى يقطعونها من عيدان الشجر ففعلوا ما أمرهم به ، ثم مشى بهم إلى بعض القرى القريبة منهم فجرت بينه وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها عليهم ، واستلب أسلحتهم وأطعمتهم فوزعها في أصحابه ، فطعموا من جوع ، وأمنوا من خوف ، وقووا من ضعف ، ثم دلف بهم إلى لهاور (لاهور) فملكها واستقر بها مع رجاله ، وبنى حولها قلاعاً حصينة تقيه من هجمات أعدائه من أهل تلك البلاد .
فلما أطمأن بها خلا إلى نفسه ، فتذكر ما حل بأسرته من النكبات العظيمة ، واستعرض حوادث أبيه وأمجاده وغزواته وفتوحاته في البلاد حتى امتدت مملكته من فرغانة إلى أبواب الهند ، وكانت ملوك الأرض تهابه وتخشاه ، وتركع أمامه طلبا لرضاه ، وكانت أموال الدنيا تجبى إليه حتى جاء طوفان التتار ، فصمد لهم وصدق الله في جهادهم ، ووقف سدا بينهم وبين الانقضاض على بلاد الإسلام ومازال يقاتلهم ويقاتلونه فيغلبهم مرة ويغلبونه مرة حتى انتهى أمره ، وذهبت ريحه ، وتفرقت عنه جموعه ، فلجأ إلى جزيرة في بحر طبرستان مات فيها بعيداً عن أهله وأحبابه.
ثم تذكر ما وقع لنفسه من الأحداث في الماضي القريب كيف انطوى ملكه ، ودمرت بلاده ، وتشتت شمله وشمل ذويه ، وكيف اختطف ابنه الوحيد وولى عهده الذي لم يبلغ الثامنة بعد ، فحمل إلى طاغية التتار ، وذبح بين يديه ذبح الشاه ، وكيف عاش حتى رأى أمه الصالحة وزوجته وأخته وبنات أخواله وأعمامه يغرقن في اليم بأمره ، وعلى مشهد منه ، وكيف اختفت ابنته جهاد وابن أخته محمود فلم يعلم عنهما شيئاً ، فلعلهما غرقا مع حريمه في النهر ، أو أذهلهن الفزع فتركنهما في العراء ، أو أشفقن عليهما وضنن بهما على حيتان النهر .
وهكذا قدر له أن يعيش وحيداً في هذه الدنيا ، لا أهل له فيها ولا ولد ، فكأنما بقي حيا ليتجرع غصص الألم والحسرة بعدهم ، وما هذه الرقعة الصغيرة التي ملكها بالهند إلا سجن نفى إليه بعد زوال ملكه ، وتفرق أهله وأحبابه ، ولمن يعيش بعدهم .؟ وعلام يحمل نفسه أعباء الولاية وتكاليف الأسرة ؟ ولكنه تذكر أن التتار هم سبب نكبته ونكبة أسرته ، فليعش لينتقم منهم ، ولتكن هذه أمنيته في الحياة ، إن لم تبق له فيها أمنية.

موعدنا بعد الأختبارات
للرواية بقية
**********************
إن شاء الله تكون أعجبتكم الرواية

وأتمنى منكم قرائتها لأنها جميلة

تذكرنا بالعصور الإسلامية الجميلة

تربطنا بالتاريخ بأسلوب أدبي جميل

لكم جزيل الشكر

أفنان الأمل
28/05/2007, 03:34 PM
جزاك الله خير

وجعل كل حرف تخطه في ميزان أعمالك

ننتظر التتمة بإذن الله

إبداعي
29/05/2007, 09:16 PM
عمل مميز أخي صقر الاندلس

تمنيت لو يتم التنسيق في الرواية الثانية

ليتم إخراجها بكل روائعها


أكرر مشكور ولك تقيم يالغالي

[ سليل المجد ]
30/05/2007, 11:44 AM
عمل مميز أخي صقر الاندلس

تمنيت لو يتم التنسيق في الرواية الثانية

ليتم إخراجها بكل روائعها


أكرر مشكور ولك تقيم يالغالي

شكراً لك أخوي ماجد9 على المرور

وعلى التقييم

وأشكرك على هذا التوجيه

لك جزيل الشكر أخوك

صقر الأندلس

[ سليل المجد ]
19/06/2007, 01:24 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخواني كما وعدتكم من قبل

سأقوم بتكملة الرواية بعد الأختبارات وهاهي الأختبارات أنتهت أو أوشكت على النهاية

ولكن هل هناك أحد من الأعضاء يقوم بقراءة هذه الرواية

أم أنني أتعب نفسي في الكتابة

ولا أحد يقرأها ولا يتابعها

أرجوا الإيضاح بدون أي مجاملة

ولكم خالص الشكر

asdmamdouh
02/07/2007, 02:01 AM
صديقى اسمح لي أن أكمل القصة مكانك فأنا معى الجزء الثالث (الفصل الثالث)
**********************
الفصل الثالث
نجاة الطفلين
لم يكن جلال الدين يعلم وهو يبكي أهله وذويه أحر البكاء ، وينفطر قلبه حزنا عليهم ، أن طفليه الحبيبين محمود وجهاد حيان يرزقان ، ولو علم ذلك وأنهما لا يبعدان عنه كثيرا، إذا يعيشان في إحدى الدساكر المجاورة للأهور ، لطار إليهما فرحا ، ولتعزى بهما في كل ما أصابه من نكَبَات الحياة .
ذلك أن عائشة خاتون وجهان خاتون لما أيقتنا بالنكبة يوم النهر ، ورأتا أن لا محيص من الموت أو الأسر ، عز عليهما أن تريا الطفلين البريئين يذبحان بخناجر التتار المتوحشين ، أو يُغْرقان معهما في أمواج النهر ، وجاشت بهما عاطفة الأمومة ، فأوحت إليهما في ساعة الخطر أن يسلماهما إلى خادم هندى أمين ، كان قد خدم الأسرة منذ أيام خوارزم شاه ، ليهرب بهما من وجه التتار ، ويحمَلهما إلى مسقط رأسه ، حيث يعيشان عنده في أمن وسلام ، وأرادتا أن تخبرا جلال الدين بما صنعتاه ، ولكن ضاق وقتهما وشغلهما الهول عن ذلك .
أما الشيخ سلامة الهندى فقد فصل عن المعسكر قُبيْل عصر ذلك اليوم المشئوم ، وأركب الطفلين على بغلة بعد أن كساهما ملابس العامة من الهنود ، وساقهما حثيثا نحو الشمال على شاطئ النهر ، ثم سلك بهما الطرق المتعرجة وغاب بهما في منعطفات الجبال ، وأدركه الليل فأوى إلى مغارة في سفح جبل ، فأنزل الطفلين وربط البغلة إلى الصخرة في فم المغارة ، وفرش لهما داخلها وطفق يسامرهما ويهدئ روعهما ، ويعللهما بلقاء أهلهما غدا في لاهور ، بعد أن يكسر السلطان جلال الدين التتار ، ويذبح جنكيز خان بيده ، ومازال بهما كذلك حتى غلبهما النعاس ، فناما مكانهما ونام جنبهما .
فلما كان اليوم الثانى ساق البلغة بهما ، وانحدر بهما من السفح حتى بلغ بطن الوادى ، فالتفت إلى الجنوب فلم يجد أثر الخيل العدو ولا رجله فاسقهما متيامنا جهة النهر حتى أشرف عليه عند الزوال ، فنزل في ظل شجرة هناك ، وسقى البغلة وأراحها وأطعم الطفلين وسقاهما ، وظل يسليهما بقصص يقصها عليهم ونوادر يحكيها لهما ، وهما يستعمان غليه ويتضاحكان ، وهو في ذلك يترقب السفن في النهر ، فمرت سفينة كبير عند العصر ، فلوح لها الشيخ أن تدنو منه ، فلما تعبأ به ومضت في سبيلها ، ثم لاح قارب من قوارب الصيد ، فلوح له الشيخ بردائه ، فاقترب منه فإذا عليه صياد وابنه ومعهما شبكة الصيد ، فسأله الصياد ماذا يريد ؟ فأجابه الشيخ بالهندية ، ورجاه أن يحمله ، ويحمل طفليه إلى الضفة الشرقية للنهر ، ويعطيه على ذلك أجرا طيبا فقبل الصياد وفرح بالأجر ، فأنزلهم في قاربه ، ونظر الصياد إلى البغلة فسأل الشيخ ما تصنعون بالبغلة فأجابه الشيخ : (نتركها إذا لا يمكن حملها على القارب ) ، فقال الصياد : ( إذن نأخذها لنا) ، قال : (خذها فلا حاجة لنا بها ) ، فأمر الصياد ابنه بالطلوع من القارب ليسوق البغلة إلى قريته ، وكان الشيخ سلامة قد أوصى الصبيين ألا يتفوها بما يدل على أنهما من بيت السلطان جلال الدين ، وأفهمهما أن صاحب القارب قد يُسَلَمُهَما إلى التتار إذا عرف أصلهما ، ففهما ما أراد على صغر سنهما ، فقد تعلما الخوف والحذر مما مر بهما من الأهوال وما شهداه من الحوادث المروّعة ، فكانا ـ وهما في الرابعة من سنهما ـ كأنهما من أولاد السابعة أو الثامنة .
وجرى القارب في عُرض اليم تتدافعه الأمواج ، فترى الصبيين مستكينين من الخنوف ينظر أحدهما على الآخر لا يدريان إلى أين يسار بهما ، إلا أن محمودا كان يظهر التجلد ويحاول أن يكتم خوفه من جهاد فيطوق ظهرها بذراعيه كأنه يقول لها : هأنذا أحميك فلا تخافى .
ومضى الشيخ يتحدث إلى الصياد عن قريته في الهند ، وكيف سافر إلى كابل وتزوج بها فرزق هذين الطفلين ، ولكن أمهما ماتت فأحب أن يعود على مسقط رأسه ، ليربيهما بين أهله وذويه ، ثم يترك الحديث للصياد فيُحدثه هذا عن حياة الصيد وما يلقى فيها من الأخطار ، وعن أهوال ليلة مرت به في حياته ، مُفاخراً بصبره وشجاعته وعن مزرعته الصغيرة وفراخه وأرانبه وبقرته الحلوب وكيف تعنى بها زوجته ، وعن ببغائه الجميلة كيف تسمع الكلام فتحكيه وتردده وتسلي أولاده ، فكان محمود وجهاد يجدان في سماع أحاديثه لذة عظيمة ، أنستهما ما كان يشعران به من الخوف .
وقد مر الوقت دون أن يشعروا به من إمتاع حديث الصياد ، إذ وصل القارب إلى الشط ، فنل الصياد من القارب وساعد الشيخ وطفليه على النزول ، ثم أرشد الشيخ إلى خير طريق يوصله إلى أقرب قريبة من ذلك الموضع ، وقال له : (صحبتك نالسلامة في طريقك) فأعطاه الشيخ دينارًا وكان قد رضى بأقل من ذلك ففرح به وشكره وقال (لن أشغل نفسى اليوم بالصيد فحسبى هذا ، وستفرح به زوجتى فرحا عظيما ، وقبل الطفلين وحيا الشيخ وودعه ، ثم عاد إلى قاربه ، فأعمل مجدا فيه فاندفع في عرض النهر ماضيا في سبيله .
سار الشيخ في الطريق الذى أرشده إليه الصياد حاملا جهاد على كتفيه حتى إذا ظن بمحمود التعب في السير أنزلها تسير وحمل محمودا مكانها ، وهكذا دواليك حتى بلغ القرية بعد غروب الشمس ، فبات في كوخ بها ، واشترى ما يلزمه ويلزم الطفلين من الطعام ، حتى إذا أصبح الصباح إبتاع له حماراً من القرية أركبهما عليه ، وظل كذلك ينتقل في القري حتى وصل إلى مسقط رأسه في قرية من القرى المجاورة لمدينة لاهور ، وعاش الصبيان في القرية الهادئة في أمن وسلام كما أرادت لهما والدتاهما المرحومتان ، وكان الشيخ يرعاهما رعاية بالغة ، ولا يالو جهدا في ترفيه عيشهما وإدخال السرور عليهما بكل ما يملك من وسائل التسلية والترويح ، وإذا سئل عنهما قال إنهما يتيمان وجدهما في طريقه فتبناهما ، ولكن هذا القول لم يقنع فضول أهل القرية فأخذوا يتخرصون ويخترعون الحكايات ويحكون القصص عن أصلهما ويتفق معظمهم في أنهما من أولاد الملوك ، لما يبدو على وجوههما من سيم الملك ، وأمارات النبل ونضرة النعيم ، ولم يجد الشيخ سلامة بُدَّا من الإفضاء بحقيقة حالهما إلى بعض أقاربه الأدنين الذين كانوا يعلمون بأنه قضى جل عمره في خدمة السلطان خوارزم شاه والسلطان جلال الدين من بعده ، وسمعوا بما حل بهما من نكبة التتار ، ولكنه استكتمهم الخبر لئلا يصيب الصبيين من جراء ذلك سوء ، ولم تمض إلا بُرْهَة قصيرة حتى انتهت إلى أهل القُرَى المجاورة لمدينة لاهور أنباء السلطان جلال الدين وفراره من بلاد الهند ، ومطاردة جنكيز خان له حتى اضطره إلى خوض النهر مع عسكره بعد أن أغرق حريمه ، خيفة أن يقعن سبايا في أيدى التتار ، وترامى إليهم ما جرى بعد ذلك من الوقائع بينه وبين أهل الهند حتى افتتح لاهور واتخذها قاعدة ملكه ، وأخد يوطد سلطانه بشن الغارات على ما حوله من البلاد والقرى ، فانتشر خوفه في قلوب أهلها.
وحرج لذلك موقف الشيخ سلامة بين أهل بلاده ، إذ بدءوا يشكُّون في أمره وفي أمر الصبيين اللذين معه ، ويرجحون أنهما من أولاد السلطان جلال الدين ، فخشى عليهما من فتكهم ، وأخذ يفكر في طريقة للفرار بهما إلى لاهور .
وبينما هو ينتظر سُنُوح الفرصة لذلك إذا جنود السلطان قد أقبلوا يغزون القرية فخرج إليهم الشيخ وعرفهم بنفسه ، وأبرز لهم ابنة السلطان وابن أخته ، وتوسل بهما أن يكفوا عن غزو القرية حتى يأتيهم أمر السلطان فأجابوا طلبه ، وبعثوا رسولا إلى السلطان بالخبر ، ولبثوا ينتظرون خارج القرية ، فما راعهم إلا السلطان قد أقبل على جواده في لمة من فرسانه ، فلما سلم عليهم ، قال (أين الشيخ سلامة ؟ ) فتقدم الشيخ سلامة وقبل ركابه قائلا : ( هأنذا عبدك وعبد أبيك يا مولاى ) فترجل له السلطان وعانقه ، وقال له : (أين محمود وجهاد؟ ) وما أتم السلطان كلمته حتى اندفع الصبيان فارتميا عليه ، فضمهما إلى صدره ، وطفق يقبلهما ويقبلانه ، وهو لا يكاد يعى ما حوله من الفرح ، وقد انهمرت دموعه فبللت خدودهما ، وهو يقول : (ابنتى جهاد ... ابنى محمود .. أنتما في قيد الحياة ، الحمد لله ، لست وحيدا في هذه الدنيا ، لقد بقيا لي وبقيت لهما ) .
ثم دفع الصبيين إلى فارسين من فرسانه ، ليردفاهما خلفهما ، وركب جواده وأمر الشيخ سلامة أن يركب معه ، وقال لقائد الحملة : (كفوا عن هذه القرية والقرى التى تجاورها ، ولا يؤخذ من أهلها الخراج ، إكراما للشيخ سلامة ) ، فشكره الشيخ ودعا له بطول العمر .
وانتشر الخبر في القرية فخرج أهلها رجالا ونساء فرحين متهللين ، ليشاهدوا السلطان جلال الدين ، وتقدم إليه وفد من شيوخها وكبرائها يشكرونه على مكرمته وفضله ، قائلين له : ( نحن عبيدك وبلادك بلادنا ، ونحن جميعا في طاعتك ) فحياهم السلطان وقال لهم : ( إن الفضل للشيخ سلامة ، فلا تشكرونى واشكروه ) ، فأقبل الرجال على الشيخ وحملوه على الأعناق ، وأرادوا أن يزفوا به في طرقات القرية ، فقال لهم السلطان : ( إننى بحاجة إليه الأن ليحدثنى بأخباره ، فهل لكم أن تدعوه الآن لي ) .
فقالوا جميعا سمعنا وأطعنا ، وأنزلوه من أعناقهم ، فتقدم إلى جواد أعد له فركبه ، وسار السلطان وسار رجاله خلفه راجعين إلى الاهور ، وأهل القرية يهتفون له ويحيونه حتى غاب موكبه عن الأنظار.
وتباشر سكان القرى المجاورة بما أعلنه السلطان جلال الدين من الأمر بالكف عن غزو بلادهم وإعفائها من الخراج ، فصار ذلك حديث المجالس والأسمار ، وأصبح جلال الدين حبيبا إلى قلوبهم بعد أ، كانت أكبادهم تغلى كراهية له ، ومضاجعهم تقض خوفا منه ، وقدمت وفودهم على قصر السلطان بلاهور تشكره على إحسانه إليهم ، و تقدم له ولاءهم وطاعتهم حاملة معها الهدايا النفيسة ، فقبل السلطان هداياهم وأجازهم عليها ، وردهم إلى بلادهم مُكرمين .
وتبدلت أحوال جلال الدين بعد عثوره على ولديه الحبيبين ، وعاد إلى وجهه البشر بعد العُبوس والطلاقة بعد الانقباض ، وانتعش في قلبه الأمل ، وشعر كأن أهله وذويه بُعثوا جميعا في محمود وجهاد ، وكلما رآهما تذكرهم وتعزى بهما عنهم ، وحمد الله على أن لم ينقطع سببه وقوى رجاؤه في استعادة ملكه وملك آباءه ، والانتقام من أعدائه التتار ليورث محمود وجهاد ملكاً كبيراً ، متين الأساس ، قوى الدعائم ، يُخلّد به سؤدد بيته العظيم .
ومما قوى رجاءه في نجاح مسعاه ما طاف بذاكرته حينئذ من حديث المنجم الذى تَنَبْأ لمحمود ـ وهو بعد جنين ـ بأنه سيصير ملكا عظيما ، يملك بلادًا عظيمة ويهزم التتار هزيمة ساحقة ، فقد تأكد لديه الآن أن المنجم كان صادقا فيما تنبأ به ، فقد قتل التتار الأمير بدر الدين ابنه الوحيد وولي عهده ، فلم يبق من أهل بيته من أحد أجدر بوراثة الملك عنه من محمود ابن أخته ، ولعل الله لم ييسر له النجاة من الموت المحقق بالغرق في النهر أو بسيوف العدو إلا لما ينتظره في المستقبل من صدق قول المنجم فيه ، ولم يعد جلال الدين يشعر بما كان يشعر به من قبل من الغضاضة والخوف أن ينقطع الملك عن ولده ، وينتقل إلى ولد ممدود ابن عمه .
فقد أصبح يعتبر محموداً كابنه ، بل ربما كان أعز عليه وأحب إليه من ابنه ، لما كان يمتاز به الأمير الصغير من خفة الروح وتوقد الذهن وعزة النفس ، وجال الصورة في مسحة خفيفة من الحزن العميق تتردد في وجهه الأبيض الوسيم ، فتأبى على من يراه إلا أن يرق له ويحبه وينجذب إليه أول ما تقع عينه عليه ، وقد عجب جلال الدين لنفسه كيف خطر بباله يوما أن يقضى على هذا الغلام الوسيم وهو في مهده ، خيفة أن يرث الملك عنه ، وما كان يعلم إذ ذاك أن هذا الغلام سيكون يوما ما بقية أهل بيته وعزاءه الوحيد في هذه الحياة ، فحمد الله على أن عَنّ له من الأمور ما غل بيده عن الامتداد إليه بسوء .
وهذه الذكرى الأليمة أسلمته إلى التفكير في حقارة الحياة الدنيا وغرور متاعها ، وكذب أمانيها ، وفي لؤم الإنسان وحرصه على باطلها وبخله بما لا يملك منها ، وخوفه مما عسى أن تكون فيه سلامته وخيره ، واطمئنانه إلى ما لعله يكون مصدر بلائه وهلكته ، ألم يعش هو حتى رأى الدولة التى شادها أبوه العظيم تنطوى بين عشية وضحاها فأصبحت أثرا بعد عين ألم يبلغ به الحرص على الملك وتوريثه لأبنائه أن فكر في قتل طفل من أمس الناس به رحما إذ قيل له رجما بالغْيب إنه سكون ملكا عظيما ؟ أفلم ينطو هذا الملك كما انطوى ملك أبيه ؟ هل استطاع أن يضمنه لنفسه في حياته حتى أراد أن يضمنه لابنه بعد مماته ؟ وهل أخذ على الأيام عهدا أن تحفظ له ابنه حتى يلى الملك بعده ؟ عجبا ما أجهل الإنسان يقرأ من أخبار الماضين وما حاق بهم من صروف الدهر وحل بساحتهم من المثلات ما فيه عبرة له ، وتبصرة بما ينفعه وما يضره ، فلا يتعظ بذلك ويتمادى في باطله حتى يكون هو نفسه مضرب العظة ! وستتكرر هذه المآسى على ملعب الحياة قروناً بعد ذلك وقرونا ويوجد بعد في هذه الدنيا ملك يقتل أباه أو أخاه أو ابن أخيه أو عمه أو ابن عمه ، تنافُسّا على ملك زائل ، أو عرَض حائل .
كان جلال الدين منفردا في مخدعه ، متّكئاً على جانب سريره ، لما استرسل في هذه الأفكار ، وغرق في هذه التأملات فما أيقظه إلا وقع أقدام خفيفة سريعة ، فعرف أن القادم إما محمود أو جهاد ، فتهيأ للقائه ، فقد اشتاق إلى هذين الرفيقين العزيزين ، إذ لم يرهما منذ الصباح ، وقام إلى الباب ففتحه فإذا جهاد تسعى إليه ، فاستقبلها متهللا وحملها وأقعدها على حِجْره في السرير ، فما راعه إلا استخراطها في البكاء ، فضمها أبوها إلى صدره وقال لها بلهجة حانية : ماذا بك يا جهاد يا حبيبتى ؟
فاستمرت في بكائها ولم تجب .
هل وقعت من ظهر جوادك الصغير ؟ فأومأت برأسها أن لا .
هل ضربك محمود ، هل كسر لك إحدى عرائسك الجميلة ؟ هل قال لك قولا أغضبك ؟
فكانت تجيب عن كل سؤال من هذه الأسئلة بالنفى وهي مطُرقة ، كأنها لا تطيق أن ترى عينى أبيها ، فوضع خديها بين كفيه ، وأدار وجهها إليه قائلا : ( إذن ما أصابك يا بنيتى العزيزة ، ألا تقولين لأبيك ؟ ) .
فهدأ جأشها لما غمرها من هذا الحنان الأبوى الخالص ، وأجابت أباها قائلة : ( لابد أن التتار قتلوا محمودا ، فقد خرج لقتالهم من الصباح ولم يعد (فتبسم ضاحكا من قولها وقال لها :
لماذا لم تخرجى معه على جوادك كعادتكما ؟
إنه منعنى اليوم أن أخرج معه لأنه سيلتحم في معركة كبيرة مع التتار ويخشى أن أقع أسيرة في أيديهم .
فلم يتمالك السلطان أن أغرق في الضحك ، ولكنه لحظ على وجهها الامتعاض كأنها تستنكر من أبيها ألا يقابل مثل هذا الحدث الجليل إلا بالضحك ، وأدرك خطأه فأراد أن يصلحه بمراعاة شعورها ومجاراتها فيما تقول ، فقطب فجأة ، وتصنع الاهتمام والتطلع ، وقال لها بصوت هادئ رزين : ( لا تخافي على محمود ، فإنه فارس شجاع لن يقدر التتار على قتله ).
نعم إنه فارس شجاع ، ولكنه واحد وهم ألوف .
صدقت . ولكن خبرينى أولا : ألم يمتط محمود جواده الأشقر ولبس خوذته الفولاذية ودرعه المُسردة ، وتقلد سيفه البتار ورمحه الطويل ، وتنكب قوسه وحمل ترسه ؟
بلى : إنه خرج بكامل سلاحه .
هل أنت مؤقنة بأنه لم ينس شيئا من أسلحته هذه ؟
نعم كيف أشك في هذا وأنا التى أحضرتها له ، وساعدته على لبسها ؟
إذن فاطمئنى عليه ، إن سيفه سيكسر سيوفهم ، ورمحه سيحطم رماحهم ، ودرعه وخوذته ستقيانه وقع سهامهم وضربات سيوفهمن ، وقوسه كفيلة بإصابة بعيدهم ، وإذا تكاثرت عليه الجموع ، ففي جواده الخير ، سينجو به منهم فلا يلحقه منهم أحد .
ولكنه لم يعد إلى الآن .
لعله استحلى قتالهم ، فلم يشأ أن ينصرف عنهم حتى يبيدهم ، أو لعلهم انهزموا فذهب يطاردهم ويتعقب آثارهم .
فسكتت الصبية هُنَيْهَة وطَفق وجهُهُا يربد ويغيض إشراقة ، ثم قالت وهي على وشك البكاء : (لقد قلت لك إنه لن يرجع ، فلابد أن التتار ظفروا به أو قتلوه أو أسروه ) .
فانحنى جلال الدين على ابنته وأخذ يجيل يمينه في شعرها الذهبى اللامع ويقول لها : ( قلت لك يا حبيبتى أن لا خوف على محمود ، فلن يظفر التتار به ، ولعلها الساعة في طريقه إلينا) .
ولم يقل جلال الدين كلمته هذه كما قالها في المرة الأولى ، فقد استطال غياب محمود حقا ، واستبطأ مجيئه ، وبدأ الشك يدب في خاطره ، والقلق يُساوره تخشية أن يكون وقع للغلام حادث في تجواله بضواحى المدينة ، فرأى أن يستفهم عنه الشيخ سلامة ، فأخذ بيد ابنته قائلا : ( هيا بنا نستقبل الفارس الشجاع يا جهاد ) ، ومشى ومشت جهاد معه متثاقلة في مشيها كأنها أدركت في نفسها أنهما لا يسيران لاستقباله ، كما زغم أبوها بل للبحث عنه ، وهبطا إلى الطبقة السفلى ، ومرا بالخدم والحَجاب ، فنادى جلال الدين الشيخ سلامة الهندى ، فخرج من غرفته يسعى حتى إذا دنا منه قبل الارض بين يديه ، ووقف ينتظر الأمر .
قال له جلال الدين : ( أين الأمير محمود يا سلامة ) ؟
فأجابه الشيخ سلامة : إنه لم يعد بعد من تجواله يا مولاى ).
هل رافقه سائسه أم ركب وحده ؟
إنه أمر سائسه اليوم أن يخرج معه بسلاحه قائلا : إنه سيقاتل التتار .
فانفرجت شفتا جلال الدين عن ابتسامة خفيفة لم تكد تستر القلق البادي في وجهه ، ثم قال : ( أما ترى أنه تأخر اليوم كثيرا عن ميعاد رجوعه ؟ ) .
أجل يا مولاى ، إنه ـ حفظه الله ـ مغرم بالركوب لا يكاد يتعب منه ، وقد شكا إلى السائس أنه يجد عنتا كبيرا كل يوم في حمل الأمير على الرجوع من تجواله .
إن عمله هذا يسرنا منه إذ يهيئه لتكاليف الغد ، ويقلنى عليه إذ ليس لنا ـآل خوارزم شاه ـ من خَلَف غيره .
والتفت السلطان إلى ابنته فرأى ازدياد قلقها من الحديث الذى دار بينه وبين الشيخ سلامة ، فأراد تطمينها وقال : (اذهب يا سلامة فمر بإحضار جوادى وجواد الأميرة جهاد ، فنركب معا في استقبال الفارس الشجاع ) .
فمضى الشيخ لطاعة أمر السلطان فتقهقرا إلى الوراء لئلا يوليه ظهره احتراما له كدأبهم في ذلك ، وما ابتعد بضع خُطى حتى سمع صهيل جواد محمود خارج السور ، فقال السلطان : (ارجع يا سلامة ، ها هوذا محمود قد أقبل فيما أرى ) .
ولم تنتظر جهاد أمر أبيها ، فخفت إلى جهة السور ، وتبعها جلال الدين ، فلم يرعهما إلا الجواد الأشقر الصغير قد أقبل يركض وحده ليس عليه صاحبه ، فلما دنا منهما خفف من عدوه ، وأرخى ذيله ونكس رأسه ! وطفق يحمحم حمحمة تعرف فيها نغمة الحزن ، حتى أسلم زمامه للسلطان ، فأخذ يُصعد النظر فيه ويصوبه وقد استولى عليه الذهول وبلغ منه القلق مبلغه ، فهاله ما رأى من آثار الدم على وجه الجواد وصفحة عنقه وكفليه فأيقن أنه تدحرج من تل عال ، وكأن الصدمة أذهلته عما يقتضيه الموقف من الحركة ، فقوف هنيهة صامتا لا يدرى ما يفعل ، أما جهاد فقد أخذت بجلباب أبيها ، وعلقت به ، وهى تكظم عبرة تكاد تخنقها وتوشك أن تنفجر ، وإذا بجواد كبير قد لاح من منعطف السور وهو يسير سيرا رفيقا ، وعليه رجل وغلام أمامه ، فلم يبق لدى جلال الدين شك في أن محمودا أصيب ، وأن السائس حمله معه على جواده ، فرأى من الحكمة أن يصرف ابنته الصغيرة عن مشهد قد يصدمها ويذهب صوابها فأمر الشيخ سلامة أن يحملها داخل القصر ، وما انتزعها من جلباب أبيها حتى انهمرت دموعها ، وانفجرت تصيح وتعول .
وانطلق جلال الدين طائر اللب حتى لقى الجواد القادم في منتصف الطريق فاحتمل الأمير الصغير من يدى السائس الذى ملكه الخوف فلم يدرك ما يقول ، وألقى عليه السلطان نظرة هائلة كاد يصعق لها ، وكان الارتباك نقد أنساه أن يترجل احتراما لمولاه فترجل وفرائصه ترعد ، فلم يكلمه السلطان ، ومضى يحمل الأمير المصاب مسرعا ، ولكن في رفق حتى بلغ الباب فدخله ، وأشار للحجاب بأن يسرعوا بإحضار الطبيب وصعد إلى أعلى القصر ، وانطلق الحجاب مهرولين عليهم دلائل الدهش والقلق .
ودخل الطبيب على السلطان ، فوجده مكبا على الأمير المصاب يجس نبضه ، ليطمئن على أنه حي بعد ، ولكن القلق أطار صوابه فخيل إليه أن النبض ساكن وليس بساكن ، وما أن لمحه السلطان حتى تنحى له عن المصاب ، فدنا من السرير ، وكان أول ما فعل أن حل عن الفارس الصغير ملابسه العسكرية ، ثم جس نبضه والسلطان ينظر إليه واقفا على أحر من الجمر يتفرس في وجهه عسى أن يقرأ في حقيقة الحال قبل أن ينطق بها لسانه ، ولكن الطبيب لم يبطئ عليه الجواب إذ قال : (مولاي ، إن مولاي الأمير بخير لا خوف على حياته ، وإنما به إعياء شديد أفقده وعيه ) .
ثم استخرج من حقيبته حقا به سائل أحمر ، فغمس فيه قطنة صغيرة فمسح بها حول أنف الأمير ورش على وجهه شيئا من ماء الورد ، ثم كشف عن جسده ، فرأى جراحا طفيفة في مواضع منه ، إلا جرحا واحد غائرا فوق حاجة الأيمن مسح عنه الدم ، ثم ذر عليه مسحوقا أبيض ، ووضع عليه قطنا لفه بعصابة ربط بها رأسه .
وما أتم عمله هذا ، حتى تحرك الأمير وفتح عينيه ، فجعل يديرهما في أرجاء السقف ثم حاول الجلوس وهو يقول : (أين أعدائى؟) أين الأوغاد الجبناء ؟ لقد هربوا خوفا منى ! ولم يملك جلال الدين نفسه من الفرح إذ رآه يتحرك وينطق أن دنا منه ، فضمه ، وجعل يُقبّلهُ في رأسه ، ويقول : (الحمد لله ، أنت بخير يا محمود يا حبيبى يا بنى ) .
فتعلق محمود بعنقه ، وجعل يتأمل في وجهه كأنه يستحضر شخصا بعد العهد به فنسيه ، ثم ابتسم قائلا : ( خالى ، ما جاء بك هنا ؟ هل جئتنى بمدد لقتال العدو ؟ ) .
أجل يا محمود ، أتيتك بمدد عظيم ، وسنبيد التتار أجمعين .
وتلفت محمود حوله ، ونظر إلى نفسه فقال : ( أين سيفى ورمحى ؟ وأين جوادى ؟ ) لم يجد جلال الدين ما يجيبه به وأدرك الطبيب أن الصبى لم يسترجع بعد كامل رشده فدنا منه وحل يديه من عنق السلطان وأضجعه على الفراش ، وقال له متلطفا : ( إن القتال واقف الآن ، وأنت بحاجة إلى النوم والراحة ، فنم واسترح ثم نستأنف قتال الأعداء بعد ذلك ) ، قال ذلك ونشر الغطاء على الأمير ، وما استقر رأسه على الوسادة حتى استرخى جفناه وغلبُهما النعاس ، فغرق في سبات عميق .
أما سيرون السائس فقد التجأ في خلال ذلك إلى الشيخ سلامة ، وقص عليه ما وقع للأمير على غير تقصير في رعايته وحمايته ، قال : ( ولكن الأمير صعب المراس ، شديد الغرام بالركوب ، ينطلق بجواده فلا يكل ، ولا يتعب ولا يقف ولا يستريح وإذا أفضى إلى ميدان فسيح أطلق لجواده العنان لا يبالى ما يعترض أمامه فربما وثب تلا عاليا ، أو انحدر به في جرف غائر ، وإذا رآنى حفزت جوادى لأقاربه ، رعاية له وحفظا عليه ، ألهب جواده بالسوط ، فزاد في عدوه فلا يسعنى إلا أن أكف عن مباراته ، ليقارب من سيره وربما خشيت عليه من شدة الجرى فأطلقت جوادى ملء عنانه فقبضت على زمام جواده ، واختطفته من سرجه ، وكان هذا أشد شيء عليه إذ يغضب منه ، ويسعنى ضربا بسوطه وركلا برجله ، فلا يرضى حتى أمكنه من جواده مرة أخرى .
أما اليوم فقد خرج بكامل سلاحه ، وقال لي في الصباح : إنه سيقاتل التتار قتالا عنيفا ، وسيلتحم معهم في معركة هائلة ، وأمرنى أن أحمل سيفى معي فربما يحتاج إلى معونتى ، فلما خرجنا من المدينة همز جواده فتوجه به نحو الغابة الشرقية ، فسألته أين يريد بها ؟ فقال لي : (إن الأعداء هناك ، وأمرنى بأن أتبعه وأن ألزم السكوت ، فتبعته حتى إذ كنا على مرمى حجر من طلائع أشجار الغابة ، وقف وأشار إلى فوقفت حذاءه فأخرج قوسه وناولنى جعبه سهامه فجعل يأخذ منها سهما بعد سهم فيثبته على القوس ثم ينزعها كأحسن ما ينزع الرماة ، وينطلق السهم له خفيف بين فروع الأشجار وأغصانها الملتفة ويقول لي بين حين وآخر .
وكان يفعل ذلك بحماسة عظيمة جعلتنى أحسَبُ نفسى في معركة حقيقية ، لا بين يدى أمير صغير يلعب ، ولما فرغت الجعبة من السهام تنكب قوسه ، وسل سيفه من قرابه ، وأمرنى أن أفعل كذلك ، ثم تقدم بخطى ثابتة وهو شاهر سيفه ، حتى إذا بلغ الأشجار قال لي : اضرب ، فجعل يضرب فروع الأشجار بسيفه يمينا وشمالا ، وأنا أفعل مثله ، وبقينا كذلك حتى كلت يدى من الضرب ، ورأيته قد أحمر وجهه ، وتصبب العرق من جبينه ، ولكنه ظل يواصل الضرب ، حتى أشفقت عليه ، ولما رآنى كففت ، نظر إلى مغضبا وصاح : ( اضرب يا هذا ! ) فبقيت في حيرة من أمره ، كيف أحمله على وقف الضرب ، حتى هدانى عقلي إلى حيلة طريقة فأظهرت حماسة كبيرة في القتال ، وجعلت أضرب ضربا شديدا ، فرأيته طرب لعملى ، وحمى وازدادت حماسته ، فصار يضرب ضربات متتابعة ، وعند ذلك صحت بأعلى صوتى : (لقد انهزم جيش العدو! ها قد فروا من سيفك يا مولاى الأمير ! ) .
أنتجت حيلتى هذه الأثر المطلوب ، غذ كف الأمير عن الضرب لما سمع هذا القول ، واستنار وجهه ، وتهللت أساريره ، وما كان أجمله وهو يختال بجواده ، وجواده يختال به كأنما أحس الحيوان بما أدرك مولاه من مجد الأنتصار فشاطره الفخر به ، أو كأن خيلاء البطولة التى ساورت الأمير قد سرت منه إلى جواده فهي تمور في عنقه وتسري في أعطافه .
وقف الأمير كذلك هنيهة يتلعب بعنان جواده ، فطورا يشده وطورا يرخيه ، والجواد يرفع صدره ويخفضه ، ويترنح ترنح النشوان يمنة ويسرة ، ولعل الفارس البطل انتبه حينئذ إلى أن عمله لم ينته بعد ، وأن عليه أن يطارد العدو ويتعقب آثاره بعد أن يهزمه ، فما هي إلا لحظة حتى دفع جواده في صدر الغابة ، فأدركت الخطر ، وخشيت أن يصطدم بشجرة أو يقع في غدير ماء ، فصحت به : ( إن الأعداء أخذوا هذا الوجه يا مولاي وانطلقوا في عرض الميدان ، فكر راجعا إلى حيث كنت ، فاستدبرت وانطلقت إلى الميدان الفسيح ، فدفع جواده فلحقنى ، ثم سبقنى صائحا بأعلى صوته : (ادفع ! ادفع ، لابد من إدراك العدو ) .
وأعمل سوطه في كفل الجواد ، فطار به قدما ، وخلف غباره في وجهى ولم أتمكن من اللحاق به إلا بعد عناء وجهد وكلما اقتربت من محاذاته زاد في دفع جواده ، ليحتفظ لنفسه بفضل السبق ، وكان هذا دأبه معى كل يوم كما ذكرت ، ولكنه لم يظهر في يوم الأيام من القوة والنشاط والتحمس والاندفاع ما أظهره اليوم وماذا أقول في وصفه وبم أشبهه ؟ أشبهه بالليث وأذى في قفصه فهاج فحطمه وانطلق يطوى السهل والأكم وراء فريسته ! أم أشبهه بالعاصفة تهب فلا يقف دونها شيء! لقد جعلتنى أمام بطل من أبطال الفروسية ، لا أمام صبى لم يسلخ السابعة وأقسم لك لولا تذكرى دائما ما عهد إلى من حراسته ووقايته ، وخوفى أن يصاب بسوء وهو في عهدتى لما جشمت نفسى مشقة الجري مع ، فقد كل جسمى ، ونفدت قوتى وبلغ الجهد منى مبلغا كاد يقضى علي .. وهو مازال في عنفوان قوته وغلواء نشاطه ، كأنه معين نشاط لا ينضب وإن عجبى من جواده الصغير لا يقل عن عجبى من راكبه ، وإنه ليجرى وإنى لأجرى معه ، وكأن السهل بساط يطوى تحتنا طيا ، وكأن التل يجذبنا جذبة واحدة إلى رأسه ، ثم يدفعنا دفعة واحدة إلى أسفله .
وبينما نحن كذلك ، إذ بصرت بجرف شديد الانحدار يقترب منا ، فوقف شعر رأسى ، ونبهت الأمير للخطر وصحت به أن يمسك العنان ، فلم يأبه لقولى ، واستمر في جريه كأنه يتحدانى ، وأيقنت أنه سائر إلى الجرف ، فلم أجد بُداً من أن أ>فع جوادى بكل ما بقى من قوتى ، فدنوت منه ، فاختطفته من سرجه على مدى خطوات من الجرف ، وشددت أحد طرفي العنان بقوة ، فذعر الجواد ومال إلى جنبه ، وانقلب بنا في الأرض ، أما الجواد الصغير فلما رأى الخطر حاول اتقاءه ، فأعجزه أن يقف قوة اندفاعه ، فصرت فضل جريه ، ووجهه إلى جهة يساره ، حيث نوقع في جانب من الجرف أقل انحدارا مما كان مقبلا عليه ، ولم نعلم ما حدث له حينئذ ، ولم نره إلا هنا عندكم ، وقد أغمى علي عقب السقوط ، ولما عاد إلى صوابى رأيت الأمير جاثما على وجهه وقد بردت أطرافه وشحب وجهه ، فحملته على جوادي ورجعت به).
ما انتهى السائس من حديثه حتى شعر بدوار في رأسه ، فأسنده الشيخ إلى صدره ومشى به على سرير دونه فأضجعه عليه وهو يقول : ( إنى متعب شديد فبالله عليك ألا ما شفعت لي عند مولانا السلطان وبسطت له عذرى فإنى أخشى عقوبته ) .
قال له الشيخ : (ليطمئن بالك فلن يعاقبك مولانا السلطان ، وأرجو أن يجزيك على جميل ما صنعت في خدمة أحب الناس إليه ) ، وذهب غير بعيد فأحضر له شرابا منعشا وقال له : (اشرب هذا فإنه ينفعك ويعيد إليك قوتك ) ثم دثره بالغطاء وتركه ينام .
واستيقظ الأمير محمود في صباح اليوم التالى بارئا كأنما نشط من عقال لا يرى عليه أثر مما أصابه بالأمس إلا العصابة المربوطة برأسه ، فلما رآه جلال الدين كذلك سر به ، وأدناه منه قائلا : ( حياك الله يا هازم التتار ، لقد هزمتهم يا بنى إلى غير رجعة ) ، فابتسم محمود ابتسامة يخالطها الحياء خجلا من ثناء خاله عليه ، واستمر جلال الدين في كلامه يقول : ( لكن حذارا يا بنى أن تجازف مرة أخرى بحياتك ، كان عليك وقد هزمت عدوك في الغابة أن تكتفى بذلك ، وألا تكلف نفسك مشقة الجري وراءه بل تعنى بتنظيم جيشك والاستعداد للقائه إذا حاولت فلول جيشه أن تكر عليك .
قال محمود : (إنى أردت أن أطرده من حدود بلادنا فلا يعود إليها ) .
إن أبيت يا بنى إلا مطاردة العدو فأرسل أحد قوادك فليطاردهم ، وليتعقب آثارهم ، ولا تطاردهم بنفسك ، فإن في ذلك خطر عليك وعلى جيشك .
ليس عندى إلا سيرون وهو قائد جبان ، لن يمضى لمطاردتهم وحده .
لا تقل هذا في حق سيرون فما بجبان ، ولكنه قائد حازم لا تعميه شجاعته عن رؤية الخطر الذى أمامه ولا خير في شجاعة بغير حزم ، ألم ينبهك إلى الجر فلتتقيه فلم تسمع لقوله ؟ ولو لم يحل بحزمه بينك وبين تهورك لترديت في ذلك الجرف فأنت مدين له بحياتك وهو جدير بشكرك .
سكت محمود لما سمع هذا وبحر جوابا وعلا كتئاب كأنما عز عليه أن يلام على عمل مجيد في زعمه ، وأدرك جلال الدين ما جال بخاطر الأمير الصغير ورق لوجومه فأخذ يده برفق وضمه إلى صدره بحنان وقال له : ( إنى معجب بشجاعتك وبطولتك أيها الفارس الشجاع ، وإنما أريد منك أن تضيف إلى شجاعتك الحزم لتكون قائدا كاملا ، وأملي كبير فيك أن تعمل بنصحى وتحقق رجائى ، ولن أرضى عنك حتى تعدنى بشرفك ألا تجازف بنفسك مرة أخرى ) .
فاقل محمود وقد خفت عنه الكآبة : ( أعدك بشرفي ألا أجازف بنفسى مرة أخرى ) .
وأن تنظر إلى ما أمامك .
وأن أنظر إلى ما أمامى .
وأن تقف إذا رأيت خطرا قدامك .
وأن أقف إذا رأيت خطرا قدامى .
وألا تجرى جوادك ملء عنانه .
فتوقف محمود لحظة أدرك جلال الدين خلالها أنه يصعب على محمود أن يعده بهذه فاستدرك قائلا : (إلا في سهل خال من المرتفعات والمنحدرات ) .
وألا أجرى جوادى ملء عنانه إلا في سهل خال من المرتفعات والمنحدرات .
فضرب جلال الدين على خده يدلله له ويقول له : (الآن اطمأن قلبى على فارسى الشجاع فما أخشى خطرا عليه ).
وتذكر محمود حبيبته جهاد فسأل أباها عنها قائلا إنه لم يرها منذ أمس ، فأجابه جلال الدين بأنها جاءت أمس تسأل عنه فوجدته نائما ، فلم تشأ أن توقظه .
وكانت جهاد في قلق شديد منذ حملها الشيخ سلامة فأسلمها إلى وصيفتها خيفة أن يذهب بصوابها مشهد محمود المصاب فظلت تبكى وتصيح محاولة أن تراه حين كان الطبيب يعالجه ، فلما انتهى من ذلك واطمأن جلال الدين عليه ذهب إليها ، فأدخلها على محمود وهو نائم ، وقال : إنه متعب من طول القتال ، وإن عليها أن تتركه ليأخذ قسطه من النوم و الراحة .
فاكتفت بالقاء نظرة على وجهه فراعتها العصابة المربوطة في رأسه ونظرت إلى أبيها مستفهمة عما حدث به ، فأسر إليها بأنه أصيب بضربة خفيفة في جبهته من سيف قائد التتار لما بارزه فغلبه محمود إذ ضربه بسيفه ففلق هامته ، وقد داواها الطبيب وربطها ولا خوف عليها منها ، فغدا سيبرأ منها وتلقاه فتهنئه بانتصاره المجيد على أعدائه التتار .
وباتت ليلتها تفكر في محمود ، والضربة التى أصابت جبهته ، وأشفقت عليه منها ، وتذكر ما أخبرها به أبوها من مبارزته لقائد التتار وضربه إياه بالسيف حتى فلق هامته ، فتمتلئ إعجابا بحبيبها البطل ، وتود لو تراه في تلك الساعة ليحدثها بأخبار الواقعة العظيمة التى انتصر فيها على التتار وهزمهم وشردهم إلى أقاصى البلاد .
وأطلقت لخيالها العنان فجعلت تتصور محمودا وهو يقاتل أعداءه في الميدان ، راكبا جواده الأشقر ، والسيف يلمع في يمينيه وهو يضرب به يمينا وشمالا فيجندل الأبطال وتتمثله إذا برز له قائدهم فلقيه محمود فتجاولا ساعة وتصاول وأمنته غرة من محمود فضربه ضربة في جبهته لم تصنع شيئا ، وحمى محمود لما أصيب بالضربة فحمل على قرنه حملة صادفة وعلا رأسه بالسيف ففلقه نصفين .
ثم سرحت تفكر كيف تقابله غدا ، وكيف تهنئه على انتصاره ، وأي هدية تقدمها له ، ثم تذكرت أنه يحب الزهر ، فاستقر عزمها على أن تقدم له باقة من الزهر ، وأطمأنت لهذا الرأي وسرت به سرورا أذن للنوم على عينيها فحل بهما ضيفا كريما .
ولما اصبح الصباح هبت من نومها فرحة ، وانطلقت إلى حديقة القصر فقطفت أشتاتا من الرياحين وأزهار الورد والياسمين فدفعتها إلى وصيفتها فألفت منها طاقة جميلة ، وزينتها الوصيفة وألبستها حلة من السندس الأحمر مطرزة في جيوبها وكميها وأطرافها ببنائق الفضة ، وأصلحت شعرها وفرقته وعلقته بشريط من الحرير يحفظه مرسلا على ظهرها ثم وضعت على ظهرها ، ثم وضعت على فرقها قلنسوة هندية سوداء موشاة بالذهب ، قد زين مقدمها بحبات من اللؤلؤ منسوقة على شكل الهلال .
مضت جهاد كذلك إلى غرفة محمود حاملة بيدها باقة الزهر ، فلما رآها قام لها وخفت إليه ثم قدمت إليه باقة الزهر قائلة : (هذه هديتى إليك أيها الفارس الشجاع ) ، فتقبل محمود الباقة وقال لها : (أشكرك يا جهاد على هديتك الجميلة ) فنظر إليها جلال الدين وهو يضحك من فعل الحبيبين الصغيرين ، وقال لهما : ( وأين هديتى أنا يا جهاد ؟ ) .
ابتسمت وقالت : (ليس لك عندى هدية لأنك لم تخرج لقتال التتار ) .
فقال جلال الدين : ( يا ليتنى خرجت معك لقتالهم يا محمود ، فتعطينى جهاد مثل هذه الهدية الجميلة ).
قال ذلك وجذب الصبيين فجمعهما في حجره ، وطفق يضمهما إلى صدره ، وهو يقول : ( بارك الله فيكما يا ولدي! أسعد الله أيامكما يا حبيبى ) .

[ سليل المجد ]
02/07/2007, 05:11 AM
أشكرك أخي على الإكمال

علماً أنني لم أكمل

لأني لم أجد أحد يتفاعل

ويقرأ

ولكن سأكتب الفصل الرابع

قريباً

asdmamdouh
02/07/2007, 07:19 PM
صديقى صقر الأندلس اشكرك على مجهودك وفكرة العظيمة في أن تجعل الشباب تقرأ مثل هذه القصص فهي قصص بها الكثير من البطولات والتضحيات نحتاجه في حياتنا اليوم أكثر من أي زمن أخر ومشكورا اجعلنى بعد اذنك أن أكمل لك القصة كلها من الفصل الثالث إلى الفصل السادس عشر كامل متكامل ولكن إعذرنى حيث أننى في كل يوم سوف أضيف فصل واحد فقط .
ونسأل الله أن يجعله في ميزان حسانتك
صديقك asdmamdouh
**********************
:yasser-atrees (296)
الفصل الرابع
استعداد جلال الدين للإنتقام
عاش السلطان جلال الدين في مملكته الصغيرة بالهند عيشة حزينة ، تسودها الذكريات الأليمة ، ذكريات مُلْكه الذاهب ، وذكريات أهله الهالكين ، من أب مات في الغربة شريدًا وكان في سلطانه ملء القلوب والأسماع والأبصار ، ومن إخوة ذبحهم التتار وكانوا على عروشهم زينة الملك ، وعنوان المجد ، وجمال الشباب ، وجدة وعمات ساقهن التتار سبايا إلى طاغيتهم ، وكن في أيامهن بهجة القصور ، وأم كريمة وزوجة بارة ، وأخوت عقائل أمر بإغراقهن في النهر وهو ينظر إليهن ، وكن أحب الناس إليه وأكرمهن عليه ، وكان يجد سلواه الوحيدة في ولديه الحبيبيين محمود وجهاد ، فيقضى جل أوقاته معهما ، ينزل إلى عالمهما الصغير ويصادقهما ، ويشترك معهما في ألعابهما ، ويجاريهما في أحاديثهما البريئة ، وأحلامهما الصافية ، فيجد في ذلك لذة تنسيه هموم الحياة وآلامها .
وكان مع ذلك لا ينسى تدبير ملكه وتنظيم شئونه ، وتقوية جيشه وتعزيز هيبته فكان في كفاح دائم مع أمراء الممالك الصغيرة التى تكتنف مملكة لاهور ، يدفع غاراتهم على بلاده ويغزوهم الفينة بعد الفينة ، وهو في ذلك يتنسم أخبار ممالكه السابقة ، ويرقب حركات التتار بها يتربص بهم الدوائر وينتظر الفرص للانقضاض عليهم والانتقام منهم ، واسترداد ممالكه وممالك أبيه من أيديهم ، أو أيدى أعوانهمن وأجرائهم ، فقد كان التتار أمة لا تطمع في ملك البلاد وحكمها ، وحسبها أن تغزوها فتقتل من تقتل من رجالها ونسائها وأطفالها ، وتسبي منهم من تشاء وتنهب خزائنها فلا تدع شيئا إلا أتت عليه ، ثم تغادرها إلى بلادها حاملة معها الغنائم والأسلاب فتنقبع فيها ما تنقبع ثم تعود كرة أخرى فيطغى سيلها على الأمم ، والممالك فتقتل وتنهب وتسلب ثم تعود إلى منبعها وهكذا دواليك وربما عقدوا مع أهل البلاد التى غزونها اتفاقا يأمنون به من عودتهم على أن يحملوا إليهم جزية كبيرة في مستهل كل عام ، وحينئذ يولون عليها من يتوسمون فيه الميل إليهم ، والرضا بسياستهم من عبيد الأهواء الطامعين في المناصب من أهل تلك البلاد .
كذلك كانت الحال في العواصم والمدن التى تخلي عنها جلال الدين فقد وليها جماعة من الطُّغاة المستبدين ، لا هم لهم إلا جمع المال من كل سبيل فيصادرون أملاك الناس ، ويفرضون الضرائب الثقيلة عليهم ، ويسلبون أموال التجار ، ومن جرؤ على الشكوى منهم كان جزاؤه القتل أو الإهانة والتعذيب .
وكان لجلال الدين فيها أعوان وأنصار لا يُحصون كثرة ، يتمنون عودته ، ويراسلونه سرا فيصفون له أحوال الناس بها ، وما يعانونه من ظلم الحكام وفسادهم وطغيانهم ويحضونه على العودة غليهم ، ويعدونه بالنصر والتاييد ، وبأنهم سيثورون ثورة عارمة على أولئك الحكام إذا ما عاد جلال الدين إلى بلاده ، وذكروا له أن جنكيز خان مشغول عنهم بحروب طويلة في بلاده مع قبائل الترك .
فرأى جلال الدين أن الفرصة سانحة وصحت عزيمته على اغتنامها فتجهز للمسير وكتم خبره عن الناس جميعا ماعدا قائده الكبير الأمير بهلوان أزبك ، إذ استنابه على ما يملك وترك له جيشا يكفى لحمايته ، وسار هو بخمسة آلاف قسمهم إلى عشر فرق ، جعل على كل منها أميراً ، وأمرهم أن يسيروا خلفه على دفعات من طرق مختلفة ، حتى لا يتسامع الناس بخبر مسيرتهم .
وكان قبل مسيرة قد فكر مليا في أمر ولديه الحبيبين وتردد طويلا أيستصحبهما معه أم يتركهما بالهند ؟ فإنه إن أخذهما معه عرضهما لأخطار الطريق ومتاعب هذه الرحلة الشاقة وإذا نجا بهما من ذلك رمى بهما إلى ما هو مقدم عليه من الكفاح العظيم ، والقتال المستميت ، لاسترداد بلاده وبلاد أبيه ، ولا يعلم إلا الله وحده ماذا تكون عاقبة سعيه وماذا يكون مصيره وسيفضى به هذا لا محالة إلا مواجهة التتار وقتالهم من جديد ومن ذا يضمن له الغلبة على تلك الأمة الهائلة التى لا نهاية لجموعها ولا صاد لهجماتها ولا عاصم من أمرها إلا من رحم الله ؟
وإنه إن تركهما بالهند فلا طاقة له بفراقهما ، ولا طاقة لهما بفراقة ، وليس له في الدنيا أهل غيرهما وما لهما فيها من أهل غيره ، وقد وجدهما بعد ضياع ، ولقيهما بعد يأس ، فانتعش بهما أمله ، وأشرق بهما وجه حياته ، وكان له عزاء عن كل ما فقد من ملكه وأهله ، أفيتركهما وحيدين في بلاد غريبة عليهما لا يدرى ما ذا يكون مصيرهما فيها ، فربما يطمع أمراء الهند في مملكه لاهور ، ويستضعفون نائبه عليها حين يبلغهم سير السلطان بمعظم عسكره عنها فيقومون عليها قومة واحدة ، وتسقط في أيديهم ويومئذ لا يكون لرجاله مهرب ، ويقع الأميران في قبضتهم ولا أمل في نجاتهما من سيوفهم .
أخذ جلال الدين يوازن بين الخطتين إلا أن آثر أهون الخطرين عنده ، ففضل أين يأخذ الأميرين معه ، إذا كان هذا أحب الرأيين إلى نفسه ، وأقربهما إلى هواه فحسبه أن يراهما دائما معه ، فإذا قدر له النجاح فذاك ، وإن خانته الحظوظ فلن يبقى بعد ذلك أمل في الحياة ولن يؤويه بعد ذلك مكان وخير لهما حينئذ أن يقتلا معه فلا يتعرضا لما يتعرض له مثلهما من الشقاء والهوان .
وكأن جلال الدين كان ينظر من سجف الغيب إلى هذا اليوم ويستعد له إذ عنى بتدريبهما من صغرهما على ركوب الخيل وحمل السلاح وسائر أعمال الفروسية وتربيتهما تربية خشنة تعدهما لتحمل المشاق ، وركوب الأخطار والتغلب على المتاعب .
وطالما سمعا منه أو من الشيخ سلامة الهندى أخبار جدهما خوارزم شاه ووقائعه مع التتار وحروب جلال الدين معهم من بعده ، فكانا يطربان لذلك ويتحمسان ، وكثيرا ما كان جلال الدين يصف لمحمود شجاعة والده الأمير ممدود وحسن بلائه في قتالهم وغرامه بمبارزة قوادهم وأمرائهم ، إلى أن يقص عليه أخبار واقعة هراة التى أصيب فيها فمات من جرحه شهيدا في سبيل الله بعد أن نكل بالأعداء تنكيلا ، ومزقهم شد ممزق ، فيمتلئ محمود بالحماسة ، ويود لو شهد تلك الوقائع فكانت له في قتال التتار مواقف مشهودة .
وكان محمود يشعر في قرارة نفسه بأنه سيقاتل التتار يوما ما ، إذ بلغ مبلغ الرجال فيثأر منهم لأبيه ، وينتقم منهم لما أصاب جده وخاله ووالدته وجدته وسائر أهله ، وقد سيطر عليه هذا الشعور ، وملك عليه جميع مذاهبه ، فكان شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم ، ولا يفتأ يفكر فيه نهارا ، ويحلم به ليلا وأنه ليطغى عليه أحيانا فيقع منه في كرب عظيم ، فلا يجد أداة يعبر بها عن حبيس رغبته وينفس عن كربه ، إلا أن ينطلق في عالم الخيال حيث يصور له الوهم معارك تدور بينه وبين التتار ينتصر فيها عليهم وشتت جموعهم ويجندل أبطالهم ويفرق صفوفهم وينهزمون فيجد في طلبهم ويتعقب آثارهم حتى يشردهم إلى أقاصى البلاد ويعود إلى المدينة ظافرا تقام له الزينات وتضرب له الطبول ، وتنثر عليه الأزهار والرياحين .
وكانت جهاد تشاطره هذا الشعور ، وتشجعه على حروبه هذه ومعاركه وترى فيها تحقيقا لأمانيها في بطلها العظيم ، وتنفيسا لما يحتدم في صدرها من كراهية التتار ، وحب الانتقام منهم ، فكان لا يلذ لها شيء ما يلذ لها الإصغاء إلى حديثه حيث يقص عليها ما دار بينه وبينهم من المعارك الهائلة ، وما أظفر فيها من آيات البطولة والإقدام .
حتى جلال الدين نفسه كان يشجع محمودا في أعماله الحربية ، ويجاريه في تصوراته ، ويصغى لأحاديث بطولته ، ويثنى عليه فيها ، ويتلطف في إسداء النصائح إليه خلالها ، وقد أمر رجاله وحُجاب قصره وخدمه بأن يجاروه في أحلامه ، ويصدقوه في مزاعمه .
فما سمع محمود وجهاد لعزم جلال الدين على المسير لقتال التتار واسترداد بلاده حتى أظهر له من الفرح والاستبشار بذلك ما جعله يعجب من نفسه ، كيف فكر في تركهما بالهند ، وعدم استصاحبهما معه في رحيله إذن لشق عليهما ذلك ، وأذاهما أبلغ الأذى ، وربما أعجزه أن يحملهما عليه إلا أن يرهقهما ويحملهما مالا طاقة لهما به .
سار جلال الدين من الهند ومعه خواص رجاله ، فقطعوا المفازة على خيولهم ، وعبروا نهر السند في مراكب عظيمة قد أعدها جلال الدين لذلك من قبل حملتهم وحملت خيولهم وعتادهم وتبعتهم فرق جيشه فرقة بعد فرقة حتى التقوا جميعا عند ممر خيبر فساروا حثيثا حتى إذا اقتربوا من كابل بعث جلال الدين رسلا إلى أشياعه بها يخبرونهم بمجيئه ففرحوا بذلك وأشاعوه في المدينة فوثب أهلها على حكامهم وأشياعه فقتلوهم ودخل جلال الدين المدينة فملكها بدون قتال كبير .
وشاع هذا الخبر في سائر المدن والعواصم ، فاستعد دعاة التتار وأعوانهم ,أجمعوا على ملاقاته ومقاومته ، وبعثوا إلى جنكيز خان يستنجدونه ، فعاجلهم جلال الدين قبل أن تأتيهم إمدادات التتار ، فمضى يفتح المدينة بعد المدينة بغير عناء يذكر ، لأن أهلها كانوا يثورون على حاكمهم حين يقف جلال الدين على أبوابها ، ويساعدونه عليهم فيلوذ هؤلاء الخونة بالفرار إلى جنكيز خان ، حتى وصل جلال الدين إلى كرمان ثم سار إلى الأهواز فاستولى عليها ، ثم أذربيجان فملكها ودانت له سائر بلاد إيران .
وكان محمود وجهاد يسيران حيث سار جلال الدين لا يفارقانه في تنقلاته كلها ، وكان يقوم بخدمتهما في ذلك الشيخ سلامة الهندى وسيرون السائس ، ما كان أشد فرح محمود وهو يتنقل في ركاب خاله من مدينة إلى مدينة فتفتح لهما أبوابها ، وتدق لهما الطبول ، وتصطف الجماهير لمشاهدتهما وتحيتهما ، تتعالى أصواتهم بالهتاف للسلطان وولي عهده ، ولكنه مع ذلك كان يشتهى أن يرى وجوه التتار ، وكثيرا ما سأل خاله : (أين أعداؤنا التتار؟ متى يخرجون غلينا فنقاتلهم ؟ ) فيبتسم السلطان جلال الدين ويجيبه : ( لا تستعجل الشر يا بنى ، إنهم آتون إلينا قريبا ، فناصرنا الله عليهم إن شاء الله ) .
عادت المياه إلى مجاريها ، وخطب للسلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه وولي عهد محمود بن ممدود على منابر البلاد جميعها ، وكان أول ما اهتم به جلال الدين بعد أن استنبت له الأمور فيها أن يحيى ذكرى والده العظيم ، فسار في موكب عظيم لزيارته في الجزيرة التى دفن بها ، فبكى عند قبره وترحم عليه ، ثم أمر بنقل رفاته فدفنه بقلعة أزدهن في مشهد حافل حضرة العلماء والكبراء والأعيان من جميع الأصقاع وبنى عليه قبلة عظيمة أنفق علي بنائها وزخرفتها أموالا كبيرة وجلب لها أمهر البنائين والصناع.
وما تم له ذلك حتى بلغه أن جنكيز خان قد أرسل جيوشا عظيمة لقتاله بقيادة أحد أبنائه فتجهز للقائهم وسار بأربعين ألفا يتقدمهم جيشه الخاص الذى أتى به من الهند وسماه جيش الخلاص ، وكان قد بقى منه زهاء ثلاثة آلاف فلقى جموع التتار في سهل مرو ، ودارت بين الفريقين معركة من أهول المعارك ثبت فيها جيش الخلاص حتى باد معظمه ، واضطربت صفوف المسلمين ، ويئس جلال الدين من الانتصار فصممعلى أن يستشهد في المعركة فالتفت إلى محمود ، ووكان واقفا على جواده خلفه ، وهو يتقدم حماسة وغيرة ، فقال لهك ( ها أنت ذا قد رأيت التتار يا محمود ، وإنى سأقاتلهم بنفسى ، فاثبت خلفي ولا تدع أحدا يأسرك ) فتهلل وجه محمود وعد ذلك فخرا عظيما أن يثق خاله به ، وعجب السلطان من رباطة جأش الغلام وتهلله للموت ، وتقدم يحرض رجاله ويجمع صفوفهم ويقاتل بنفسه والأمير الصغير وراءه على جواده والسيف في يمينه فلما رأى المسلمون ذلك دبت فيهم الحمية ، فقاتلوا دون السلطان قتالا عنيفا ، وبينما هم كذلك يقاتلون مستميتين والسلطان في مقدمتهم والتتار ظاهرون عليهم ، إذا بصفوف التتار قد اضطربت وإذا بأصوات تسمع من خلفهم : ( الله أكبر ! الله أكبر! نحن جنود الله أيها المسلمون قاتلوا المشركين !).
فعجب المسلمون من أمرهم ، وظن بعضهم أن هؤلاء ملائكة بعثهم الله لتأييد المسلمين فحملوا على التتار حملة صادقة ، وهم يصيحون : ( الله أكبر!) وما هي إلا لحظة حتى انهزم التتار ولكنهم لم يجدوا مهربا إذ تلقاهم المسلمون من أهل بُخارى وسمرقند ، وكانوا قد خرجوا من بلادهم عقب مسير التتار ، فكبسوهم من خلفهم على غرة منهم ، فأعمل الفريقان من المسلمين سيوفهم حتى أبادوهم على بكرة أبيهم وتصافح الفريقان من المسلمين على السهل الذى امتلأ بجثث التتار .
وفرح السلطان جلال الدين بجيش بخارى وسمرقند وأثنى عليهم ، وكان مما قاله لهم : (إنكم جنود الله حقا ، وما أنتم إلا ملائكة بعثهم الله من السماء لتأييد المسلمين وإننا مدينون لكم بحياتنا وانتصارنا ) ، وأكرمهم وخلع عليهم وعرض عليهم الانضمام إلى جيشه فقبلوا شاكرين .
وأمر بالأسرى فقتلوا جميعا ، وكان فيهم قائدهم ابن جنكيز خان فأمر به فأُحضر لديه ليقتله بنفسه ، ولكن محمودا تقدم إليه قائلا: (يا خالي إنك لا تقتل إلا جنكيز خان نفسه ، أما ابنه فهذا فدعه لسيفى فإنه غير أهل لسيفك ) .
فضحك جلال الدين ، وضحك من معه وقال له : (صدقت يا محمود ، عليك به فاقتله على ألا تزيد على ثلاث ضربات ) فتقدم محمود حتى دنا من الأمير التتري ، وكان قد شد بقيوده إلى الأرض ، فهز سيفه هزتين في الهواء ثم ضرب به عنق الأسير ضربة أطارت رأسه ، فكبر الحاضرون فرحين معجبين بقوة الأمير الصغير ، والتفت محمود إلى خاله : ( لم أزد على ضربة !) فقام له جلال الدين ، وعانقه قائلا : ( بارك الله فيك يا بطل !) .
بلغ جنكيز خان نبأ هذه الكارثة الشنيعة ومقتل ابنه ، فغضب أشد الغضب وتوعد بالمسير بنفسه لقتال جلال الدين ، وألا يرجع حتى يقتله ولي عهده ويذبح المسلمين رجالهم ونساءهم وأطفالهم ذبح الخراف ، ولكنه لم يزل مشغولا إذ ذاك بحروب طويلة في بلاده مع قبائل الترك ، أكرهته على أن يؤجل انتقامه من جلال الدين إلى حين .
وكان جلال الدين يعلم حق العلم أن جنكيز خان آت بجموعه يوما ما للأنتقام منه ، وأن انتقامه سيكون عظيما مهولا وأن عليه ألا يطمئن إلى الانتصار الذى أحرزه في سهل مرو ، وأن يستعد لذلك اليوم العبوس على أنه عرف من عيونه ومراسليه يما وراء النهر أن جنكيز خان لن يستطيع أن يفرغ له من حروبه القبلية الداخلية ويسير إليه قبل مضى ستة أشهر على الأقل .
فرأى ألا يضيع هذه المدة في غير عمل يزيد في قوته حتى يضمن لنفسه القدرة على الوقوف في وجه جنكيز خان إذا ما أقبل بقضه وقضيضه إليه .
ونظر إلى بلاده فوجدها منهوكة القوى قد عمها الخراب التام ، وعضها الفقر المدقع وفشا فيها القحط ونضبت فيها الموارد وكسدت فيها الأسواق من عظم ما منيت به من غارات التتار ، ونهبهم وسلبهم وتقتيلهم وترويعهم ، وتخريبهم وتدميرهم ، وطغيانهم وفسادهم ، ومن طول ما رزحت تحت كلاكل الحكام الخونة الظالمين من أعوانهم فأيقن أنها لن تستطيع أن تمده بما يحتاج إليه من المال والعتاد والخيل والسلاح وغيرها من أسباب القوة ، ليصد بها جموع التتار ، ويقف بها في وجه خصمه الجبار .
ظل أياما يفكر في وسيلة يسد بها خلته ويقوى بها ضعفه وبعد السبح الطويل في مهامه الفكر ، إنتهى به المطاف على ما كان يفكر فيه ، وحاول والده العظيم خوارزم شاه من قبله الاستنجاد بدار الخلافة وملوك المسلمين وأمرائهم في الشام ومصر فلديهم من ألغنى الفاحش ، وفي بلادهم من موارد الثروة الواسعة ما يكفل له القدرة على مواجهة عدو المسلمين جميعا إذا أمدوه بنزر مما يملكون .
ولم ينس جلال الدين أن أباه أخفق في مسعاه ، وأن أحدا من هؤلاء الملوك والأمراء لم ينجده بشيء ولم يصغ لنداءاته واستغاثاته ، واكتفى بعضهم بالاعتذار الجميل ، وضن بعضهم حتى بهذا الرد الجميل ولكنه لم يشأ أن يستعجل ردهم وييئس من الاستنجاد بهم ، ويوصد دونه هذا الباب الوحيد للخروج من مأزقه الحرج وحلا له أن ينتحل المعاذير ، فيما خيبوا من أمل أبيه فيهم ، وأصموا آذانهم عن سماع ندائه ، بما كان يروغ تلك البلاد في ذلك العهد من حملات الصليبيين وما يسودها من الاضطرابات الداخلية .
وكان يشعر في قرارة نفسه بأنهم لن ينجدوه، ويعلم أنه إنما يغالط نفسه ، إذا يرجو منهم أن يُنيلوه ما لم يُنيلوه أباه ، ولكن ما الحيلة وليس أمامه إلا هذا السبيل ؟
كتب جلال الدين رسائل إلى الخليفة ببغداد ، وإلا الملوك والأمراء ، بين لهم فيها خطر التتار على بلاد الإسلام جميعا ، ونوصف ما ارتكبوه في المسلمين من أهل بلاده من الفظائع والعظائم ، ودعاهم إلى نجدته وتأييده في جهاده لهم ، ووقوفه سدا بينهم وبين سائر بلاد المسلمين ، وبعث بها رسلاً إليهم فباء الرسل إليه بالخيبة ،، ولم يكن حظه من أولئك الملوك بأحسن من حظ أبيه ، فغضب جلال الدين منهم ، وضاق صدرا بإعراضهم ، فعزم على قتالهم قبل التتار نكاية بهم ، وتأديبا لهم ، وطمعا في الاستيلاء على ما في أيديهم ، والحصول على خيرات بلادهم ليستعين بها في جهاد التتار .
وقد رأى أن يبدأ بالملك الأشرف لأنه أغلظ له في الرد ، وكان من جوابه أنه ليس من الغفلة والجهل بحيث يساعد جلال الدين على عدوه ليخلوا له الجو بعد ذلك فيُغير على بلاده ، فلا فرق عنده بينه وبين التتار المتوحشين ، فكاد جلال الدين يتميز من الغيز وأقسم ليغزون بلاد الأشرف ، وليفعلن بها الأفاعيل حتى يصدق بذلك قوله أن لا فرق بينه وبين التتار المتوحشين .
فتوجه جلال الدين بعسكره إلى خلاط ، فهجم عليها ، وقتل أهلها ونهب أموالهم ، وخرب قراهم ، وأغار على حران ، والرها وما يليها فاستباحها واستاق منها أموالا عظيمة ، وظفر بغنائم كبيرة سيرها إلى بلاده ، بعد أن زلزل تلك البلاد وروعها ونهبها وفعل بها فعل التتار .
وكان في نيته أن يواصل غزوه على هذا النحو حتى يعصف بلاد الشام كلها ، ويخلص إلى مصر لولا أن جاءته كتب من بلاده تنبئه بسير جنكيز خان ، فطار إليها على عجل ، ليفرغ لخصمه العنيد ، وكأن الله شاء أن يعاقبه على ما أنزل ببلاده المسلمين من الخسف والدمار ، وارتكب في أهلها الأبرياء من العظائم ، وأتى ما يأتيه التتار من قتل الرجال وسبى النساء واسترقاق الأطفال ، ونهب الأموال ، وتخريب المدن والقرى ، انسياقا مع هواه الذى أعماه عن رؤية الحق ، وأضله عن سبيل المؤمنين فحمله على الإيقاع بقوم لم يعتدوا عليه ، ولا ذنب لهم إلا إنهم رعية ملك أساء إليه ، فافتقد في طريقه هذا ثمرتى قلبه ، وأنس حياته محمودا وجهاد حيث كان يجتاز بلاد الأكراد قافلا إلى بلاده فطلبهما في كل مكان ، والتمسهما بكل سبيل فكأنما ابتلعتهما الأرض وغاب معهما الموكلان بخدمتها وحراستها الشيخ سلامة الهندى وسيرون السائس .
وأقام السلطان وعسكره في الموضع الذى افتقد هؤلاء فيه ، حيث بث رجاله في طلبهم والتفتيش عنهم في جميع تلك النواحى فلم يعثروا لهم على أثر ، إلا في اليوم الثانى وجدوا جثة السائس ملقاه في منحدر ضيق بين جبلين ، وقد مزقت صدره الخناجر وهشمت رأسها وأطرافها الحجارة كأن الأثمة المجرمين ألقوه من سفح أحد الجبلين بعد أن أوسعوه بخناجرهم طعنا .
فتحقق جلال الدين أن الأميرين اختطفا مع خادميهما ، وأن المختطفين قتلوا سيرون ، لأنهم ضاقوا بمقاومته وأمر رجاله بالبحث عنهم فيما حول الجبلين وذهب معهم بنفسه فلم يجدوا لهم أثرا ولم يسمعوا عنهم خبرا فكاد جلال الدين يموت من الغم ، وامتنع عن الطعام وعزم ألا يبرح ذلك المكان حتى يقف على خبرهم.
وكانت الرسائل تتوالى عليه من نواب بلاده ، يخبرونه بأن جنكيز خان قد قطع بجموعه النهر ، وانقضونا على بخارى فدمروها وانتقموا من أهلها شر انتقام من جراء ذلك الفريق البخارى الباسل الذى هاجم مؤخرة التتار في معركة مرو ، فكان سبب هزيمتهم والقضاء عليهم وأنهم دالفون إلى سمرقند ففاعلون بها ما فعلوا ببخارى .
ولكن جلال الدين كان في شغل شاغل عنهم من أمر محمود وجهاد ، فكان يعرض أحيانا عن الرد ، وأحيانا يعد بقرب المسيرة وإذا نصحه أحد رجاله بوجوب الإسراع بالرحيل صب عليه جام عضبه ، وصاح في وجهه : ( يا خائن أتنصحنى ويلك بترك ولدي ! أغرب عن عينى قبل أن أفرق بين رأسك وجسدك ) .
تغيرت طباع جلال الدين وساء خلقه ، وأصابه مس من جنون الحيرة والقلق حتى صار لا يجرؤ أحد من رجاله على الدنو منه ، والكلام معه إلا باحتراس شديد وألح به الهم فلجأ إلى الشراب وعكف على الخمر وأدمنها وجعل يشرب الكأس تلو الكأس حتى صار لا يفيق من سكره .
وكان يصيح ليلاً ونهاراً : (محمود ! جهاد! أين ذهبتما ؟ كيف تركتمانى وحدى ؟ خذانى معكما أو عودا على أيها اللصوص كيف تستطيع قلوبكم أن تقسوا على جهاد ومحمود ؟ كيف طوعت لكم أنفسكم خطفهما منى ؟ أنا الذى لا يصبران عن رؤيته ، ولا يحتملان العيش بدونه ! خبرونا ماذا حملكم على خطفهما ؟ أتنتقمون لأنفسكم منى ؟ إذن فخذونى مكانهما وخلو سبيلهما ، فإنهما صبيان بريئان ، خذوا جلال الدين بن خوارزم شاه ملك الهند وإيران وخراسان وما وراء النهر ، فافعلوا ما شئتم ، اقتلوه أو عذبوه أو اصلبوه أو احرقوه ، أو ابعثوا به أسيرا إلى جنكيز خان ، وإن أردتم المال فأعيدوهما إلي ولكم على عهد الله وميثاقه لأملان بيوتكم ذهبا وفضة وجواهر ، وإن شئتم تخليت لكم عن ملكى وبلادى ، أيها الأعداء ! أيها الأصدقاء ! أجل ستكونون أصدقائى إذ أعدتم ولدي إلى ـ رحماكم بي ! أما تعرفون من أنا ؟ أنا التعس الشقى ! أنا الوحيد الطريد ، ذهب ملك أبى فمات في الجزيرة غما ، وذبح التتار إخواتى وأعمامى ، وسبوا جدتى وعماتى ، نعم جدتى تركان خاتون بنت الملوك أم الملوك ، أما فيكم من شهدها وهي تنثر الذهب والدر على الغنى والفقير ، والبعيد والقريب ، والمقيم والغريب ؟ أليس فيكم أيها اللصوص ، أيها الاصدقاء ، أيها الأعداء ، أيها الكرماء ، أيها الأنذال من مسه سيب من عطاياها ، أو أصابته حفنة من ذهبها ، فيعرف لها الخير ، ويحفظ لها الجميل ، ويرق لحفيدها البأس المنكوب ، فيرد إليه ولديه الصغيرين ؟ وأغرقت أمى ـ التى ولدتنى وغذتنى وربتنى ، وأختى شقيقتى ، ابنة أمى وأبى ، وزوجتى أم أولادى التى أحببتها وأحبتنى ـ أغرقتهن جميعا في السند وقت الأصيل عند غرونب الشمس ! أرأيتم تحت السماء أشقى منى حالا ، وأجدر بالرثاء والرحمة ؟ أين هما ؟ أين محمود وجهاد ؟ ويل لكم أيها اللصوص أيها السفلة الأوغاد ، أجترأتم على أخذ ولدي منى ثكلتكم أمهاتكم أتعرفون من أغضبتم وتعرضتم لنقمته وعذابه ظ أجهلتم من أنا ؟ أنا جلال الدين ملك ملوك الأرض خاقان المشرق والمغرب مبيد التتار ، وقاهر المسلمين والكفار لأستخرجنكم من بطون الثرى واستنزلنكم من صياصى الجبال واقتحمن عليكم المعاقل والحصون ، وآخذن عليكم مسالك الأرض لتصلن إليكم يدى ولو تعلقتم بالنجوم ! فلأذيقنكم عذابا لم أذقه أحدا من العالمين ، لأقطعن أيديكم وأرجلكم وأسلمه عيونكم وأصطلمن آذانكم وأنوفكم وأبقرن بطونكم وأخرجن أمعاءكم وأشدخن رءوسكم ، ثم لأقطعنكم إربا إربا وأرمينها للكلاب الجائعة! ولأبيدن أهلكم وقبائلكم وأحرقن مساكنكم وقراكم فلا يبقى منكم على وجهها أثر ويل لكم منى ويل ! )
هكذا أمضى جلال الدين أيامه السود في مجاهل بلاد الأكراد ، فكان يقضى يومه هائما على وجهه في بطون الأودية ورءوس الجبال يبحث عن ولديه الضائعين ، وقد فقد صوابه ، ونهكه السهر والخمر وأمضه الحزن فكان يبكى حينا حتى يحسب رأيه أن لن ينقطع عن البكاء ويضحك حينا حتى يظن الرائى أنه لن يكف عن الضحك فإذا نال الإعياء منه ووقع على الأرض مغشيا عليه ، حمله رجاله إلى سرادقه حتى يرجع إلى حاله فيعود إلى طوافه كما بدأ .
وإذا أقبل عليه الليل ، اسرف في شرب الخمر وعربد وتكلم كلمات غير مفهومة وأتى بحركات غريبة حتى إذا أثقل رأسه السكر ، وغلبه الخمر انصرع على سريره وبات يهذى هذيان المحموم فكان الذين يسهون عليه من رجاله يسمعونه يسأل نفسه ويجيب نفسه ويلوم نفسه ويعتذر لها ، وسمعوه ذات ليلة يقول : ( ايها الرجل البخارى ، أيها المسلم البخارى ، كأنك حاج من حجاج بيت الله الحرام ، ألا تقف عندى لحظة فأتبرك بك ) .
(إنك رجل أحبطت عملك ، فأخاف أن يمسنى عذاب من الرحمن في اللحظة التى أقف فيها عندك ) .
(بل أنا رجل مسكين بائس منكوب ، ذهب ملك أبى فمات في الجزيرة غما ، وذبح التتار إخواتى وأعمامى ، وسبوا جدتى ...).
(حسبك حسبك قد عرفت ماذا تريد أن تقول ) .
( إنى أراك تبكى أيها الوالى الصالح فما يبكيك أأنت منكوب مثلى ؟ ) .
( إنما أبكى لحالك ..)
(تبكى لحالى ! إذن أنت تحبنى ..) .
(أجل إنى أحبك يا جلال ) .
(يا جلال ، هكذا كان والدي ـ رحمه الله ـ يدعونى دعنى أتأمل في وجهك يظهر لي أن فيك مشابه من والدي خوارزم شاه ) .
(أنا خوارزم شاه ).
(أنت إذن والدي نفسه .. أبى! أبى!) .
(لا تقرب منى ، ابق مكانك !)
(فيم يا أبتاه ؟ *)
(لست أباك ) .
(لست أبى ! ألم تقل لي أنك خوارزم شاه؟ !)
(بلى أنا خوارزم شاه ، محمد بن تكش).
(أنت إذن أبى : أتبرأ منى؟ !
(إنى أبرأ إلى الله من عملك ، ولو استطعت أن أبرأ منك لفعلت ، أبعد جهادك التتار المشركين ، رجعت تقاتل المسلمين وتستحل دماءهم ؟ ) .
(إنما أردت أن أودب الملوك الذين استنجدت بهم لجهاد التتار فخذلونى ، كما استنجدت بهم قبلى فخذلوك ).
(فهل قبضت على أولئك الملوك كما زعمت ، أم عمدت إلى الرعايا المؤمنين الآمنين في بلادهم فقتلت رجالهم ونهبت أموالهم ، وخربت ديارهم ومزارعهم ؟ وأعظم من ذلك عند الله أن سبيت نساءهم واسترققت أطفالهم أفترضى أن يصنع ذلك بنسائك وأطفالك ؟ ) .
(أواه لقد صنع ذلك بأطفالى لقد خطف منى محمود وجهاد واحزناه على محمود وجهاد!)
(جزاء وفاقا اذكر كم من طفل من أطفال المسلمين فرقت بينه وبين أمه وأبيه ؟ وكان أعز عليهم من ولديك عليك ) .
(أواه على محمود وجهاد ، ماذا جنيا من ذنب فيحملا عقاب آثامى ؟ )
(لا تبك عليهما خير لهما أ، يفارقاك بعد أن حدت عن سبيل الله ) .
(ولكنى أحبهما ولا صبر لي على بعدهما ) .
(لن ينفعهما حبك ، ولن يضرهما بعدك ، ولا تضع وقتك في البحث عنهما فلن تراهما أبدا).
(لن أراهما أبدا! كلا سأراهما .. سأبحث عنهما ، وسأجدهما ... اذهب عنى .. لا ، بل عد إلى أيها البخارى الصالح ، عد إلى أذاهب أنت إلى الحج ، فادع لي ربك أيها البخارى الصالح ، ادع لي عند ربك عساه يغفر آثامى .. محمود ! جهاد ! ) .
مرت الأيام على جلال الدين وما يزيد حاله إلا سوءا حتى يئس رجاله من رجوعه إلى صوابه ونفد صبرهم على شذوذه وجنونه وكانت الأنباء تأتيهم بتقدم جنكيز خان واستيلائه على المدينة بعد المدينة يقتل فيها ، وينهب ويدمر حتى بلغ تبريز فعز عليهم أن يبقوا واقفين أمام سلطانهم المرزوء في عقله ، الميئوس من حاله ، حتى يطحنهم التتار وهم ينظرون .
فتسللوا من حوله ، ولحقوا بإخوانهم المجاهدين البخاريين والسمرقنديين الذين انفصلوا من قبل عن جلال الدين حين رأوه يقاتل بهم إخوانهم المسلمين ، وأمروا عليهم أحدهم فلقوا طلائع التتار بين تبريز وديار بكر ، قاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقوى أملهم في النصر بعد ذلك ، إذ علموا أن جنكيز خان قد قفل راجعا إلى بلاده لعلة شديدة أصابته ، خشى منها أن تودي بحياته فيموت في غير مسقط رأسه ، و كان قد بلغه ما صار إليه خصمه الكبير من سوء الحال ، فرأى أن القضاء عليه أيسر من أن يقتضى بقاءه في قيادة الجيش واحتمال العلة في ديار الغربة ، ولكنه أصدر قبل رحليه أوامر صارمة إلى رجاله ألا يقتلوا جلال الدين إذا ظفروا به وأن يجتهدوا في القبض عليه وحمله حيا إليه ليرى رأيه فيه وينتقم منه بنفسه .
وما لبث التتار أن أقبلوا أفواجا يتدفقون تدفق السيل ، فغص بهم الفضاء وأيقن المسلمون ألا قبل لهم بملاقاتهم ولكنهم تعاهدوا على الموت في سبيل الله فوقفوا في وجه العدو ، كأنهم البنيان المرصوص ، فلم يستطع أن يتقدم شبرا إلا على أشلاء الأبطال المجاهدين .
سال طوفان التتار بعد انكسار هذا السد المنيع فطم تلك البلاد والقرى ، ولم يبق بينهم وبين الموضع الذى أقام فيه جلال الدين إلا بضعة فراسخ ، ما لبثوا أن قطعوها فوت الريح ، وكانوا قد علموا أين يقيم ، وليس كالتتار سرعة وحركة ، ومهارة في التجسس واستطلاع أحوال العدو ، فلهم في ذلك أمور تشبه الخوارق .
وكان قد بقى مع جلال الدين عدد قليل من رجاله ، عز عليهم أن يتخلوا عن سلطانهم العظيم ، وهو في حاله تلك وآثروا أن يحتملوا على علاته ، ويكونوا معه إلى النهاية ، وقد أزعجهم تقدم التتار فتآهبوا لحماية مولاهم والذب عنه ريثما يعدون العدة للفرار به إلى حيث يجدون مأمنا .
بيد أن التتار قد صاروا إذ ذاك أقرب إلى جلال الدين ورجاله مما ظنوا فما شعر هؤلاء إلا بالطلائع قد كادت تحيط به ، فقاموا على السلطان فوجوده سكران كدأبه ، فصبوا الماء على رأسه وأركبوه الفرس ونجوا به منهم .
وأفاق جلال الدين ذلك ، وأدرك ما هو فيه من خطر فانطلق إلى آمد ،، فمنع من دخولها ، وكبسه رجال من العدو وأحدقوا به دونها حتى لو شاءوا أن يقتلوه لأمكنهم ذلك ولكنهم إنما أرادوا القبض عليه فدافعهم عن نفسه وقتل جماعة منهم وذب عنه بعض خواص رجاله ، وشاغلوا رجال العدو حتى خلص منهم .
وطارده فرسان التتار ، وكان لا يباري في ركوب الخيل ففاتهم حتى دنا من ميافارقين ليحتمى بملكها ، فدخل قرية من قراها ولكن الفرسان لحقوه بها فبرحها ودفع جواده فطار به منهم وصعد إلى جبل هناك يسكنه قوم من ال أكراد يتخطفون الناس فلجأ إلى أحدهم وقال له : أنا السلطان جلال الدين استبقنى وأخف مكانى عن العدو الذى يطاردنى ، وسأجعلك ملكا ، فأخذه الكردى إلى بيته وأوصى امرأته بخدمته .
وكان قد لمح جلال الدين كردي آخر موتور منه فعرفه ، ورآه حين دخل البيت فأخذ يتربص خلو البيت من صاحبه فلما خرج صاحب البيت لقضاء حاجة له جاء الكردي الموتور وبيده حربة فقال :
(لم لا تقتلون هذا الخوارزمى ؟ فقالت امرأة صاحب البيت : ( لا سبيل إلى ذلك ، فقد أمنه زوجى )*.
فقال الكردى : ( لا أمان لهذا : إنه السلطان وقد قتل أخا لي في خلاط خيرا منه ) .
وكان جلال الدين رابط الجأش ولم ينبس ببنت شفة وما أتم الكردى كلمته حتى هز حربته فسددها بقوة إلى السلطان فحاص عنها فنشبت في الجدار خلفه ، وأسرع جلال الدين فاختطفها منه وقال له : ( الآن سألحقك بأخيك ).
فأيقن الكردى أنه مقتول فقال له : ( إن تقتلنى كما قتلت أخى فقد شفيت نفسى باختطاف ولديك !).
كانت هذه الكلمة الصغيرة أشد وقعا على جلال الدين مما لو أصابت الحربة كبده ، فقد زلزلت كيانه وأفقدته تماسكه ، وعجب الكردى إذ رأى خصمه واجما ينظر إليه نظرة ذاهلة والحربة تضطرب في يده ، و كان قد ملكه الخوف وتوقع بين لحظة وأخرى أن تخترق الحربة حجاب قلبه ، ولم يكد يصدق أنه حي بعد لولا أنه سمع بأذنيه قول السلطان يسأله بلهجة حزينة : ( ماذا صنعت بهما يا هذا ؟ ) قال الكردى وقد زال عنه بعض خوفه : ( إنهما عندى ولن أسلمهما إليك حتى تؤمننى) .
قال جلال الدين وقد تهلل وجهه : ( قد أمنتك).
(لا أصدقك حتى ترمى هذه الحربة من يدك ، فألقاها جلال الدين على الأرض ) : قائلا : (اذهب فأتنى بهما ، وسوف أكافئك حين أقدر على مكافأتك).
فقصد الكردى جهة الباب وهو يتوقع أن الحربة ستدق في ظهره حتى إذا أيقن أنه بمنجاة من بطش جلال الدين به وقف خارج الباب وصاح : ( أيها المخبول نجوت منك ! لقد بعت ولديك لتجار الرقيق من الشام فلن يعودا إليك أبدا ) .
وهم الكردى بالهرب لولا أن رأى السلطان يتمايل كالذى يدار به حتى سقط على جنبه وهو يقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ! لقد بيع محمود وجهاد بيع الرقيق ) .
فكر الكردى راجعا والتقط الحربة فطعن بها جنب جلال الدين ، فنشبت بين ضلوعه ولم يحاول جلال الدين أن يدفع الكردى عن نفسه ، بل استسلم له قائلا : (هنيئا لك يا كردى لقد ظفرت برجل أعجز جنكيز خان ! أجهز على وأرحنى من الحياة فلاخير فيها بعد محمود وجهاد ) .
وأراد الكردى نزع الحربة الناشبة بين الضلوع فلم يستطيع حتى ساعده جلال الدين على ذلك وهو يقول : ( عجل بموتى حنانيك !) .
وسدد الكردى الحربة إلى صدر جلال الدين فدقها فيه حتى نفذ سنانها إلى الأرض وهو يقول : ( هأنذا أرحتك من الحياة ) .
وجحظت مقلتا جلال الدين ورنا إلى جهة الباب كأنه يرى شبحا قدامه حتى فاضت روحه كذلك وهو يقول : ( أيها البخارى الصالح ! أيها الحاج البخارى : ادع لي عند ربك عساه يغفر ذنوبى ويكفر آثامى ) .


**********************
:yasser-atrees (296):yasser-atrees (296)
الفصل الخامس
اختطاف محمود وجهاد
مات جلال الدين ولم يعلم عن محمود وجهاد إلا أنهما اختطفا ، فبيعا لأحد التجار الرقيق بالشام ، أما كيف اختطفا وماذا لقيا بعد ذلك ، فبقى سرا مكتوما عنه إلى الأبد ، وتفصيل ذلك أن السلطان جلال الدين كان شديد الولع بالصيد لا يتركه في إقامته ولا سفره ، وقد بلغ به حب الصيد أن ربما كان يسنح له سرب من الظباء أو حمر الوحش في طريقه وهو سائر إلى غزوة أو قتال فينفتل عن جيشه في أثر السرب ، ولا يعود حتى يُصيب شيئا منه فيأمر رجاله بحمله ، وطالما نصحه خاصة رجاله في ذلك وحذروه مما قد ينتج عنه من الخطر على نفسه أو على جيشه ، فكان يسلم لهم بصواب رأيهم ويعدهم بألا يقع ذلك منه مرة أخرى ، ولكنه لا يلبث أن يرى صيدا فينطلق في أثره ويقول لهم في ذلك إنه أمر لا يقدر على دفعه وقد سرى هذا الغرام بالصيد منه إلى ابن أخته من طول ما صحبه الغلام حين كان يخرج لذلك في بلاد الهند ، وكثيرا ما خرج محمود مع سيرون سائسه لاصطياد الأرنب البرى خاصة .
ولما انتهى جلال ال دين من الإغارة على بلاد الملك الأشرف ، وقصد بلاده مسرعا للقاء جنكيز خان ، لم يشغله ذلك عن الانفتال عن عسكره ، والجري وراء غزال لاح له في أول الطريق فحبسهم ساعة ينتظرونه حتى رجع .
وكان جماعة من أهل خلاط قد أمضهم ما فعل جلال الدين بأهلهم وأطفالهم وأموالهم فتعاهدوا على اغتياله ولو كلفهم ذلك أرواحهم ، ولما علموا بسفره تبعوه ، وساروا وراء عسكره يتربصون فرصة انفراده عنهم أو غفلة حرسه عنه فيهجمون عليه ، ولما اعياهم ذلك ويئسوا من الظفر به عقدوا العزم على اختطاف ولديه ، وكانوا قد لحظوهما يسيران على جواديهما ولا يستقران في ناحية واحدة بل ينتنقلان في أكناف الجيش ، فحينا مع السلطان في المقدمة يتحدثان إليه ، وحينا في الساقة يستعرضان الجيش أو يتندران على بعض رجاله ، وكثيرا ما تخلا عنه حتى إذا ابتعد عنهما قليلا دفعا جواديهما ولحقا به يستبقان أيهما يسبق الآخر .
كان محمود أقدر على السبق من صاحبته بالطبع ، ولكنه كان لا يضن عليها بنيل هذه الأمنية أحيانا ، فيعتمد أن تكون لها الغلبة تدليلا لها وتطيبا لخاطرها وكان يرافقهما في كل ذلك ويحرسهما الشيخ سلامة الهندى وسيرون السائس فما يفارقانهما أينما سارا وهذا مما جعل جلال الدين مطمئن النفس من قبلهما لا يخاف عليهما سوءا.
وبينما كان يسيران في مؤخرة الجيش إذ بصرا عن يمينهما بأرنب بري منطلق بين الحشائش في أسفل الجبل فساق محمود في طلبه ، وانطلقت جهاد وراءه وجد معهما الحارسان ليرداهما عن ذلك حتى غابوا جميعا في منعطف الجبل ولم يكثرت لهم أحد من الجيش اتكالا على وجود الحارسين مع الأميرين ،ولم يخامر أحدا منهم شك في أن هؤلاء سيعودون ويلحقون بهم ، وقد صار مألوفا عندهم أن يتخلف الأميران عنهم قليلا فلا يلبثان أن يعدوا وراءهم حتى يفوتاهم .
أما ما فات الجيش كله علمه ، فهو أن سبعة من الأكراد الموتورين كانوا يسيرون وراءه غير بعيد منه متوارين خلف الأشجار أو خلف التلال يتطلعون إليه يقظين حذرين بحيث يرونه من حيث لا يراهم قد لمحوا محمود يطرد وراء الأرنب ناحية الجبل وخلفه جهاد والحارسان فداروا من خلف الجبل وطلعوا عليه من ثنيته فجأة فاحاطوا بهم وتلقف أحدهم محمود فأنزله من جواده وكم فاه ، وقبض ثان على جهاد وصنع بها ما صنع رفيقه بمحمود ، وهدد الأخرون الشيخ سلامة وسيرون بقتلهما وقتل الأميرين معهما إذا صاح أحدهما بكلمة أو أبديا حركة للفرار ، فهم سيرون بالاستغاثة ولكن الشيخ سلامة أشار له أن يلزم الصمت وأن يطيع القوم فاستسلما لهم خوفا على حياة الأميرين وطمعا في أن يلحق بهم جماعة من الجيش للبحث عنهم إذا استبطئوا عودهم .
ولكن هذا لم يغب عن الأشقياء فجعلوا همهم الفرار بهم من ذلك الموضع بأسرع ما يمكنهم ، فأردف اثنان منهم الصبيين وسبقاهم إلى الثنية ، وتبعهما الآخرون يسوقون الحارسين بسيوفهم حتى إذا بلغوا السفح الآخر من الجبل بدت من قبل سيرون محاولة للهرب ، فما أملهله أحدهم أن طعنه برمحه في كبده حتى أثبته فأخذوه فرموا به في منحدر ضيق عن يمين الجبل ، وأخذوا بعنان جواده ومضوا في منعطفات الجبال وسلطوا الأودية الضيقة ومازالوا كذلك حتى رقوا بهم الجبل الذى لاذ به جلال الدين بعد ذلك حيث طارده التتار ، فلقى حتفه على يد الكردى الموتور .
وكان يسكن هذا الجبل قوم من الأكراد شطار يقطعون الطرق على القوافل فينهبونها وعلى المسافرين فيقتلونهم ويخطفون أطفالهم ونسائهم فيبيعونهم لعملائهم من تجار الرقيق الذين كانوا يرتادون هذا الجبل لهذا الغرض الممقوت فيحملهم هؤلاء إلى أسواق العراق ومصر والشام .
لم يقم محمود وجهاد بجبل الشطار إلا بضعة أيام حتى جاء أحد تجار الرقيق إلى الجبل فعرضوهما عليه بعد أن غيروا اسميهما العربيين باسمين أعجميين فاشتراهما منهم بمائة دينار أما الشيخ سلامة فإنه لما عرض على التاجر أبى أن يشتريه ، وقال : (ما أصنع بهذا الشيخ الفانى ) ، فاستاء الشيخ من ذلك فقد كان يود أن يصحب الأميرين لعلهما يستأنسان به ، أو يحتاجان إلى خدمته ولو بعض حين ، ريثما يوطنان أنفسهما لهذا الأسلوب الجديد من الحياة الشاقة التى تختلف عن حياتهما السابقة كل الاختلاف ولما يئس من مرافقتهما لأن التاجر أبى شراءه حزن لذلك أشد الحزن إلا أنه تعلل بأنه مهما رافقهما فلابد أن يفترق عنهما يوما في سوق النخاسة فسلم أمرهما إلى الله .
وأراد أن يزودهما بنصيحة تنفعهما في حياتهما الجديدة ، فتوسل إلى البائعين ، ليأذنوا له أن ينفرد بهما كي يودعهما ويسدى إليها نصائح تنفعهما فأذنوا له بذلك ، وكان مما يسر له موافقتهم أ، محمودا كان لا يكف عن التبرم والشكوى ولا يفتأ يلعن خاطفيه ويسبهم ويعلن أنه ابن أخت السلطان جلال الدين ، وأن جهاد ابنته ، وأن من باعهما أو اشتراهما فهو متعرض لنقمة السلطان وسطوته ، وكان يضرب بيده أو يركل برجله أي واحد من هؤلاء يقترب منه ، فيعاقبونه بالضرب الموجع ليمتنع عن ذلك فلا يمتنع ،وأن جهاد كانت تواصل البكاء لا يرقأ لها دمع ولا يسوغ لها طعام ، حتى نحل جسمها ، واصفر وجهها ، وخشى عليها من جراء ذلك فقال لهم الشيخ : إنه لو خلا بهما فتلطف في نصحهما لربما استطاع أن يفثأ لو عنهما ويهدئ ثورتهما ، ويصرفهما عما هما فيه من البكاء وعدم الانقياد ، فكان في ذلك مصلحتهما ومصلحتهم ومصلحة التاجر ، وكان يقول لهم ذلك بغاية الحكمة الرزانة فاستنصحوه واستصوبوا رأيه وقبلوا طلبه .
ولما خلال بهما قال لهما بصوت يفيض رقة وحنان ، ويتنازعه الحزن والتجلد : (يا أميرى الحبيبين قد رأيتما ما نحن فيه من البلاء والمكروه ، وإن علينا أن نلقاه بالصبر حتى يأتينا الفرج من الله ، وإنه لقريب إن شاء الله إنكما حديثا السن ، طريا العود ، ولكن الله قد رزقكما من الذكاء والفطنة ما تفوقان به على كثير ممن هو أكبر منكما سنا ، أنتما من أولاد الملوك فجدير بكما أن تصبرا صبر الملوك إن الجزع لا يفيدكما شيئا بل يزيد بلائكما وشقاءكما ، وربما يسلمكما إلى مرض يودي بحياتكما فيشق ذلك على مولاي السلطان جلال الدين حين يطلبكما بعد أن ينتهى من قتال التتار فلا يجدكما ، يا ولدي العزيزين ، إن هؤلاء اللصوص اختطفوكما ، فباعوكما لهذا التاجر ، وإن مصلحته أن تكونا معه بخير حتى يبيعكما بثمن يرضيه ، فاسمعا له وأطيعاه ، ليحسن معاملتكما ، ولا يتعرض لكما بسب أو إهانة ، وإنه يعرف قدركما ولا يجهل قيمتكما ، وسيطلب بكما ثمنا كبيرا فلا يتصدى لشرائكما إلا السراة والأمراء ومن فوقهم من الملوك والخلفاء حيث تعيشان في قصورهم عيشة صالحة ، حتى تنقضى هذه المنحة القصيرة إن شاء الله ، إن مولاى السلطان جلال الدين سينتصر على التتار بإذن الله ، وسأكتب إليه بأمركما فسيبعث في طلبكما من أطراف الأرض ، وسترجعان إليه فيفرح بكما وتفرحان به ولكي يسهل عليه الاهتداء إليكما ، عليكما أن تصغيا لما أقول ، إياكما أن تقولا لأحد إنكما من أولاد جلال الدين اكتما هذه الحقيقة عن كل أحد لأن هذه الحقيقة قد تسبب لكما متاعب أنتما في غنى عنها وقد تحول دون سهولة الاهتداء غليكما حين يسعى في طلبكما مولاي السلطان إذ قد يضن بكما من تكونان في حيازته فيبالغ في إخفائكما ، ويحول بينكما وبين وسائل الإعلان عن مقركما ، إما بالكتابة إلىمولاي السلطان أو الاتصال بأحد معارفه أو رسله أما إذا بقى هذا السر مكتوما حتى تحين ساعة الطلب فسيكون يسيرا عليكما أن تهدياه إلى مقركما ، حيث يأخذكم إليه ، والحمد لله قد كفانا هؤلاء اللصوص مؤنة تغيير سميكما ، فليعتمد كلاكما اسمه الجديد ، ولا يجد في ذلك حرجا ، فإنه اسم مؤقت ينتهى أجله حيث تنقشع هذه الغمامة ويومئذ يموت المملوك قطز ، و تموت المملوكة جلنار ، ويعود الأمير محمود ابن ممدود والأميرة جهادة بنت السلطان جلال الدين إلى القصر الملكى بغزنة ، حيث يرثان ملك آل خوارزم شاه بعد عمر مديد لمولاي السلطان أما تذكر نبوءة المنجم يا أميرى محمود إذ بشر بأنك ستكون ملكا كبيرا وتهزم التتار هزيمة ساحقة ؟ ) وسكت الشيخ هنية كأنه ينتظر تصديق الأمير له .
فقال محمود : ( بلى : إنى لأذكرها ، ولكنى أصبحت لا أؤمن بصدقها اليوم ) .
قال الشيخ : 0لا تقل هذا يا مولاى فإنك ستكون ملكا ، وتهزم التتار ، ومولاي السلطان لا يشك في هذا البتة ).
قال محمود : ( هيهات أن يكون المملوك ملكا ، إنى لا أريد الملك ،وحسبى أن أعود أنا وجهاد إلىخالي ، وأقاتل التتار معه ) .
فقال الشيخ : اذكر قصة يوسف الصديق ـ عليه اسلام ـ كيف بيع بدراهم معدودة لعزيز مصر فما لبث أن صار ملكا على مصر ، وهكذا تحدثنى نفسى أنك ستكون كيوسف غير أن يوسف كان من بيت النبوة ، وأ،ت من بيت الملك ، يا ليتنى أعيش حتى أراكما تملكان البلاد ،، ولكنى شيخ كبير لا أحسب عمري يمتد بي إلى ذلك العهد السعيد ).
وكانت جهاد تصغى لحديث الشيخ بكل جوارحها ، وقد كفكفت دمعها ، واطمأنت إلى صدق ما يقول ، فما قال الشيخ كلمته هذه حتى قالت له : ( كلا إنك ستكون معنا دائما ولن تفارقنا ) .
فقال الشيخ : ( يسمع الله منك يا أميرتى الصغيرة ، وإنى سأبقى هنا ؛ لأن التاجر أبى أن يشترينى لكبر سنى ، ولكنى سألقاكما قريبا إن شاء الله عند مولاي جلال الدين فلا أفارقكما حتى الموت ولعل بقائى هنا أنفع لنا ، إذ أكون قريبا من بلادنا فأكاتب السلطان بأمركما ، وأطمئنه بوجودكما ) .
وأحس الشيخ بأن مدة الانفراد بالصبيين قد طالت ، وخشى من غضب الجماعة عليه ، فأعاد عليهما مجمل حديثه السابق تثبيتا له في أذهانهما وأكد عليهما ألا يبوحا بحقيقة حالهما لأحد وأن يطيعا أمر مولاهما ، ليحسن معاملتهما ، ثم دنا منهما فضمهما إلى صدره وهو يقول : ( استودعكما الله حافظ الودائع ) ، فطفقا يبكيان ويقبلانه رأسه ، ثم قام بعد أن هدأهما وجفف دموعهما ، وسار بهما إلى مجلس القوم ، حيث ينتظرهما التاجر ليمضى بهما فقال له : ( يا سيدى إنى قد أوصيتهما بطاعتك فلن يخالفا أمرك ، فأوصيك بهما خيرا ، إنهما حديثا السن قليلا التجارب فارفق بهما وأحسن سياستهما بارك الله لك فيهما وبارك لهما فيك ) .
وعجب القوم إذا رأوا الغلام قد لان جانبه وانكسرت شكيمته بعد أن كان عصيا عنيدا ، والجارية قد سكن جأشها واطمأن بالها فتبعا مولاهما طائعين غير متمردين ولا متذمرين غير أنهما لما ارتحل التاجر بهما على بغاله ، غامت عيونهما بالدمع والتفتا إلى جهة الشيخ وجعلا يلوحان له بأيدهما حتى اختفيا واختلف القوم في أمر الشيخ ماذا يصنعون به ، فمن قائل : نطلقه يمضى حيث يشاء ومن قائل : نستخدمه وندعه يحتطب لنا ، حتى اتفقونا آخر الأمر على أن يبقوه عندهم حتى يبيعوه لتاجر آخر قد يرغب في شرائه .
وما أوى الشيخ سلامة إلى محبسه حتى انكب على وجهه وجعل يبكى بكاء مرا ، وهاجت شجونه فتذكر أيامه في خدمة مولاه الكبير ، السلطان خوارزم شاه ، وخدمة السلطان جلال الدين من بعده ، وما شهدت عيناه من الأحداث والنكبات التى حلت ببيتهما ، وكان آخرها هذا الذى نزل ببقية ذلك البيت المجيد وأفضى بهذين الأميرين الصغيرين إلى ذل العبودية وهوان الرق ، حيث يباعان في أسواق النخاسة ويتنقلان في أيدى المالكين .
ومما زاده ألما وملأه حسرة وكمدا أنه ـ وهو خادمهما الأمين ـ قد استعمل نفوذه عليهما ، وثقتهما به واطمئنانهما إليه ، في حملهما على الرضاء بهذا الهوان واستنزالهما عن إيمانهما وعزتهما ، ليخضعا خضوع العبيد لمن اشتراهما بمائة دينار وأنه استغل سذاجتهما وسلامة نيتهما وقلة بصرهما بالحياة فخدعهما عن حقيقة حالهما ، وكنه مصيرهما وأوهمهما ضلة وكذبا أن هذه محنة طارئة لا تلبث أن تزول وغمة عارضة لا تلبث أن تنقشع .
نعم إنه أشفق عليهما من إهانة المولى وقسوة المالك ، ولم يرد بهما إلا الخير إذ نصحهما بالخضوع وحسان الطاعة ولكن علام هذا كله ، وفيم هذا الحرص على البقاء وما قيمة الحياة إذا فقد المرء حريته وشرفه ، وصار سلعة تباع وتشترى ؟ فكيف بأمير وأميرة نشأ في أكبر بيوت الملك وتقلبا في أعطاف النعمة والعز ، يراد بهما أن يرضيا بحياة العبد والأمة حيث يلقيان صنوف الذل وألوان الامتهان ويلقى إليهما أن في ذلك خيرهما وسعادتهما لئلا يأتيهما الموت فيقطع عنهما فتات الموائد وفضول الشراب!
إنهما ذهبا راضيين لما خلبهما من سحر حديثه آملين أن يعود إلى كنف السلطان جلال الدين بعد برهة قصيرة من الزمن فماذا يكون حالهما إذ تبدد منهما هذا الحلم الجميل وعرفا الحقيقة المرة : أن لا خلاص من حياة الرق ، ولا فكاك لهما من قيد الاستعباد؟ أنكى من ذلك أن هذين الأميرين عاشا أليفين متلازمين منذ الطفولة لم يغب أحدهما يوما عن الآخر ، ولا يكاد يصبر ساعة عنه ، وقد ظنا حين ذهبا مع النخاس أنهما سيظلان كما كانا رفيقين متلازمين ، ولم يخطر ببالهما قط أن أسواق الرقيق قد تفرق بينهما فيقع هذا في يد رجل من المشرق وتباع هذه لرجل من المغرب ، وكانا يشعران من طول تلازمهما أنهما شخصان لا يفترقان نأبدا وأنهما سيعيشان معا ويموتان معا ، وما دار بخلدهما أن أحدا من الناس مهما بلغ من الحول والقوة ومهما بلغ في تعذيبهما واضطهادهما يمكن أن يفكروا في إبعاد أحدهما عن الآخر فهذا شيء لا سبيل إليه ، وما علما أن تجار الرقيق لا يرعون لمثل هذه الألفة عهدا ، ولا يقيمون لهذه الصحبة الطويلة والتعاطف الأخوى وزنا ، وإنما يعتبرون المال وحده ، ويميلون مع الريح حيث يميل ، فإن قدر لهما أن تضمهما نيمين مالك واحد ، كان ذلك اتفاقا غريبا وصدفة غير مقصودة لا رعاية ولا إبقاء على اجتماع شملهما .
جاشت هذه الخواطر كلها بقلب الشيخ المكلومن فشعر بهم عظيم يسد ما بين جوانحه ويأخذ بأكظامه فمل الحياة وتمنى لو اخترمه الموت فأراحه من همومه وآلامه وبقى أياما لا يذوق الطعام الذى يقدم إليه حتى وهنت قوته وساء حاله ، وأصابته حمى شديدة بات يهذى منها طوال ليله ، حتى وجدوه في الصباح جسدا هامدا لا حراك به ؛ فكفنوه في ثيابه ، وأهالوا عليه التراب .
مات الشيخ سلامة الهندى ، ولم يدر بخلده وهو ينعى نفسه في ذلك الجبل النازح أن مولاه وولي نعمته السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سيلقى حتفه في ذلك الجبل بعد بضعة أيام من وفاته ويدفن على مرمى حجر من قبره في تربة كل قاطنيها عنهما غريب ، وليس لهما بينهم من صديق أو حبيب .

:yasser-atrees (296):yasser-atrees (296):yasser-atrees (296):yasser-atrees (296)
**********************
الفصل السادس
سوق الرقيق
أما قطز وجلنار فقد وصل بهما التجار إلى حلب ، فأنزلهما معه في بيت بعض معارفه ، وكساهما ثيابا حسنة وأراحهما ، ولم يكلفهما أي عمل يقومان به ، ولم يحبسهما في المنزل بل تركهما يجيئان ويذهبان كما شاءا في ساحة الحي ، وكان لطيفا معهما طوال الطريق ، يقدم لهما الطعام ، ويساعدهما في الركوب والنزول ويجاذبهما أطراف الحديث ويداعبهما ويسليهما بالقصص والنوادر باللغة الفارسية التى كان يجيدها إجادة حسنة حتى مال الصبيان إليه ، وخف عنهما ما كان يجدان من الوحشة والقلق ، ونظرا إليه كأنه صديق لهما ، لا مالك اشتراهما بالمال ، وكان للتاجر مملوك ثالث في سنهما يدعى بيبرس ، قد أحضره إليه أحد وكلائه فضمه إليهما ، ولكنه كان يعامله معاملة قاسية ، ويضربه ويحبسه في المنزل لا يبرحه مثلهما فعجبا في أول الأمر من خلق الرجل كيف يرفق بهما ذلك الرفق ، ثم يقسو هذه القسوة على الغلام ؟ ولكن سرعان ما زال عجبهما حين عرفا بيبرس تمرده على مولاه ، وسوء خلقه معه ، وميله دائما للإباق منه فأدركا حينئذ أن مولاهما حكيم في سياسه يعامل كلا بما يلبيق به من الشدة واللين على أنهما مع ذلك لم يخلو من الرقة لهذا الغلام القبجاقى الأشقر ، ذي العيون الزرق التى تنم عن الحيلة والمكر ، فكان قطز يحسن إليه على غير علم هؤلاء ، ويقتطع له شيئا من إدامه وحلواه فيقدمه له فيلتهمه الصبى التهاما ف، فنشات من جراء ذلك صداقة متينة بينهما ، أما جلنار فكانت مع شفقتها عليه تشعر بنفور شديد منه ، وتتقى نظراته الحادة كأنها سهام ماضية لا تقوى على احتمالها عيناها الوديعتان .
وما هي إلا أيام قلائل حتى حل موعد السوق بحلب ، وكان يوم الأربعاء من كل أسبوع فتقاطر إليه الناس من سائر مدن الشام وقراه ، ليشهدوا منافع لهم ويبيعوا ويبتاعوا وكان يقام في رحبه واسعة في طرف من أطراف المدينة تنصب فيها الخيام وتضرب فيها السرادقات العظيمة وتقسم أقساما ، فقسم للحبوب والغلال ، وقسم للأقمشة والملابس من الصوف والقطن والكتان والحرير ، وقسم للآنية والسرج وسائر أدوات المنازل ، وقسم للأدوية والعطور ، والأدهنة والمقويات وقسم للجوارى والعبيد ، وقسم للخيول والمواشى ، على آخر ما هنالك وكان كل قسم من هذه الأقسام يسمى سوقا فسوق الغلال ، وسوق البز ، وسوق الرقيق ، وسوق الخيل وهلم جرا .
ولما أصبح يوم الأربعاء أمر التاجر مواليه الثلاثة فاغتسلوا وكساهم ، أصلح شعورهم وطيبهم ثم مضى بهم إلى السوق الكبير ، أما بيبرس فقد أمسك التاجر بيده يجره جرا وهو يسبه ويلعنه ، وأما قطز وجلنار فقد أطلقهما فسارا فرحين وما يظنان إلا أنهما ذاهبان لشهود هذا الموسم العظيم ، والتفرج على ما فيه ، حتى بلغ بهمن سوق الرقيق ، فإذا سرادقات عظيمة مملوءة بالجوارى والغلمان من بيض وسود وألوان بين ذلك شتى وقد جلسوا على الحصر جماعات متفرقة وقام على كل جماعة منهم الدلال الذى عهد إليه ببيعها ، فيأخذ الدلال أحدهم ويوقفه علىدكة منصوبة أمامه وينادى عليه بين الذين حضروا للابتياع بكلمات مسجوعة أو منظومة في الإشادة بمحاسن المعروض للترغيب في شرائه ، وهؤلاء السماسرة يفتنون في ذلك افتنانا عجيبا ، ويستعين كثير منهم بالشعراء لينظموا لهم مقوطعات في أوصاف الجوارى والغلمان ونعوتهم المختلفة ، فينادون بها على من يعرضون من الرقيق بحسب ما يقتضيه المقام .
وما أن سلم النخاس مواليه الثلاثة إلى أحد الدلالين حتى جعل يقلبهم ، ويصعد النظر فيهم ، كأنه يختبر نعوتهم ، ويتبين سماتهم ، ثم كتب أسماءهم في دفتره ، و تحت كل اسم منها صفته وسنه وأصله ، وأقل قيمة يطلبها صاحبه فيه ثم دفعهم إلى الحصير فقعدوا عليه بين غيرهم من الرقيق الذى عنده .
أما بيبرس فقعد مطمئنا لا أثر عليه من امتعاض واكتئاب وجعل يجيل نظراته الحادة فيمن حوله من الناس فإذا رأى عبدا أسودا أو جارية شوهاء وغلاما قبيح الخلقة ضحك عليه ، وأشار لقطز إليه غير مكترث بالدلال الذى كان يحده بالنظر مرة بعد مرة ويقطب له ليردعه بذلك من عمله فما يجيبه بيبرس بغير إخراج لسانه وتحريك حاجبيه .
وأما قطز وجلنار فقد غلبهما الوجوم وأصبحا لا يعيان شيئا مما حولهما ، وظنا أنفسهما في منام لا في حقيقة لولا أنهما تذكرا ما وقع لهما من اختطاف اللصوص ثم بيعهم إياهما للنخاس ، وما زالا بعد في ريب من أن يكون التاجر الواقف أمامهما بعد إذ سلمهما للدلال هو عين ذلك الرجل الذى أحسن إليهما منذ يومهما وأظهر لهما ذلك البر وتلك الرعاية ، وترقرق الدمع في مآقيهما فكانا يمسحانه بطرف ردائهما مسارقة وما أمسك دمعهما أن ينسكب إلا حياؤهما من أن يبدو عليهما الضعف بين من حولهما من الناس أو يظهر أقل جلدا واحتمالا من زميلهما الضاحك العابث .
ومرت ساعات طويلة شهدا كيف تعرض الإماء والعبيد والغلمان ، وينادى عليهم ويقلبهم الراغبون في الشراء ظهر لبطن لأفرق بينهم وبين السلع فينفق من ينفق منهم فيمضى لسبيله مع من اشتراه ويبور من يبور فيعاد إلى مكانه في الحصير كاسف البال حتى جاء دورهما ودور صاحبهما فبدى بيبرس ونصب على المنصة وهو يتلفت يمينا وشمالا وقد جرد من ثيابه إلا ما يستر وسطه فبدا يابس الساقين بارز الصدر مفتول الساعدين فنادى المنادى وهو يضرب على صدره وظهره.
من للفتى القبجاقى ؟ ينفع في الحماق
يدفع عن مولاه كيد الذى عاداه
مغامرا مقداما يعز من يؤويه
يهزأ بالأهوال في ساحة النزال
فتقدم إليه رجل يظهر من سحنائه وزيه أنه تاجر من مصر ، فاشتراه ونقد الدلال ثمنه مائة دينار وكان مالكه النخاس لا يطمع في أكثر من خمسين دينارا ولكن الدلال لما لحظ تطلع التاجر المصري إليه وشدة رغبته فيه جعل يرفع قيمته حتى بلغ بها مائة ، فكان فوق أجرة الدلال نصف ما زاد من قيمته على ما حدده المالك أي خمسة وعشرون دينار ، وقد فرح الدلال بهذه الصفقة فرحا كبيرا جعله يبالغ في ملاطفة التاجر المصرى ويقول له:
(خذه غليك .. بارك الله لك فيه ، وحافظ على هذا الغلام الخبيث ، فإنه شرس أباق ) .
ولم يكن بيبرس يعرف العربية إلا قليلا ولكنه فهم من حركات الدلال وإشارات يده ونبرات صوته معنى الكلام الذى نادى به عليه ، فوقف حين وقف على الدكة مختالا بنفسه مدللا بقوته ، ونزل حين نزل منها ومشى إلى مولاه المصرى مزهوا يكاد يخرق الأرض تيها ولم يمض المصرى بعد أن اشترى بيبرس بل عاد إلى مكانه الأول ولزمه ينظر إلى الصبيين الوضيئين كأنه يرغب في شرائهما أيضا ، أو يريد أن يرى كم يبلغ ثمنهما .
وأخذ الزحام يشتد على خلقة الدلال حينما تهيأ لعرضهما وكان في الحاضرين رجل دمشقى جميل الهيئة تبدو عليه مخايل النعمة واليسار قد وخطه الشيب في رأسه ولحيته فزاده وقارا وهيبة وقد حضر إلى سوق الرقيق من الصباح الباكر ، فظل زمنا يطروف على حلقات السماسرة يجيل بصره في وجوه الرقيق وكلما لمحت عينه صبيا أو صبية ، وقف عنده يتأمله تأملا دقيقا ، حتى وصل على حلقة دلالنا حافظ الواسطى فما وقع بصره على قطز وجلنار حى خفق قلبه وقال في نفسه : (هأنذا قد وجدت بغيتى ) ووقف برهة يتفرس في الصبيين فما يزداد إلا ميلا إليهما ورغبة فيهما ، ثم دار على الحلقات الأخرى كرة أخرى كأنه أراد أن يتثبت لنفسه ويستيقن أن ليس فيها أصلح له منهما ، وأوفق أو إنما شاء أن يصرف الأنظار عنه ، ولا سيما نظر الدلال لئلا يعرف تعلقه بهما فيغليهما عليه ، ثم عاد إلى الحلقة واتخذ لنفسه مقعدا في جانب منها ، بحيث يرى الصبيين فظل يسارقهما ويسارق الناس النظر إليهما طوال لبثه هناك ينظر أوان عرضهما .
وما لبث قطز وجلنار أن شعرا بمكان هذا الشيخ الجميل الهيئة وتكراره النظر إليهما دون سائر الحاضرين الذين شغلهم التطلع إلى المعروضين قبلهما ، والاستماع إلى ما ينادى به الدلال الفصيح عليهم ، من طرائف البيان الممتع فألهاهم ذلك عنهما ، وهما يمسحان دمعهما الفينة بعد الفينة خلسة عن الأعين إلا عين ذلك الشيخ الذى كان لا يغفل عنهما لحة ، كأنه مشغول بهما عما الناس فيه ، فتضايقا أول الأمر من عينه العالقة وحسباه رقيبا موكلا باستطلاع ما يحاولان ستره عن العيون من لواعج همهما لما شعرا به من الذل والمهانة في ذلك الموقف البغيض ولكنهما ما لبثا إذ رأيا الطيبة الناطقة في وجهه ، والحنان الفائض من عينيه أن تبدل شعورهما نحوه فصارا يميلان إليه ، وطفقا يبادلانه النظر بحب وطمأنينة ، أحس بهما الرجل فشاع السرور في وجهه ، ولولا مراعاة الحاضرين لقام إليهما فاحتضنهما كما يحتضن الأب ولديه يلقاهما بعد غياب طويل ، وكذلك كان شعور الصبيين نحوه شبيها بشعوره نحوهما ، إذ أحسا كأنه صديق لهما يعرف حقيقة حالهما ، وسر نكبتهما قد جاء لينقذهما مما هما فيه ،وما يدريهما ألا يكون رسولا من قبل أبيهما السلطان جلال الدين قد بعث في طلبهما بعد أن فرغ من قتال التتار ، ألم يقل لهما ذلك الشيخ سلامة الهندى ؟ ألم يعدهما بأنه سيكاتب السلطان بأمرهما من الجبل ؟ !.
كانا الصبيان يجيلان هذه الأفكار في رأسيهما في وقت معا ، كأنما يستبقان في شوط واحد ، ولا بدع في نذلك من أمرهما لأنهما درجا معا حتى بلغا من التآلف والتمازج أن صار أحدهما يعلم خبيئة نفس الأخر ، ومكنون صدره كأنما يشعران بقلب واحد ، ولبثا ينتظران أوان عرضهما بفارغ الصبر ، وهما لا يشكان في أن صاحبهما سيتقدم لشرائهما ولا يغليهما عنده ثمن ، وتشوقا إلى معرفة سره إذا ما اشتراهما ومضى بهما من ذلك السوق الذى أندى جبينهما ولقيا فيه الخزى والهوان .
أما الدلال فإنه ما كاد يفرغ من أمر بيبرس حتى وجد الناس يتطلعون إلى الصبيين ، وما يشكون في أنهما شقيقان لشدة تقاربهما في الملامح ، واتفاقهما في الدم ، فوقف أمامهما لا يدرى بأيهما يبدأ ، وكانت سُنته في ذلك أن يبدأ باأقل قدرا ليحتفظ ببقاء الناس في حلقته متطلعين إلى من يفضله من الباقين عنده وقد حار أي الصبيين يقدم ، لأنه لم يجزم أيهما يفضل أخاه ، ولكن قظز قطع عليه هذا التحير في التخير ، إذا قام فتقدم يعرض نفسه ، فما وسع الدلال إلا قبول عرضه ، فأوقفه على الدكة ووجهه يحمر خجلا ، يكاد ينبجس منه الدم ونادى عليه والعيون ثابتة فيه :
من للغلام الوسيم من للنجار الكريم
ذكاؤه فوق سنه وحسنه دون يمنه
سماحة وشجاعة وعزة ووداعة
لولا صروف الليالى ما بيع هذا بمال
ولم يكد الدلال يتم نداءه هذا حتى تسابق الراغبون في شرائه أيهم يفوز به ، فجعلوا يتبارون في رفع قيمته حتى بلغوا بها مائتين وسبعين ، فأتمها الدمشقى ثلاثمائة فلم يجرؤ أحد على الزيادة ، فسلمه الدلال إليه وهنأه به ومضى الغلام إلى مولاه الجديد فرحا يحمد الله على أن لم يظفر به سواه ووقف قريبا منه وما لبث الشبع أن كلمه كلاما لينا تطيبا لخاطره ، فلم يفهم قطز ما يقول ، ولكنه أدرك أنه يلاطفه بذلك ، فود لو أنه كان يعرف اللسان العربى ليجيبه على حديثه .
فاكتفى بأن ابتسم له ، ولم يمهلهما الدلال طويلا إذ أخذ حينئذ بيد جلنار فأقامها على الدكة فتوجه انتباههما وانتباه الناس إليها ، وقد تورد خداها وأخذت ترنو إلى قطز وإلى مولاه الشيخ كأنها تستعطفه أن يحوزها ولا يدع أحد غيره يفوز بها دونه .
ولم يخف على الدلال تطلع الحاضرين ، ولا سيما الرجل الدمشقى لشرائها ولو شاء لاستغنى بعرضها عن المناداة عليها ، ولكنه لم يشأ أن يخل بعادته هذه ، ولم تطب نفسه بالسكوت عن الإشادة بمحاسن هذه الصبية البارعة الحسن فجعل يقول :
يا قطرة من الندى يا فلقة من القمر
يا نسمة من الشذى تنفست وقت السحر .
حاملة في ردنها أطيب أنفاس الزهر
فتنافس الحاضرون في شرائها ، ولكن الرجل الدمشقى ظل يزايدهم في الثمن حتى بلغ ثلاثمائة دينار ، وكان قد عزم على أن يقف عند هذا الحد ولا يزيد عليه ، وكاد يتركها لمنافسه الذى زاد عليه عشرة دنانير لولا أن نظر إلى قطز فرآه ممتقع الجبين ، يابس الشفتين يتنفض من القلق ، والدمع في عينيه يستعطفانه ألا يبخل بالزيادة لئلا يفرق بينه وبين رفيقته ، فرق له ، وغلبته الشفقة ، فزاد أربعين دينارا دفعة واحدة ، ليقطع على منافسة السبيل ، فعرف المنافس أن لا فائدة من المزايدة فتركها له ، وما كان اشد فرح الغلام إذ أعلن الدلال أنها لمولاة وقدمها له فنقده الشيخ ثلاثمائة وخمسين دينارا ومضى بهما وهما لا يكادان يصدقان من الفرح أنهما قد نجوا من خطر الافتراق .

[ سليل المجد ]
03/07/2007, 06:15 AM
صديقى صقر الأندلس اشكرك على مجهودك وفكرة العظيمة في أن تجعل الشباب تقرأ مثل هذه القصص فهي قصص بها الكثير من البطولات والتضحيات نحتاجه في حياتنا اليوم أكثر من أي زمن أخر ومشكورا اجعلنى بعد اذنك أن أكمل لك القصة كلها من الفصل الثالث إلى الفصل السادس عشر كامل متكامل ولكن إعذرنى حيث أننى في كل يوم سوف أضيف فصل واحد فقط .
ونسأل الله أن يجعله في ميزان حسانتك
صديقك

أعجز أخي عن شكرك
لك التوفيق في دنياك وأخرتك
خذ راحتك الموضوع بإستطاعتك أن تكمله
أنا ولله الحمد سريع في الكتابة
وأتمنى منك أن تجعلنا نتقاسم الفصول بيننا ونكملها سوياً

أخوك المحب صقر الأندلس

آتلا قارلوقي
03/07/2007, 08:36 AM
مشكور على هذا الموضوع الجميل

[ سليل المجد ]
03/07/2007, 10:13 PM
مشكور على هذا الموضوع الجميل

حياك أخي